بعد ذكره سؤال الفيض بن المختار عن سبب كثرة الاختلاف بين الشيعة فقال ابو عبد الله أجل هو كما ذكرت يا فيض ان الناس ولعوا بالكذب علينا وروي عن الصادق (ع) انه قال ان لكل رجل منا رجل يكذب علينا الى غيرها من الأخبار الدالة على اشتراكهما في العلة.
وقال المرحوم الشيخ عبد الحسين ولا يخفى عليك ان هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية لابتناء استنباط أغلب الأحكام الشرعية على الحجية وعلى ثبوت حجية أخبار الآحاد يبتني هدم دليل الانسداد وكيف كان فالكلام فيها. تارة في اشكال عد هذه المسألة من المسائل الأصولية بناءاً على المشهور حيث انها باحثة عن ثبوت الدليل والمسائل إنما تكون باحثة عن عوارضه بعد ثبوته لوجوب كونه بينا في نفسه كالموجود بما هو موجود الذي هو موضوع للفلسفة الأولى أو مبيّناً في علم أعلى كالمقدار للحساب المبين في الهندسة وحيث قد اثبتنا ان الملاك في المسألة الاصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط ولو لم يكن البحث فيها عن الادلة الأربعة وان اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الاصول هي الأدلة لكون الموضوع عندنا هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله ومن الواضح ان نتيجة هذه المسألة وهي حجية الخبر الحاكي للدليل الذي هو السنة من أسمى طرق استنباط الاحكام فلا اشكال في عدها من المسائل أصلًا بل لا وجه لاخراجها عنها مع تحقق ملاكها فيها كما لا يخفى. واما بناءاً على ما اشتهر فالاشكال وارد على عدها منها ولا مدفع له عند جملة من المحققين ولا يكاد يفيد في
ذلك، أي في دفع اشكال كون هذه المسألة أصولية تجشم دعوى أن الحكم فيها انما هو من دليلية الدليل والبحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل وعوارضه فتكون مسألة باحثه عن عوارض الموضوع لأن الموضوع هو ذات الادلة الأربعة لا بوصفها العنواني وعدم افادة هذا التجشم واضح ضرورة ان البحث في المسألة لو سلمنا ان الموضوع ذات الأدلة ليس عن دليلية الأدلة لأن ذات الدليل هي السنة التي هي قول الإمام وما بعده دليلًا وحجة بل البحث انما هو عن حجية الخبر الحاكي عنها ومنشأ الاشتباه توهم ان السنة هو الخبر الحاكي لا المحكي وهو توهم فاسد لا ينبغي الإلتفات اليه. كما لا يكاد يفيد تجشم دعوى العلامة المرتضى الأنصاري (أعلى الله مقامه) ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة وهي قول الحجة أو فعله أو تقريره هل ثبت بخبر الواحد او لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة، والوجه في عدم افادة هذا التجشم واضح فان التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها لأن دليلية الخبر الحاكي للسنة انما دل على كون السنة المشكوك ثبوتها تثبت بخبر الواحد تعبداً كما لا يخفى.
هذا مع ان البحث عن ثبوت السنة بالخبر لم يكن عنواناً في تحرير هذه المسألة في كلام واحد وانما هو لازم لما يبحث عنه في المسألة عن حجية الخبر الذي هو عنوان المسألة والمبحوث عنه من المسائل بعنوانه المطابقي انما هو الملاك في انها من المباحث للعلم أو من غيره لا ما هو لازمه كذا قيل.
وفيه من ان الثبوت من عوارض السنة نفسها فكما ان التواتر يثبتها بما هي لا بما هي مشكوكة فكذلك الخبر انما يثبتها كما هي بذاتها لا بما هي مشكوكة وجميع مؤديات الطرق على هذا النحو ليس الشك من قيودها.
نعم هو من قيود مجاري الاصول وكون المقصود من البحث عن حجية الخبر أولا وبالذات هذا المعنى مما لا ريب فيه اذ ليس للخبر من حيث هو خبر موضوعية والبحث عن حجيته بما هو حاكي ومثبت هو البحث عن ثبوت المحكي به فاي خلل في كونه هذا البحث من المسائل نعم لو كان هذا من اللوازم غير المقصودة اولا وبالذات كان لما أفاده وجه، وليس الأمر كذلك فالمقام اشبه شيء بالكتابة بل اولى منها كما هو واضح لا يخفى على الفطن فما أفاده شيخنا العلامة في غاية الجودة.
