غيره وإجازته، ويؤيد ما ذكرناه هو ما ذكره بعضهم من أن ظاهر الآية هو تقرير لما عليه العرف من مسلوبية العبد لاختياره. إذا عرفت ذلك فنقول إن نفي القدرة عن العبد يقتضي حرمة التصرف التكليفية وعدم ترتب الأثر الشرعي فيما كان له أثر شرعي كالعقود والإيقاعات لأن القدرة المنفية ليست هي القدرة العقلية بمعنى التمكن من العمل لكونها ثابتة له بالوجدان والعيان فلا بد من أن يكون المراد بها القدرة الشرعية وليس معنى نفيها إلا الحرمة التكليفية والوضعية وإلا لكان قادراً شرعاً على فعل الشيء وحيث أن نفي القدرة الشرعية في الآية الشريفة قد تعلق بالشيء وكان نكرة في سياق النفي فيكون معنى الآية الشريفة هو حرمة كل شيء على العبد تكليفاً ووضعاً فتدل الآية الشريفة على حرمة سائر تصرفات العبد وعدم ترتب الأثر على تصرفاته من المعاملات وغيرها وهو المطلوب وما دلّ على صحة بعض تصرفاته كالعبادات الواجبة ونحوها والتصرفات الضرورية للحياة ونحوها إنما هو بواسطة قيام الدليل المخصص للآية من عقل أو نقل فثبت أن كل تصرفات العبد حرام تكليفاً أو وضعاً إلا ما قام الدليل عليه وهو المطلوب فالظاهر من الآية الشريفة هو تشبه الأصنام بالعبد المملوك الذي يكون من أوصافه اللازمة له عدم قدرته على شيء. إن قلت إن الآية تدل على نفي القدرة بالنسبة إلى التصرفات المالية دون غيرها بقرينة قوله تعالى فيما بعد: [ومْنَ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُو يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً].
قلنا: قد أجيب عن ذلك بأن ذكر الرزق ليس لإفادة انحصار القدرة في الإنفاق بل إيراده لإثبات كمال القدرة وأنه قادر على كل شيء بخلاف العبد.
والجواب عن هذا الدليل الثاني: إنه لا ريب في أن ليس المراد بالقدرة المنفية هو القدرة العقلية لكون العبد قادراً عقلًاعلى كل ما يقدر عليه الحر ومتمكناً منه فصَوناً لكلام الحكيم عن اللغوية لا بد من حمل القدرة على غير العقلية وليس غير العقلية إلا الشرعية فيكون المعنى أنه غير قادر شرعاً على الشيء ومعنى سلب القدرة الشرعية على الشيء هو الحرمة التكليفية وعدم ترتب الأثر شرعاً عليه وإلا لكان قادراً على الشيء شرعاً، ولكن هذا المعنى لا يمكن الإلتزام به في المقام لأن لازمه أن يكون العبد محرمة جميع الأشياء عليه ولا يترتب أثرها الشرعي لو صدرت منه من دون إذن سيده لكون اللفظ (الشيء) نكرة واقعة بعد النفي فتفيد العموم وهو خلاف البديهة وضرورة الدين لكون العبد لا إشكال في وجوب أغلب الواجبات عليه وإباحة سائر الأشياء المحتاج إليها في شئون الحياة كالأكل والشرب والتكلم والنوم ونحو ذلك وعليه فيلزم التخصيص المستهجن في الآية الشريفة فلا بد من حمل الشيء على المعنى المناسب للمقام وهو الشيء الذي ينافي مملوكية العبد لمولاه ولا يتناسب مع شأنها كالسفر والتزويج والطلاق ونحو ذلك فإنه أقرب المجازات. وعليه فالآية لا تدل إلا على حرمة ما كان من التصرفات كذلك، لا حرمة جميع التصرفات وحينئذ فالتخصيص
لهذا المعنى وإن كان موجوداً إلا أنه ليس بمستهجن بالنسبة إليه ولا وجه لحملها على إرادة الشيء المعتد به كما صدر من المرحوم النائني. فإن الشيء الحقير إذا نهى عنه المولى كان محرماً بالإجماع مع أنه لم يكن معتداً به ولكن يكون فعله منافياً لملكية المولى للعبد مع أن السيرة على أن الشيء الحقير لو نافى ملكية العبد يكون حراماً ويصح توبيخ المولى للعبد على فعله.
