عدمه، وكونها أحد الأطراف لو سلم لحصول العلم إجمالًا بوقوعه فيها أو في غيرها من الآيات غير ضائر أيضاً بحجية آياتها لفقد شرط مانعية العلم الإجمالي وهي كون التكليف في كل من أطرافه لو كان هو الواقع منجزاً وليس ما نحن فيه كذلك لعدم حجية ظاهر سائر الآيات والعلم الإجمالي بوقوع الخلل في الظواهر إنما يمنع من حجيتها إذا كانت كلها حجة وإلا لا يكاد ينفك ظاهر عن ذلك العلم الإجمالي لا في كتاب ولا في سنة ولا في غيرها فتبطل حجية كل ظاهر وهو كما ترى وعدم حجية سائر الظواهر شرعاً واضح لعدم ترتب أثر شرعي عليها في غير ظواهر آيات الأحكام ولا معنى للحجية إلا ذلك كما لا يخفى عليك فافهم. نعم لو كان الخلل المعلوم إجمالًا المحتمل فيه أو في غيره على وجه يكون في الواقع ونفس الأمر أما بالظاهر نفسه أو بما اتصل به بمعنى كون الظاهر وما اتصل طرفين للعلم لأخل هذا العلم بحجيته قطعاً لكن لانتفاء الموضوع لا المحمول ضرورة أن إخلاله على هذا الوجه لعدم انعقاد ظهور له حينئذ وان انعقد له الظهور لولا اتصاله لا لعدم حجيته مع انعقاد ظهوره كما هو واضح.
تنبيه:
قد أجاب صاحب الفوائد الطوسية عن الاستدلال باخبار العرض بأجوبة عشرة هي أو هن من بيت العنكبوت. وقد وقع في كلامه فيها من التهافت والتدافع والكذب والافتراء ما لا ينبغي
صدوره من أدنى المحصلين، وأقوى ما ذكره فيها عاشر الأجوبة وهو ان الاستدلال بحديث عرض الحديث على القرآن دوري لأنه يجب عرضه أيضاً على القرآن فإن وافقه كان استدلالا بالقرآن على العمل بالقرآن وإن خالفه لم يجز العمل به ومهما أجبتم فهو جوابنا- انتهى. وفيه ما لا يخفى على من له أدنى مسكة.
أما أولًا: فلأن هذا عليه لا له لو عقل! إذ لو لم تكن حجية الكتاب معلومة أما من غير هذا الخبر أو من هذا الخبر بدلالة الاقتضاء أو الالتزام لم يعقل صدور هذا الخبر منهم لعلمهم بوجوب عرضه أيضاً كغيره فيكونوا قد أمروا بتمييز الحجة بما ليس بحجة أو بما يتوقف تمييز حجيته على كون هذا بنفسه حجة متميزة فصدور خبر العرض عنهم اما محال أو على الحجية، نعم الدال والأول باطل لا مكان صدوره بالنسبة الى خصوص المخاطبين المشافهين فيتعين الثاني.
وأما ثانياً: فلأن من المعلوم ان وجوب عرض الأخبار إنما هو لتمييز الصادق من الكاذب لدس الأخبار الكاذبة كما علل بذلك في الأخبار فمعلوم الصدق والكذب لا يجب عرضه وحديث العرض معلوم الصدق لتواتره معنى كما لا يخفى على المستتبع فلا يجب عرضه.
