عدم شمول وجوب التصديق له وعدم كونه من آثاره والمفروض ان لا تحقق لموضوعه شرعاً إلا ذلك فالجعل الثاني محال. وبما ذكرنا اتضح لك وجه الاشكال من الجهة الثانية وهذه ثمرته، والجعل التعبدي وان كان معناه وواقعه هو جعل الحكم إلا انه بلسان جعل الموضوع لاستحالة تحقق الحكم بلا موضوع فلابد ان يكون المقام مما يمكن فيه هذا المعنى، وقد عرفت ان تحقق موضوع خبر المفيد موقوف على ثبوت حكم وجوب التصديق لخبر الشيخ فكيف يعقل ان يكون ذلك حكماً لموضوع لا يتحقق إلا مترتباً عليه ترتب المعلول على علته التامة فإذا لم يكن بل لا يمكن إلا جعل واحد فلا يعقل شموله لمثل هذه الروايات بل يختصر بالروايات الحاكية لقول الإمام بلا واسطة فتكون الآية وما أشبهها أخص من المدعى. هذا ويمكن تعدد الجعل بوجه آخر صحيح ولعله هو مراد صاحب الكفاية وقصرت عبارته وذلك بأن يكون وجوب التصديق في الآية خاصاً بخصوص الأخبار الحاكية لغير خبر العادل وعدالة المخبر اعني لغير ما يكون أثره وجوب التصديق فيثبت هذا الحكم لجميع الأخبار لجميع المخبرين في آن واحد في عرض واحد ثم يجعل هذا الحكم ثانياً لخصوص الخبر الحاكي لما يكون اثره هذا الحكم سابقاً من خبر عادل وغيره فيصح ذلك من غير فرق بين ان تكون الوسائط قليلة أو كثيرة وهذا واضح جداً إلا انه يشكل بلزوم اجتماع حكمين في الخبر الاول وهو الثابت له اولًا والثابت له ثانياً، ويدفعه اختصاص الاول كما هو الفرض بغير الخبر الحاكي لما يكون اثره هذا الحكم سابقاً من
خبر عادل وغيره فيصح ذلك من غير فرق بين ان تكون الوسائط قليلة أو كثيرة. وهذا واضح جداً إلا انه يشكل بلزوم اجتماع حكمين في الخبر الأول وهو الثابت له اولا والثابت له ثانيا ويدفعه اختصاص الاول كما هو الفرض بغير الخبر الحاكي لمثله فليس الا الثاني فلا إشكال بالمرة ولا أظن صاحب الكفاية قصد غيره والعبارة بعد التأمل لا تأباه وستعرف إن شاء الله تعالى ان الجعل الاول وحده كاف في ذلك من غير حاجة الى جعل آخر، ومثل الحكم بوجوب التصديق الحجية نفسها بناءاً على انها هي المجعولة فانه يجري فيها ما جرى في الحكم حرفا بحرف. ويمكن الذب عن الإشكال بأن معنى الجعل التعبدي ان الموضوعات الخارجية إذا كان لها آثار شرعية واقعية فعند الشك في الموضوع وقيام الطريق التعبدي المثبت له يجب ترتيب الأثر فأثر الموضوع الواقعي المجعول له شرعاً يرتب عليه في صورة العلم وفي صورة الشك وقيام الطريق وهذه الآية اثبتت أثراً واقعياً للاخبار الواقعية جميعاً يجعل واحد في آن واحد لأنها في عرض واحد فخبر الشيخ وخبر المفيد وخبر الصفار عن الإمام كلها في الواقع يجب تصديقها بحكم الآية مع الشك في صدقها وكذبها نعم فعلية ترتب الآثر في الخارج إذا كانت طولية مترتبة بحسب الزمان فيصح ان يكون المنظور في كل منها أثر لآخر ولا يلزم الاتحاد بعد عموم الجعل للجميع. وبعبارة اوضح نقول ان معنى صدق الشيخ المخبر عن المفيد صدق المفيد ومعنى صدق المفيد صدق الصفار ومعنى صدق الصفار ان قول الإمام ثابت فهو تصديق واحد ثابت