وتارة في ثبوت السنة بالخبر فالمحكي عن السيد والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن ادريس عدم ثبوتها بالخبر وعدم حجية الخبر بل الأخباريون قاطبة مانعون عن حجيته وانما يعملون بالموجود في الكتب الأربعة بعنوان انه قطعي الصدور فالنزاع مع غيرهم في الكبرى والصغرى معاً والظاهر ان عدم التعرض لقولهم لقلة الثمرة بعد ان يكونوا عاملين بهذه الأخبار الموجودة نعم انما تظهر الثمرة في غير الموجود في الكتب الأربعة وفي الموجود إذا لم يجمع شرائط الحجية عند غيرهم كما لا يخفى.
وكيف كان فالمانعون قد استدلوا أو أُستدل لهم بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم ك- [لا تقف ما ليس لك به علم] وغيرها وهي كثيرة والروايات المختلفة اللسان الدالة بحسب لسان طائفة منها على رد ما لم يعلم انه قولهم (ع) او لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان كما هو لسان طائفة أخرى او لم يكن موافقاً للقرآن كما هو لسان طائفة ثالثة وهذا النوع متطابق في الدلالة على رد الخبر اليهم (ع) الموصوف بما ذكر فيه أو الدالة على بطلان ما لا يصدقه كتاب الله كما هو لسان طائفة رابعة أو على ما لا يوافق كتاب الله فهو زخرف كما هو لسان طائفة خامسة أو على ان ما لا يوافق كتاب الله أو ما خالفه لم يقولوه أو يرمى به وجه الجدار كما هو لسان طائفة سادسة وعلى النهي عن قبول حديث إلا ما وافق الكتاب والسنة والظاهر ان هذا مدلول أكثر هذه الطوائف بل كلها إلا ان الدلالة في بعضها بالمطابقة وفي بعضها بالالتزام الى غير ذلك بما عرفت وغيره.
ومما استدل لهم به أيضاً الاجماع المحكي عن السيد في مواضع من كلامه بل حكى عنه انه جعله بمنزلة القياس في كون تركه معروفاً من مذهب الشيعة.
والجواب عن الجميع في غاية الوضوح اما عن الآيات فبان الظاهر منها أو المتيقن من اطلاقها هو حرمة اتباع غير العلم في الاصول الاعتقادية لا ما يعلم منه الفروع الشرعية ولو سلم عمومها لها بل لعله ظاهر بعضها مما كان مورده من الفروع كما لا يخفى على
الخبير فهي مخصصة أو مقيدة بالأدلة الآتية الدالة على اعتبار الاخبار غير المفيدة للعلم الواردة في خصوص الفروع.
واما ما ظاهره المعارضة من حيث عمومه للاصول والفروع أيضاً فهو أيضاً اخص مطلقاً من الآيات لعمومها لغير العلم مطلقاً واختصاص ادلة الاعتبار الأخبار بالظن الخبري فتخصص بها.
وأما الجواب عن الروايات بأنها اخبار آحاد فالاستدلال بها دوري لتوقف حجتها على حجية مطلق الخبر والمفروض توقف حجيته على حجيتها لكونها هي الدليل بل هي مما يستلزم وجوده عدمه لوضوح ان حجيتها مع دلالتها على عدم حجية الخبر تستلزم عدم حجيتها وهذا واضح.
لا يقال انها وان لم تكن متواترة لفظاً ولا معنى إلا انها متواترة اجمالا للعلم الاجمالي بصدور بعضها لا محالة، وبعبارة أخرى ان الدليل انما هو بعض المعلوم اجمالا المقطوع صدوره فيما بينها لا جميعها فلا دور. فانه يقال في رفع هذا السؤال انها وان كانت كذلك إلا أنها حينئذ تكون اخص من المدعى لأنها لا تفيد إلا فيما توافقت عليه وصار متيقناً من بينها وهو غير مفيد في اثبات السلب للحجية كلياً كما هو محل الكلام ومورد النقض والابرام وانما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة لانه هو المتيقن منها والالتزام به ليس بضائر إذا كانت المخالفة للكتاب مخالفة كلية اذ عدم حجية هذا الصنف من الخبر إجماعي.
واما الجواب عن الاجماع فبان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه غير حجة فهو للاستدلال به غير قابل خصوصاً في مثل المسألة مما يحتمل ان يكون مبني الاجماع فيها هو مثل الآيات الناهية والأخبار المتقدمة فلا يكون كاشفاً من قول المعصوم بل الاستدلال بالاجماع على عدم الحجية كالاستدلال باخبار الآحاد عليه ويجري فيه ما جرى فيها لوضوح ابتناء حجية الاجماع المنقول في نفسه على حجية الخبر كما يظهر وجهه للتأمل.