لا يقال هذا لا يتأتى في كل خبر إذا لوحظ بنفسه مع قطع النظر عن غيره ونحن إنما ندعي انه لا يمكن أن يكون النبي أو الإمام
(ع) قد أرادا بخبر العرض الدلالة على حجية الكتاب وان لزم ذلك في حق من كثرت عنده اخبار العرض حتى صارت قطعية الصدور ولكن ذلك لا يجدي بعد ما بينا استحالة أن يدل الإمام على حجية الكتاب بخبر العرض فلا يكون دليلًا. لأنا نقول ان كل خبر صدر من النبي والإمام (ع) ان يريد به اعلام المخاطب المشافه له بحجية الكتاب لأن هذا الخبر عند المشافه قطعي الصدور فلا يجب عرضه فلا مانع من كونه دليلًا قصد به الدلالة على ذلك النسبة الى المشافه فإذا ثبت ذلك في حق المشافه ثبت في حق الجميع لقاعدة الاشتراك وعدم القول بالفصل فالنبي والإمام وإن علماً ان الخبر لا يمكن أن يكون دليلًا في حق الغائبين مع كثرة الوسائط الموجبة لوجوب عرضه أيضاً في حقهم إلا ان علمهما بامكان ذلك في حق المشافه الموجب لثبوت الحجية في حق الجميع كاف في صدوره كما لا يخفى. هذا مع ان وجوب عرض خبر العرض مستلزم لحجية قبل العرض إذ لا مدرك لهذا الوجوب غيره وحجيته قبل العرض مستلزمة لعدم وجوب عرضه كلما يستلزم وجوده عدمه فهو محال فوجوب عرض خبر العرض محال فهو حجة بلا عرض فيكون دليلًا على المطلوب فهو دليل وجوب عرض الأخبار مخصص بخبر العرض نفسه بحكم العقل.
وأما ثالثاً: فلو سلمنا وجوب عرض خبر العرض فنقول: أولًا إن موافقة خبر العرض لنصوص الكتاب كافية في حجيته وقد دل على وجوب عرض جميع الأخبار على الكتاب فيلزم حجية ظواهره
بالضرورة لعدم وجود نصوص في الكتاب وافية بعرض جميع الأخبار عليهما وهذا مما لا ريب فيه عند الفريقين. اللهم إلا ان يذهب ذاهب الى عدم حجية نصوصه أيضاً. كما ربما يستتم المحكي عن بعض هذه الفرقة ولكن مثل هذا الذاهب لا جواب له إلا السكوت.
وثانياً نقول إن أخبار العرض قد تضمنت وجوب العرض على الكتاب وعلى السنة القطعية ولابد من ذلك لعدم وفاء ما في الكتاب وحده بهذا الأمر فتكون موافقة خبر العرض للسنة القطعية كافية في حجيته فإذا استغنى عرضه على الكتاب تم المطلوب.
رابعاً: فلو سلمنا ذلك كله فنقول انه ليس من الدور الباطل اللازم فيه تقدم الشيء على نفسه بل هو دور معيّه فتعرف حجية الكتاب وحجية خبر العرض في آن واحد ويكون المعصوم قد أنشأ بخبر العرض الدلالة عليحجيتهما معاً بلا ترتب ولا تقدم وذلك كاف في الاستدلال به على حجية الكتاب كما لا يخفى على الناقد البصير.
اختلاف القراءات
ثم لا يخفى عليك ان التحقيق ان الاختلاف في القراءة بما يوجب اختلاف المعنى من أجل الاختلاف في الظهور مثل (يطهرن) حيث قرء بالتشديد والتخفيف يوجب الإخلال لا محالة بجواز
التمسك والاستدلال لعدم إحراز ماهو القرآن فيكون من باب اشتباه الحجة بغير الحجة لا من باب تزاحم الحجتين إلا ان تكون القراءات متواترة أو يدل دليل معتبر على جواز الاستدلال بكل قراءة فيستكشف من ذلك بدلالة كونه قرآناً فحينئذ يجوز الاستدلال ولكن لم يثبت تواتر القراءات ولا دل دليل على جواز الاستدلال بكل قراءة وان نسب الى المشهور تواترها لكنه مما لا أصل لها وإنما الثابت جواز القراءة بها ولا ملازمة بينهما كما لا يخفى. ولو فرض قيام الدليل على جواز الاستدلال بها المدخل لها في باب تزاحم الحجيتين فلا وجه لملاحظة الترجيح بينهما بعد عدم دليل على الترجيح في مطلق المتزاحمين ضرورة ان الثابت ليس إلا كون الأصل في تعارض الامارات هو سقوطها عن الحجية في خصوص المؤدى