والحاصل إن مناسبة الحكم للموضوع مع أخذ المملوكية وصفاً للعبد مع قرائن الأحوال تقتضي حمل الشيء على الشيء الذي يتنافى وشأنية الملكية للعبد كما أنه لا وجه لما صدر من بعض أساتذة العصر من حمل نفي القدرة على نفي القدرة الشرعية الوضعية إذ لا قرينة على ذلك تستدعيه سوى لزوم التخصيص المستهجن وهو لا يوجب تعيين الحمل عليه ولا أرجحيته على باقي الإحتمالات في المقام. هذا وقد ذكر المرحوم المرزا فتاح في حاشيته على المكاسب أن الآية الشريفة غير دالة على إرادة البيان للحكم الشرعي حتى يؤخذ بعموم الشيء وأن القدرة يراد بها معناها الظاهر منها وهو القدرة الخارجية وأن الشيء المراد منه المال والإنفاق سراً وجهراً بقرينة مقابلته [مَنْ رَزَقْناهُ رِزْقاً حَسَناً] فالآية المراد منها إن العبد لا يقدر على المال أخذاً وعطاءاً لأنه مكتوف اليد من سيده فهو نظير أن يقال زوجة فلان لا تقدر على العمل باعتبار أن زوجها مقيداً لها وأن ابن فلان لا يقدر على شيء باعتبار أن أباه مقيد له وأن رعايا المملكة
الفلانية لا يقدرون أن يخرجوا منها باعتبار أنهم مقيدون بحكم قانونهم عن الخروج عنها. وفيه إن مقتضى ذلك هو تقرير الشارع لسلب هذه القدرة المتعارفة من العبيد بالنسبة لمواليهم فإن الشارع لو ذكر مثل ذلك على سبيل التمثيل كان منه إمضاءاً له شرعاً وقد عرفت أن لازم سلب القدرة شرعاً هو حرمة الشيء تكليفاً ووضعاً.
الدليل الثالث: العمومات الناطقة بحرمة التصرف في مال غيره والعبد إذا فعل فعلًا وعمل عملًا فقد تصدق في نفسه ورقبته التي هي ملك لسيده من دون إذنه.
وفيه إنها منصرفة عن تصرف العبد في نفسه. نعم هي تدل على حرمة تصرف غيره في العبد تصرفاً يعتد به كما هو متبادر منها.
الدليل الرابع: الروايات الواردة في خصوص المقام منها الصحيح المروي عن كتاب من لا يحضره الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر (ع) وعن أبي عبد الله (ع) قالا: (المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيده)، قلت: فإن كان السيد زوجه بيد من الطلاق؟ قالا (ع): (بيد السيد [ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] أفشيء الطلاق؟) بتقريب أن (لا يجوز) عبارة عن نفي الجواز التكليفي الذي هو بمعنى الحرمة ويتم في باقي الأفعال بضميمة عدم القول بالفصل. على أن ظاهر الاستشهاد للمدعى بالآية الدالة على نفي القدرة على كل شيء هو عدم جواز كل شيء منه.
ومنها ما في موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) سألته عن مملوك تزوج بغير إذن سيده فقال (ع): (ذاك إلى سيده إن شاء أجازه وإن شاء فرّق بينهما)، قلت: أصلحك الله إن الحكم بن عيينية وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون إن أصل النكاح فاسد ولا يحلله إجازة السيد، فقال (ع): (إنه لم يعصِ الله وإنما عصى سيده فإذا أجازه فهو جائز له).
ومنها ما روي عنه (ع) أيضاً في جواب من سأله عن رجل تزوج عبده بغير إذنه فدخل بها ثم إطلّع على ذلك مولاه فقال (ع): (ذلك إلى مولاه إن شاء فرق بينهما وإن شاء أجاز نكاحهما وللمرأة ما أصدقها إلا أن يكون اعتدى فأصدقها صداقاً كثيراً فإن أجاز نكاحهما فهما على نكاحه الأول) فقلت لأبي جعفر (ع): فإنه في أصل النكاح كان عاصياً، فقال (ع): (إنما أتى شيئاً حلالًا وليس بعاصِ الله وإنما عصى سيده)، إن ذلك ليس كإتيانه ما حرّم الله عليه من نكاح في عده وأشباهه، بتقريب إنه عبر عن فعله بغير إذن سيده بالعصيان ومعلوم أن عصيان العبد لسيده حرام وأما نفي عصيانه لله فإنما هو باعتبار أنه ليس عصياناً لله إبتداءاً وليس من الأمور التي نهى الله تعالى عنها بخصوصياتها وعناوينها فلا ينافي عروض التحريم وكون معصيته لله باعتبار كونه عصياناً للسيد.
