وهذا المعنى متحقق في المقام وما ذكرمن الصور لا ترجع إلى عدم الخوف كما في صورة ما إذا علم بأن الآخر يفعله فإنها خارجة عن المقام لأنه بذلك لا يكون عنده خوف من الترك. وأما صورة ما إذا أكره أحد الوكيلين على بيع دار موكلها أو أحد الوليين على بيع مال الصبي أو المجنون فالحق أيضاً لا يصدق الإكراه على من علم منهما بأن الآخر يفعله وإنما يصدق الإكراه إذا لم يعلم بأن الآخر يفعله لوجود الخوف والرهبة من تركه.
ثامن الفروع الوكالة المكره عليها:
أنه لو أكره على توكيل غيره في إيقاع العقد بأن قال له السلطان وكلّ غيرك في البيع عنك فالظاهر فساد الوكالة وصيرورة العقد فضولياً لعدم صحة الوكالة لكونها مكرهاً عليها فتكون بمنزلة العدم ومثله ما إذا أكره الأجنبي غيره على بيع مال شخص آخر كأن السلطان يكره السلطان الدلال على بيع مال زيد أو القصي فإنه يكون البيع فضولياً موقوفاً على إجازة المالك أو الولي. نعم لو أن المالك أكره غيره على قبول الوكالة عن نفسه بأن ألزمه على إيجاد البيع وكالة عنه فأوجده غيره مكرهاً عليه كمن يكره ولده أو زوجته على بيع ما يملكه فأوجد البيع لما يملكه مكرهين على إنشاء الصيغة فالظاهر صحة البيع ولزومه كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري (ره) إذ المفروض استجماع المعاملة لسائر الشرائط حتى الرضا من المالك وإلا لما أكره الوكيل على العقد وإنما المفقود في المقام هو صدور العقد
من المالك ورضاء العاقد ولا ريب في عدم لزوم صدوره من المالك وإلا لما صحت الوكالة في العقد ولما صح البيع الفضولي وهكذا لاريب في عدم لزوم رضا العاقد وليس دليلًا على اعتباره وإنما الدليل قام على اعتبار رضا المالك لأنه بيده سلطنة المال. والحاصل أن العقد قد حصل وأن الرضا من المالك قد تحقق وإلا لما أكره العاقد مع فرض تمامية باقي الشروط المعتبرة في المعاملة فتكون الصحة هنا أولى من الصحة فيما أكره على البيع ثم تعقبه الرضا لأن الرضا هنا قد تحقق من المالك مقارناً لصدور العقد.
إن قلت إن أدلة الإكراه تجعل العبارة المكره عليها ملغاة بحكم العدم كعبارة المجنون والنائم فلا يكون العقد حينئذ متحققاً كما هو المحكي عن صاحب الجواهر والمسالك؟
قلنا: أدلة الإكراه إنما ترفع الأثر عن فعل المكرَه وقوله (فيما نحن فيه) نقول إن عبارة الوكيل لا أثر لها بالنسبة إليه نفسه لأنه مكرَه على الوكالة فيها وإنما الأثر المتحقق فيما نحن فيه بالنسبة للمكرِه باعتبار أن العقد قد صدر وهو راضٍ بمضمونه فأدلة العقود تشمل هذا العقد لأنه منها وطيب النفس بمضمونه قد كان ممن بيده المال فكانت أركان المعاملة متحققة غاية الأمر أن العقد قد أجراه غيره وهذا لا يضر في صحة المعاملة بعد شمول عمومات العقود لها.
إن قلت: إن من شرط صحة المعاملة هو قصد المعنى من العقد والعاقد فيما نحن فيه لم يعلم قصده للمعنى من العقد لأنه كان
مكرهاً على العقد، وأصالة قصد المعنى من اللفظ في موارد الشك في قصده إنما هي أصل عقلائي فلا يجرونه إلا في مقام إحراز كون المتكلم مختاراً في كلامه لا مكره عليه فلا تنفع في المقام اصالة قصد المعنى من اللفظ في إثبات أن المكرَه على العقد قاصداً لمعناه ومع عدم إحراز القصد للمعنى لا يمكن إثبات صحة المعاملة؟
قلنا: محل كلامنا هو جمع المعاملة لباقي شرائط الصحة مع أن العقلاء يجرون أصالة العقد للمعنى كما يجرون في حق المكرَه أيضاً أصالة الظهور وأصالة الحقيقة مضافاً إلى أن اللفظ بقصد التلفظ به يكون قد قصد معناه فإن وضع اللفظ للمعنى موجب للتلازم بينهما بحيث يلزم من العلم به العلم بالمعنى فقصد اللفظ يترشح منه قصد المعنى نظير قصد كل ملزوم يترشح منه قصد اللازم.