بحكم العقل بناءاً على اعتبارها من باب الطريقية والتخيير بينهما شرعاً بناءاً على كونه حكماً ظاهرياً ثبت في مورد تعارض الطريقين كما ان الثابت هو التخيير عقلًا وشرعاً بناءاً على اعتبارها من باب السببية تخييراً واقعياً كما هو الحال في تزاحم الواجبات والمستحبات مع عدم دليل على الترجيح في غير الروايات من سائر الامارات فلابد من الرجوع حينئذ في القراءتين المختلفتين سواء كان من باب اشتباه الحجة بغير الحجة أم من اشتباه الحجتين الى الأصل ان لم يكن اطلاق أو عموم أو العموم والاطلاق ان ثبتا ولا أصل أو الى أحدهما ان ثبتا معاً فيرجع اما الى استصحاب حكم المخصص كحرمة الوطء في مثال الحائض أو الى عموم ما دل على جواز وطأ الزوجة ساعة أزمان
حيضها المعلوم حسب اختلاف المقامات في الصورتين الاوليتين والاداء في الصورة الثالثة ويظهر من بعضهم عدم العمل باخبار التخيير بعد البناء على الطريقية لاطلاقه السقوط والظاهر انها مستفيضة معتبرة اللهم الا أن يقال ان كلامه من حيث اقتضاء القاعدة الاولية تعارضاً وتزاحماً لا بالنظر الى الأخبار هذا بناءاً على ما ذهب اليه واما بناءاً على ما ذهبنا اليه من الموضوعية والسببية لكن على نهج متوسط بين النهجين المعروفين فالحكم هو التخيير مطلقاً ويأتي تحقيق ذلك في محله المناسب إن شاء الله تعالى.
السنة
المستند الثاني لمعرفة الأحكام الشرعية هو السنة وهي لغة الطريقة يقال سنة فلان أي طريقته والجمع سنن كغرفة وغرف ونقلها الاصوليون الى طريقة المعصوم لبيان الأحكام الشرعية من دون تقية سواء كان النبي والأئمة (ع) أم الأولياء الذين اذهب عنهم الرجس ممن ثبت عصمتهم من باب نقل المقام الى الخامس بنحو التعين وغلبة الاستعمال.
وطريقة المعصوم (ع) لبيان الأحكام تارة تكون بالقول نطقاً أو كتباً كقوله (ع) كل شيء طاهر حتى تعلم نجاسته، ونصاً أو اشارة. وتارة تكون بعمله وفعله كما إذا صلى الفريضة عدة مرات على الراحلة في السفر أو قبل زوجته وهو صائم فانه يدل على
جواز ذلك. وتارة تكون بالترك كما لو ترك التكفر في صلاته أو ترك الاقامة أو الأذان في صلاته فانه يدل على صحة الصلاة من دون ذلك. وتارة تكون بالتقرير وهو عبارة عن سكوت المعصوم عند قول أو فعل أو ترك في محل يجب الردع لو كان فاسداً فتركه للردع والحال هذه كاشف عن رضاه به وهو دليل الجواز ولذا كانت السيرة على شيء في زمان المعصوم مع عدم ردعه عنها تدل على جواز ذلك الشيء.
والكلام الحاكي للسنة أي لقول المعصوم أو فعله أو تقريره يسمى بالحديث والخبر والأثر ولقد منع بعض الأفاضل اتباع السنة النبوية التي لم تفسر بقول أهل الذكر (ع) لما ذكر في المنع من اتباع ظاهر القرآن ولكثرة الافتراء والكذب على النبي (ص) بحيث امتنع التمييز بين الحق والباطل منها فلا يجوز الأخذ بها إلا بتمييز أهل الذكر (ع) للباطل منها عن الحق ولو بأن لم يظهر منهم (ع) انكارها مع موافقتها لدليل العقل وايجابها الظن بالصدور منه (ص) وايجابها الظن المصحح للعمل بها. واصحابنا لا يوجبون العمل إلا بهذه السنة المذكورة. وقد رد عليه بعضهم بأنه قد اوجب الشيخ (ره) في العدة العمل بالخبر من طريق المخالفين إذا لم يكن للشيعة في حكمه خبر يخالفه ولا يعرف لهم فيه قول لما روي عن الصادق (ع) انه قال إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا فيما روي عن علي (ع) فاعملوا به وعملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث العامي الكوفي القاضي