واما الجواب عن الاجماع فبان المحصل منه غير حاصل والمنقول منه غير حجة فهو للاستدلال به غير قابل خصوصاً في مثل المسألة مما يحتمل ان يكون مبني الاجماع فيها هو مثل الآيات الناهية والأخبار المتقدمة فلا يكون كاشفاً من قول المعصوم بل الاستدلال بالاجماع على عدم الحجية كالاستدلال باخبار الآحاد عليه ويجري فيه ما جرى فيها لوضوح ابتناء حجية الاجماع المنقول في نفسه على حجية الخبر كما يظهر وجهه للتأمل.
نعم يمكن ان يقال فيه ما قيل في اخبار الآحاد من كون الدليل هو المعلوم الاجمالي بينهما فلا بأس بالاستدلال به من هذه الجهة فالعمدة في وهنه ما ذكرنا مع انه معارض بمثله لنقل جماعة أخرى الاجماع على الحجية.
كما نقل ذلك عن الشيخ (ره) في العدة مع انه موهون بذهاب المشهور الى حجية الخبر فلو كان الاجماع المنقول في نفسه حجة لم يكن مثل هذا الاجماع حجة. هذا غاية ما استدل به من الادله الثلاثه لعدم الحجيه.
وقد استدل لحجية الخبر بآيات كثيرة آية النبأ، قال الله تبارك وتعالى: [ان جائكم فاسق بنبأ فتبينوا] ويمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه سبعة:
دلالتها بالمنطوق بناءاً على شمول التبين للعلمي والظني بحيث يكون العمل بالنبأ لا يصدق عليه عنوان الجهالة، ودلالتها بالايماء اذ
قد اقترن الحكم لوصف الفسق فلو لم يكن علة له لاستبعدوا اقترانه به وذلك يقتضي الإيماء الى عدم وجوب التبين في خبر غير الفاسق فان لتخصيص الردع فيها عن نبأ الفاسق والسكوت عن غيره في مقام الحاجة الى معرفة حكمه دليل على الحجيه وإلا لردع عنه أيضاً.
ودلالتها بتعليل الحكم بعدم القبول بوجود المانع وهو خوف اصابة القوم بجهالة يدل على ان قبول نبأ غير الفاسق على وفق الأصل وإلا كان الانسب التعليل بعدم المقتضى.
ودلالتها بمفهوم الوصف الدال على الحجية في محل انتفاءه.
ودلالتها بمفهوم الشرط بناءاً على ان موضوع القضية مجيء الفاسق بالنبأ.
ودلالتها بمفهوم الشرط أيضاً بناء على ان موضوع القضية هو مطلق النبأ فهذه وجوه الدلالة.
واظهرها سابعها وهو انه من جهة مفهوم الشرط وان تعليق الحكم بإيجاب التبين عن النبأ الذي جيء به على كون الجائي به الفاسق يقتضي انتفاءه عند انتفاءه فيكون مفاد الآية ان النبأ إذا جاء به الفاسق تبينوه ومفهومه انه إذا لم يجىء به الفاسق فلا تبينوه.
ولا يخفى انه على هذا التقرير لا يردان الشرط في القضية سبق لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له لوضوح انه انما يكون كذلك لو كان الموضوع مجيء الفاسق بالنبأ فيكون مثل ان ركب الأمير فخذ ركابه أو ان جاءك ولد فاختنه وهو الوجه السادس لا ما إذا كان
الموضوع هو مطلق النبأ لبداهة تحقق موضوعه بنفسه وانما التفصيل في الحكم بين مجيء الفاسق به أو العادل فهو مما له المفهوم ومفهومه عدم مجيء الفاسق به وهي سالبه بانتفاء المحمول لا مما لا مفهوم له أو ان مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع كما توهم فافهم لئلا تتوهم. نعم لو كان الشرط هو تحقق النبأ ومجيء الفاسق به كما عرفت كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع كاخواتها مع انه يمكن الفرق بينها وبين باقي القضايا وذلك ان يقال ان القضية ولو كانت مسوقة لذلك إلا انها ظاهرة بحسب المقام في انحصار موضوع وجوب التبين في النبأ الذي جاء به الفاسق اما لاقتران الحكم بما لو لم يكن علة منحصرة لاستبعد اقترانه به أو لتخصيص الردع به والسكوت عن غيره فيما كان عدم العمل به عند العقلاء المخاطبين موقوفاً على الردع فيرجع تقرير الدلالة الى أحد الموجهين المتقدمين الثاني أو الثالث فيقتضي حينئذ انتفاء وجوب التبين عند انتفاءه ووجود موضوع آخر فتدبر لتعلم انه لا يتوقف الاستدلال على خصوص مفهوم الشرط والوصف.