إن قلت: إن من شرط تأثير العقد إنتسابه إلى المالك، ومع الإكراه على إجراء العقد عن المالك لم يكن العقد منتسباً للمالك مع أن حديث الرفع يرفع انتساب العقد إلى المالك لأنه من الآثار؟
قلنا: هو منتسب للمالك لإكراهه الوكيل عليه فإن في إكراه المسبب أقوى من المباشر بل إن رضاءه به كاف في انتسابه إليه فإن المعتبر في العقود هو الإنتساب للمالك بهذا المقدار لذا صح البيع الفضولي والوكالة في العقود وحديث الرفع إنما يرفع الآثار الشرعية وانتساب العقد للمالك أمر واقعي لا شرعي فلا يرفعه حديث الرفع.
إن قلت: إن هذا العقد يكون نافذاً على الوكيل لو كان
صحيحاً لأن المال يصبح للمشتري. وعلى الوكيل المكرَه أن يرتب على هذا المال آثار الملكية للمشتري وهي آثار شرعية فيرفعها حديث الرفع؟
قلنا: ترتّب هذه الآثار الشرعية إنما كان من جهة تحقق المعاملة التامة من مالك المال لا من جهة صدور عقدها من الوكيل المكرَه والإكراه إنما وقع على صدور العقد وليس لصدوره أثر شرعي، نعم لو فرض أن لصدوره أثراً شرعياً كان حديث الرفع يرفعه كما لو حلف أو نذر أن لا يجري عقد بيع فإنه يكون الأثر الشرعي لإجراءه هو الحنث. وهكذا لو كان إجراء العقد محرماً وقت النداء فهو لا حرمة عليه بواسطة الإكراه.
تاسع الفروع إن الإكراه بحق لا يترتب عليه فساد المعاملة:
إن الإكراه الذي ذكرنا أنه مانع من صحة العقد والإيقاع هو غير الإكراه بحق وأما الإكراه بحق كما لو أكرهه الشارع على طلاق زوجته أو بيع ماله وكأكراه الحربي على الإسلام فلا يمنع من صحة المعاملة لأن الشارع قد أمضاه فتكون شرطية الرضا للمعاملة ساقطة عند الشارع بل إن إكراه من له الولاية الشرعية للمولّى عليه ليس من الإكراه في شيء لأنه يكون تنفيذاً لحقه وإعمالًا لسلطنته ولو صرّح المكره في هذا الحال بأني أتلفظ بالصيغة من دون الإنشاء للمعاملة كان من قبيل الممتنع عن المعاملة فلا بد من قيام الحاكم الشرعي
مقامه لأنه ولي الممتنع. ولو شك في إرادته للإنشاء فقد يقال بعدم صحة المعاملة لأن الظهور إنما ينعقد للفظ إذا كان المتكلم به مختاراً وإلا فلا. ودعوى أنه يكتفي بالشهادتين في ثبوت الإسلام بمجرد التلفظ بهما حتى مع الإكراه على الإسلام والشك في إرادة الإسلام بهما مدفوعة بأن الدليل قد قام على ذلك حتى مع الشك في إرادة الإسلام بهما دون ما نحن فيه فإن الدليل إنما يقتضي سقوط شرطية الرضا فقط ولا دليل على سقوط الإنشاء للمعاملة فلا بد من إحرازه في المعاملة ومع الإكراه لا يحرز بإصالة الظهور لأنها من باب بناء العقلاء والعقلاء لا يبنون عليها عن إكراه المتكلم على كلامه، والتحقيق أن يقال بالإكتفاء بالتلفظ بالمعاملة مالم يحرز عدم إنشاءه لها فمع الشك في إرادة الإنشاء مع الإكراه يكتفى في صحتها فإن العقلاء يبنون على ظهور لمن يرجع لمحاوراتهم وعلى ذلك معاملة الدول في الأقارير والشهادات حتى بين الغالب منها والمغلوب ومن هذا الباب قبول الإسلام بمجرد الشهادتين ما لم يحرز عدم إرادته لمعناهما. سلمنا لكن الأدلة الدالة على جواز الإكراه بحق تقتضي الإكتفاء بمجرد التلفظ بالمعاملة وإلا لم يبق لها مورد وإن بقي فهو في غاية الشذوذ لا يصح إرادته من مطلقاته وعموماتها.
ويحضرني فعلًا للإكراه بحق أمثلة منها تقويم العبد في سراية العتق وفكه للأرث وبيعه من الكافر إذا أسلم في يد الكافر وبيع المصحف من الكافر إذا كان في يد الكافر وبيع مال الإنسان لوفاء دينه أو لنفقة واجبة عليه وبيع الحيوان إذا لم يقم صاحبه بنفقته وبيع
الطعام عند المخمصة والإحتكار وبيع الطعام أو الماء أو الدواء على المشرف على الهلاك.