وجوابه إن الخصم لو سلم ذلك فهو إنما يقتضي الحرمة في الموارد المذكورة دون ماعداها ولا نسلم عدم القول بالفصل كيف والمسألة فيها أقوال كثيرة ولم تكن محررة على أن الرواية الأولى ظاهرة في نفي الجواز بمعنى الصحة والنفوذ فإن الظاهر من لفظ الجواز إذا أضيف للمعاملة هو النفوذ والصحة وأما الرواية الثانية ففيها: إن مجرد التعبير بلفظة عصى لا يفيد كونه محرماً إذ ليس متعلق العصيان هو الله تعالى حتى يكون حراماً وإنما متعلقه السيد ولم يكن في الحديث ما يدل على أن عصيان السيد محرم عند الله تعالى سلمنا لكن لم يصدر من السيد نهي عن نكاحه وإنما فعل العبد فعلًا بغير إذنه والعصيان بهذا المعنى ليس مما يسلّم حرمته فمعنى الحديث أنه إنما فعل فعلًا غير مأذون فيه فيكون قد خالف مقتضيات مولوية غيره له فعبر بالعصيان لأن المطلوب من العبد أن لا يخالف مقتضيات السيادة والمولوية عليه فلا يأتي بالعمل من دون إذن مولاه وسيده فإذا حصل من المولى الإذن بعد ذلك جاز لعدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق ههنا لأن بواسطة تحقق أحدهما لم يكن قد خالف مقتضيات السيادة والمولوية.
ومن المعلوم أن مجرد التعبير بلفظ العصيان لا يوجب كونه حراماً شرعاً كما في قوله تعالى: [وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى]، فهنا أولى لأن مفعول عصى في الآية هو الرب ومفعوله في الحديث هو السيد وإذا لم يكن التعبير بلفظ معصية الرب مستلزماً للحرمة فالتعبير بلفظ
معصية السيد أولى بل لعل الحديث ظاهر في عدم الحرمة التكليفية حيث نفى فيه معصية الله تعالى والمراد ثم هنا وجه آخر محتمل في الرواية وهي أن المراد بالحرمة هي الحرمة الوضعية والمراد بالعصيان هو العصيان الوضعي بمعنى ارتكاب ما هو فاسد فيكون المعنى أنه لم يأتِ بما هو فاسد من جهة السيد ويكون النهي إرشاداً إلى فساد المعاملة ثم إن في الحديث المذكور وما في معناه وجهاً آخر أفاده بعض الأواخر نظر إلى أنه وما في معناه معارض بصحيح منصور عن أبي عبد الله (ع) عن مملوك تزوج بغير إذن مولاه أعاصٍ لله تعالى؟ قال (ع): (عاصِ لمولاه)، قلت: حرام هو؟ قال (ع): ما أزعم أنه حرام، قل له أن لا يفعل)، فقد قيل أنه كالنص في إرادة خلاف الأولى مع سيده من معصيته وإنه ينبغي له أن لا يعقد من دون إذن سيده وبه مع عدم القول بالفصل بينه وبين باقي العقود ونحوها وقد تخص العمومات الناهية عن التصرف في مال الغير بدعوى أن نفسه ملك لغيره ونكاحه من دون إذن سيده تصرف في ملك غيره فيكون هذا الخبر مع عدم القول بالفصل يخصص هذه العمومات لو قلنا بأنها شاملة للعبد وغير منصرفة عن تصرفات العبد في نفسه.
ودعوى استشهاد العمل بها على وجه يقصر الصحيح عن تخصيصها محل نظر لا سيما مع عدم تعرض الأكثر لذلك ظاهراً. قال المرحوم المامغاني هذا الوجه وجيه بل أوجه مما قدمناه بعد ملاحظة صحيح منصور المذكور فإن الأخبار يكشف بعضها عن بعض
ولا غائلة في التمسك به من جهة اشتماله على لفظ الزعم الذي حكي فيه عن الأزهري أن أكثر ما يكون هو فيما يشك فيه ولا تتحقق وفي المصباح أنه قال بعضهم هو كناية عن الكذب، وقال المرزوقي أكثر ما يستعمل فيما كان باطلًا أو فيه ارتياب. وقال ابن القوطية زعم زعماً قال خبراً لا يدري أحق هو أو باطل. قال الخطابي ولهذا قيل زعم مطية الكذب انتهى. لأن إرادة غير معنى الإعتقاد على تقدير ثبوت وضعه لما فيه ارتياب ونحوه غير مناسب لشأن المعصوم (ع) فصدور الكلام منه (ع) قرينة على إرادة الإعتقاد وقد صرّح في المصباح بإطلاقه على الإعتقاد، والحاصل أنه لا دليل على حرمة تصرفات العبد على وجه العموم إذ لم نظفر بدليل غير المذكورات وهي لو سلمت دلالتها فلا تدل على أزيد من حرمة التصرفات المنافية لخدمة المولى أو تضيع حقه وهذا هو الذي يساعد عليه كلماتهم وتقتضيه السيرة على جواز تصرف العبد في نفسه بما لا يخالف إرادة المولى وترك مراعاة حقوقه.
الإذن في التصرف سابقاً أو لاحقاً يرفع الحرمة التكليفية والوضعية والشك فيه:
لا ريب في أن الإذن السابق على التصرف والمقارن له يرفع الحرمة التكليفية والوضعية عن تصرف العبد للإجماع وللأخبار المتقدمة وأما الإذن اللاحق فقد قيل إنه يرفع الحرمة الوضعية فقط