هذا غاية ما يقال في تقريب الاستدلال ولكنه يشكل باشتمال هذه القضية على ما لم يشتمل عليه غيرها الموجب للحكم بأنه ليس لها ههنا مفهوم ولو سلم ان امثالها ظاهرة في المفهوم لان التعليل باصابة القوم بالجهالة أو عدم العلم المشترك بين مجيء المفهوم وهو مجيء العادل به والمنطوق وهو مجيء الفاسق لعدم افادتهما معاً للعلم يكون قرينة واضحة على انه ليس لها مفهوم لان ظهور التعليل
المنصوص في العموم أقوى من ظهور الجملة في المفهوم وصفياً أو شرطياً ردعياً أو إيمائياً بل يظهر من الشيخ حكومته عليه حيث قال انا لا نمنع ترك دليل الخطاب لدليل والتعليل دليل كما ان التبين بسببه يختص بالعلمي.
ولا يخفى عليك ان الاشكال كما عرفت انما يبتنى على كون الجهالة بمعنى عدم العلم فيعم المنطوق والمفهوم مع ان دعوى انها بمعنى السفاهة، وفعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة؟ قلت: بل يبعدها خروج المورد عن ذلك فان الاقدام بمثل خبر الوليد بحسب الظاهر الحال لم يكن سفاهة قطعاً اللهم إلا ان يقال ان المقصود بيان ان الاقدام والعمل بخبر الفاسق المعلوم فسقه سفاهة والغرض التنبيه على فسق الوليد ليدخل في هذه الجملة لكن الإنصاف ان يكون الجهالة في الآية بمعنى السفاهة بعيد جداً فان استعمالها بهذا المعنى في الكتاب والسنة في غاية الندرة بل اجدها كذلك إلا في آيتي التوبة مع كثرة استعمالها فيهما معاً في عدم العلم كما لا يخفى على الخبير. ويمكن الجواب بأن مراتب عدم العلم مختلفة والمرتبة الموجودة في خبر الفاسق وهي المرتبة التي يتعقب العمل على طبقها الندم لا توجد في غيره فكان الانسان بعد مجيء الفاسق بالنبأ باقٍ بعد على جهله وجهالته بخلافه بعد مجيء العادل كما عليه عامة العقلاء فان ذكر الفاسق والعادل من باب المثال والغرض منهما من يوثق بخبره ومن لا يوثق فلا دخل للتعليل بالمفهوم. والانصاف ان الآية واضحة الدلالة لاحد الوجوه المتقدمة
ايها كان ثم انه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العادل كانت اخص من المدعى اذ ربما اشكل شمول مثلها للروايات الحاكية لقول الإمام (ع) بواسطة أو وسائط من جهتين عن جهة الحكم وهو الاثر وجهة الموضوع وهو الخبر من غير فرق بين ان يكون المجعول في دليل التعبد حكماً وضعياً كالحجية أو تكليفاً حقيقياً أو طريقياً لاتحاد مناط الاشكال على التقادير كلها، وحاصلها انه يلزم من عموم الدليل لمثل الروايات الحاكية لمثلها حتى ينتهي الامر الى قول الإمام اتحاد الحكم وموضوعه وتقدمه عليه في وجوده تقدم العلة على معلولها، هذا من الجهة الأولى واما من الثانية فيلزم الثاني خاصة وذلك بعد التأمل واضح فانه لا معنى لقول الشارع صدق العادل فيما أخبر به إلا الحكم بوجوب ترتيب آثار المخبر به التي كانت تترتب عليه في صورة العلم والخبر المقطوع الصدور إذا شك في صدقه وكذبه وجب تصديقه بحكم الآية فالخبر المشكوك الصدور إذا اخبر به العادل وجب ترتيب الاثر عليه كما لو كان مقطوع الصدور ولا أثر له إلا وجوب التصديق الثابت بدليل التعبد فوجوب التصديق الذي هو الحكم الثابت بدليله لخبر الشيخ هو وجوب التصديق الذي هو اثر ما اخبر به الشيخ فعلى ذلك كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق الذي ليس إلا بمعنى وجوب الترتيب ما للمخبر به من الأثر الشرعي بلحاظ هذا الوجوب فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر لانه وان كان اثراً شرعياً لهما إلا انه لم يجعل إلا بالحكم في مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدول حسب