عاشر الفروع دعوى الإكراه على المعاملة:
أنه لو إدعى الإكراه في المعاملات كما لو ادعت المرأة الإكراه في عقد النكاح أو ادعى الرجل الإكراه في الطلاق أو البيع أو نحو ذلك فالمحكي عن التذكرة أنه يُقبل قوله مع اليمين والقرينة والأصح عدم قبوله إلا مع البينة إلا إذا كان له ظهور يعتد به.
الحادي عشر من الفروع/ الإكراه بضرر للمكرَه الحق بإيقاعه:
إن الإكراه إذا كان بضرر له الحق في ارتكابه كما لو أكره زوجته على عدم الذهاب لأهلها بأنه لو فعلت ذلك طلقها أو كان إن أجلس إمرأة في داره مجاناً ثم أكرهها على الزواج بها أو بيع حاجة من حوائجها عليه بأن هددها بإخراجها من الدار إذا لم تتزوج به أو لم تبعه وهي محتاجة للجلوس في هذا الدار فالظاهر أن هذا الإكراه ليس بحرام لأنه ليس بظلم كما أن العمل الصادر بواسطته يترتب عليه الأثر لو كان له أثر فالنكاح صحيح والبيع صحيح فإنه يكون من الملجأ بواسطة أمور خارجية للمعاملة نظير من احتاج للدواء فباع داره ليشتريه ونظير ما إذا قال لك لا أبيعك الدواء إلا أن تهب لي هذه الجارية فإن الهبة لا شك في صحتها وقد نقل لي
عن أحد الأعاظم من المجتهدين بأنه لما دخل على زوجته في الليلة الأولى طلب منها أن تهب له المهر الغائب وإلا لم يقاربها فوهبته له والأمر لا يخلو عن الإشكال.
الثاني عشر من الفروع/ جواز إضرار الغير إذا أكره عليه:
إذا أكرهه على الإضرار بغيره فهل يجوز إضرار ذلك الغير فالمنسوب لصاحب الجواهر (ره) والشيخ الأنصاري (ره) هو جواز ذلك مطلقاً حتى لو كان الضرر المتوعد به أقل من الضرر المكرَه عليه المتوجه للغير بحسب إرادة المكرِه وقد تقدم البحث في ذلك مفصلًا في مبحث اشتراط عدم الضرر.
الثالث عشر من الفروع/ فيما إذا كان الطلب منه يخاف من مخالفته الضرر:
أنه لو لم يكرهه شخص على بيع ماله ولكن طلب منه أحد بيع ماله وقد خاف من شر آخر لو لم يلبِّ طلبه كما لو طلب منه ابن السلطان بيع داره دون أن يتوعده بالضرر لو لم يفعل ولكن خاف من ضرر السلطان لو لم يبعه فالظاهر أنه لا إكراه فيما لو باع إلا إذا كان أمر ابن السلطان أمراً للسلطان كما في موظفي الدولة فلو باع كان بيعه صحيحاً نظير من يبيع فراراً من سوء الجار أو لدفع أجور المرض وليس فيه إكراه لأن الإكراه كما عرفت حمل الغير على
العمل بتوعده على الضرر وهنا لم يوعد بالضرر. ودعوى عدم طيب النفس فاسدة فإن طيب النفس موجود لدفع شر الغير نظير من يبيع داره لدفع شر الأعداء عنه فيكون بيعه بإرادة مستقلة فلا وجه لما ذكره بعض أساتذة العصر من فساد البيع.
الرابع عشر من الفروع/ إكراه السلطان بيع المال بثمن معين:
إن ما يقوم به السلطان من إكراه أهل المال على بيعه بسعر محدود يتصور على نحوين، أحدهما أن يكون المال عند المكرَه فيكرهه السلطان على بيعه وإن يكون البيع بهذه القيمة فهذا لا إشكال في بطلانه ولابد من استرضاء صاحب المال وأخرى أن يأمر السلطان بأن من اشترى من المال الفلاني كاللحم والحنطة وأراد بيعه فلا بد من ان يكون بهذه القيمة لا أزيد منها ففي هذه الصورة يمكن أن يقال بعدم الإكراه لأنه هو أقدم على ذلك ووطن نفسه عليه.
الخامس عشر من الفروع/ الشك في الإكراه على المعاملة:
أنه عند الشك في الإكراه على المعاملة أما ان يلاحظ بالنسبة للمكرَه نفسه وهو لا وجه له لأنه أعرف بنفسه من غيره في أنها مكرًه عليها أم لا، وأما أن يلاحظ بالنسبة إلى الحاكم عند اختلاف المتعاقدين في وقوع المعاملة عن إكراه وعدمها وعليه أن يكلف مدعي