نعم يمكن ان يقال فيه ما قيل في اخبار الآحاد من كون الدليل هو المعلوم الاجمالي بينهما فلا بأس بالاستدلال به من هذه الجهة فالعمدة في وهنه ما ذكرنا مع انه معارض بمثله لنقل جماعة أخرى الاجماع على الحجية.
كما نقل ذلك عن الشيخ (ره) في العدة مع انه موهون بذهاب المشهور الى حجية الخبر فلو كان الاجماع المنقول في نفسه حجة لم يكن مثل هذا الاجماع حجة. هذا غاية ما استدل به من الادله الثلاثه لعدم الحجيه.
وقد استدل لحجية الخبر بآيات كثيرة آية النبأ، قال الله تبارك وتعالى: [ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا] ويمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه سبعة:
دلالتها بالمنطوق بناءاً على شمول التبين للعلمي والظني بحيث يكون العمل بالنبأ لا يصدق عليه عنوان الجهالة، ودلالتها بالايماء اذ
قد اقترن الحكم لوصف الفسق فلو لم يكن علة له لاستبعدوا اقترانه به وذلك يقتضي الإيماء الى عدم وجوب التبين في خبر غير الفاسق فان لتخصيص الردع فيها عن نبأ الفاسق والسكوت عن غيره في مقام الحاجة الى معرفة حكمه دليل على الحجيه وإلا لردع عنه أيضاً.
ودلالتها بتعليل الحكم بعدم القبول بوجود المانع وهو خوف اصابة القوم بجهالة يدل على ان قبول نبأ غير الفاسق على وفق الأصل وإلا كان الانسب التعليل بعدم المقتضى.
ودلالتها بمفهوم الوصف الدال على الحجية في محل انتفاءه.
ودلالتها بمفهوم الشرط بناءاً على ان موضوع القضية مجيء الفاسق بالنبأ.
ودلالتها بمفهوم الشرط أيضاً بناء على ان موضوع القضية هو مطلق النبأ فهذه وجوه الدلالة.
واظهرها سابعها وهو انه من جهة مفهوم الشرط وان تعليق الحكم بإيجاب التبين عن النبأ الذي جيء به على كون الجائي به الفاسق يقتضي انتفاءه عند انتفاءه فيكون مفاد الآية ان النبأ إذا جاء به الفاسق تبينوه ومفهومه انه إذا لم يجىء به الفاسق فلا تبينوه.
ولا يخفى انه على هذا التقرير لا يردان الشرط في القضية سبق لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له لوضوح انه انما يكون كذلك لو كان الموضوع مجيء الفاسق بالنبأ فيكون مثل ان ركب الأمير فخذ ركابه أو ان جاءك ولد فاختنه وهو الوجه السادس لا ما إذا كان
الموضوع هو مطلق النبأ لبداهة تحقق موضوعه بنفسه وانما التفصيل في الحكم بين مجيء الفاسق به أو العادل فهو مما له المفهوم ومفهومه عدم مجيء الفاسق به وهي سالبه بانتفاء المحمول لا مما لا مفهوم له أو ان مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع كما توهم فافهم لئلا تتوهم. نعم لو كان الشرط هو تحقق النبأ ومجيء الفاسق به كما عرفت كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع كاخواتها مع انه يمكن الفرق بينها وبين باقي القضايا وذلك ان يقال ان القضية ولو كانت مسوقة لذلك إلا انها ظاهرة بحسب المقام في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به الفاسق اما لاقتران الحكم بما لو لم يكن علة منحصرة لاستبعد اقترانه به أو لتخصيص الردع به والسكوت عن غيره فيما كان عدم العمل به عند العقلاء المخاطبين موقوفاً على الردع فيرجع تقرير الدلالة الى أحد الموجهين المتقدمين الثاني أو الثالث فيقتضي حينئذ انتفاء وجوب التبين عند انتفاءه ووجود موضوع آخر فتدبر لتعلم انه لا يتوقف الاستدلال على خصوص مفهوم الشرط والوصف.
هذا غاية ما يقال في تقريب الاستدلال ولكنه يشكل باشتمال هذه القضية على ما لم يشتمل عليه غيرها الموجب للحكم بأنه ليس لها ههنا مفهوم ولو سلم ان امثالها ظاهرة في المفهوم لان التعليل باصابة القوم بالجهالة أو عدم العلم المشترك بين مجيء المفهوم وهو مجيء العادل به والمنطوق وهو مجيء الفاسق لعدم افادتهما معاً للعلم يكون قرينة واضحة على انه ليس لها مفهوم لان ظهور التعليل