الفرض نعم لو انشأ هذا الحكم وجعل جعلًا ثانياً فلا بأس في ان يكون الحكم بوجوب تصديق خبر الشيخ بلحاظه نفسه أيضاً في خبر المفيد الذي هو المخبر به بخبر الشيخ لحصول التغاير وتقدم الموضوع وجوداً حيث انه صار أثراً آخر بجعل آخر فلا يلزم اتحاد الحكم والموضوع بخلاف ما إذا لم يكن هناك إلا جعل واحد إلا ان الشأن في امكان تعدد الجعل في مثل هذه الصورة ضرورة ان وجوب التصديق الذي معناه لزوم ترتيب الاثر حكم موضوعه الخبر وخبرية خبر المفيد لا يتحقق موضوعها إلا بجعل وجوب التصديق لخبر الشيخ ومع عدم تحقق موضوع الخبر لايعقل جعل الاثر فكيف يعقل ان يكون ذلك الحكم قد جعل بلحاظه؟ وبعبارة أخرى لو امكن ان يلحظ بوجوب تصديق خبر الشيخ عن المفيد جميع الآثار المترتبة على خبر المفيد واقعاً ما عدا هذا الحكم لأشكال الاتحاد لامكن ان يجعل وجوب التصديق ثانياً بلحاظ هذا الحكم ومن المعلوم عدم امكان ذلك اذ لا يعقل ان يلحظ في الحكم الثاني هذا الاثر ثابتاً لما اخبر به الشيخ وهو خبر المفيد قبل هذا الحكم لأنه هو موضوع هذا الحكم وقد فرضنا عدم كونه اثراً له اذ ليس إلا الجعل السابق الذي استحال ان يكن اثراً له للاتحاد ومع عدم كونه اثراً له قبل الحكم الثاني فالحكم الثاني ان كان موضوعه خبر الشيخ عن المفيد فقد عاد الاشكال ان كان تأكيداً أو لزم تعلق فيمكن مولويين بموضوع واحد ان كان تأسيسا وهو من اجتماع المثلين المحال. وان كان موضوعه خبر المفيد فلا موضوع له لعدم تحقق موضوع الخبر المفيد بعد فرض
عدم شمول وجوب التصديق له وعدم كونه من آثاره والمفروض ان لا تحقق لموضوعه شرعاً إلا ذلك فالجعل الثاني محال. وبما ذكرنا اتضح لك وجه الاشكال من الجهة الثانية وهذه ثمرته، والجعل التعبدي وان كان معناه وواقعه هو جعل الحكم إلا انه بلسان جعل الموضوع لاستحالة تحقق الحكم بلا موضوع فلابد ان يكون المقام مما يمكن فيه هذا المعنى، وقد عرفت ان تحقق موضوع خبر المفيد موقوف على ثبوت حكم وجوب التصديق لخبر الشيخ فكيف يعقل ان يكون ذلك حكماً لموضوع لا يتحقق إلا مترتباً عليه ترتب المعلول على علته التامة فإذا لم يكن بل لا يمكن إلا جعل واحد فلا يعقل شموله لمثل هذه الروايات بل يختصر بالروايات الحاكية لقول الإمام بلا واسطة فتكون الآية وما أشبهها أخص من المدعى. هذا ويمكن تعدد الجعل بوجه آخر صحيح ولعله هو مراد صاحب الكفاية وقصرت عبارته وذلك بأن يكون وجوب التصديق في الآية خاصاً بخصوص الأخبار الحاكية لغير خبر العادل وعدالة المخبر اعني لغير ما يكون أثره وجوب التصديق فيثبت هذا الحكم لجميع الأخبار لجميع المخبرين في آن واحد في عرض واحد ثم يجعل هذا الحكم ثانياً لخصوص الخبر الحاكي لما يكون اثره هذا الحكم سابقاً من خبر عادل وغيره فيصح ذلك من غير فرق بين ان تكون الوسائط قليلة أو كثيرة وهذا واضح جداً إلا انه يشكل بلزوم اجتماع حكمين في الخبر الاول وهو الثابت له اولًا والثابت له ثانياً، ويدفعه اختصاص الاول كما هو الفرض بغير الخبر الحاكي لما يكون اثره هذا الحكم سابقاً من
خبر عادل وغيره فيصح ذلك من غير فرق بين ان تكون الوسائط قليلة أو كثيرة. وهذا واضح جداً إلا انه يشكل بلزوم اجتماع حكمين في الخبر الأول وهو الثابت له اولا والثابت له ثانيا ويدفعه اختصاص الاول كما هو الفرض بغير الخبر الحاكي لمثله فليس الا الثاني فلا إشكال بالمرة ولا أظن صاحب الكفاية قصد غيره والعبارة بعد التأمل لا تأباه وستعرف إن شاء الله تعالى ان الجعل الاول وحده كاف في ذلك من غير حاجة الى جعل آخر، ومثل الحكم بوجوب التصديق الحجية نفسها بناءاً على انها هي المجعولة فانه يجري فيها ما جرى في الحكم حرفا بحرف. ويمكن الذب عن الإشكال بأن معنى الجعل التعبدي ان الموضوعات الخارجية إذا كان لها آثار شرعية واقعية فعند الشك في الموضوع وقيام الطريق التعبدي المثبت له يجب ترتيب الأثر فأثر الموضوع الواقعي المجعول له شرعاً يرتب عليه في صورة العلم وفي صورة الشك وقيام الطريق وهذه الآية اثبتت أثراً واقعياً للاخبار الواقعية جميعاً يجعل واحد في آن واحد لأنها في عرض واحد فخبر الشيخ وخبر المفيد وخبر الصفار عن الإمام كلها في الواقع يجب تصديقها بحكم الآية مع الشك في صدقها وكذبها نعم فعلية ترتب الآثر في الخارج إذا كانت طولية مترتبة بحسب الزمان فيصح ان يكون المنظور في كل منها أثر لآخر ولا يلزم الاتحاد بعد عموم الجعل للجميع. وبعبارة اوضح نقول ان معنى صدق الشيخ المخبر عن المفيد صدق المفيد ومعنى صدق المفيد صدق الصفار ومعنى صدق الصفار ان قول الإمام ثابت فهو تصديق واحد ثابت