لها في آن واحد بحسب الجعل متدرج بحسب الوجود الزماني الفعلي فالأمر بتصديق الشيخ بلحاظ ان تصديق الشيخ بعينه تصديق المفيد وتصديق المفيد بعينه تصديق للصفار فيكون تصديقاً واحداً للكل مثبتا لقول الإمام ويكفي هذا المقدار في كون الملحوظ في دليل التعبد انما هو الأثر ولا يجب ان يكون هناك شيئان ملحوظ به وملحوظ واقعا بل يكفي تعددهما اعتباراً بل إذا كان ثبوت ذلك الحكم لموضوع حين ثبوته لموضوع آخر كفى ذلك في وقوع الجعل. ولا بد من تحقيق المقام لأيضاًح المرام فنقول: الخبر اما معلوم الصدور والمطابقة للواقع أو معلوم الصدور والمخالفة أو مشكوك الصدور معلوم المطابقة على تقديره أو مشكوك الصدور معلوم المخالفة كذلك أو معلوم الصدور ومشكوك المطابقة أو مشكوكهما فالأقسام ستة اما الأربعة الاولى فخارجة قطعاً عن مدلول الآية واما القسمان الاخيران فظاهر الآية اختصاص مدلولها بالاول وهو معلوم الصدور مشكوك المطابقة ثبوت المخبر به في القسم الاول وهو معلوم الصدور والمطابقة أمر عقلي لا دخل للشارع فيه، نعم المخبر به فيه قد يكون موضوعاً شرعياً وقد يكون موضوعاً غير شرعي له أثر شرعي وقد يكون غير شرعي وبلا أثر شرعي ومن المعلوم عدم امكان التعبد بتنزيل مشكوك المطابقة منزلة معلومها في القسم الثالث وهو ما لم يكن شرعياً ولا أثر له شرعي نعم إنما يمكن في القسمين الأخيرين فيتعبد بثبوته بنفسه في الاول وبأثره في الثاني فصار للخبر جهتان جهة صدوره وجهة مطابقته وصدقه وظاهر الآية لو لم يكن صريحها انها
في مقام جعل اثر شرعي للخبر المعلوم صدوره المشكوك صدقه وهو وجوب التصديق ولابد من ان يكون هذا حكماً واقعياً لا ظاهرياً اذ ليس للخبر المقطوع صدوره أثر شرعي واقعي يكون التعبد والتنزيل بلحاظه ومن هنا قلنا ان المجعول في دليل التعبد لابد وان يكون حكماً حقيقياً واقعياً وان كان ثانوياً فإذا صار بدلالة هذه الآية من آثار الخبر المقطوع الصدور واقعاً وجوب تصديقه كان هذا الحكم بحسب ثبوته للخبر المقطوع الصدور إذا كان المخبر به موضوعاً شرعياً أو خارجياً ذا أثر شرعي آخر جعلًا لذلك الموضوع بنفسه أو جعلًا لأثره وان كان اثره هذا الحكم من غير حاجة الى اثر آخر لما عرفت من ان هذا الحكم قد جعل بجعل واحد وثبوته لخبر الشيخ من حيث الشك في صدقه عين ثبوته لخبر المفيد لو كان صادراً في الواقع من هذه الحيثية من دون ترتيب. نعم ترتبه فعلًا على خبر المفيد المشكوك الصدور موقوف على ترتبه فعلًا على خبر الشيخ المقطوع الصدور فالامر بترتيبه فعلًا على خبر الشيخ المقطوع صدوره تنزيل خبر المفيد المشكوك الصدور منزلة مقطوعه فيما ثبت له من الاثر الثابت لخبر الشيخ. وبالجملة صدق العادل نسبة الى جميع الأخبار ولا ترتب فيها لكن إذا نسب الى الخبر الحاكي لمثله كان اثراً للمحكي وانما نسب الى الحاكي لاقتضاء تنزيل المحكي ذلك وان نسب الى الحاكي لغيره كان أثراً للحاكي ومما يوضح لك المقام انك ترى ان هذه الأخبار لو كانت قطعية الصدور لم يجب تصديق واحد منها لعدم موضوع لوجوب التصديق لأن القطع بصدور المحكي هو القطع
بمطابقة الحاكي فيكون الشك في صدور المحكي هو الشك في مطابقة الحاكي وصدقه فإذا كان الموضوعان موضوعاً واحداً كان أثر احدهما بعينه أثر الآخر ولا يعقل التعدد فيكون معنى صدق الشيخ ابن علي صدق خبر المفيد ضرورة ان الأمر بتصديق الشيخ أمر بالبناء على ان المفيد اخبر ولا معنى لذلك إلا الأمر بتصديق المفيد لأن الجعل تشريعي لا تكويني فالآية خاصة بالخبر المقطوع الصدور المشكوك المطابقة بدلالة المطابقة وتشمل مشكوك الصدور والمطابقة بدلالة الالتزام فاندفع الاشكال بحذافيره موضوعاً وحكماً خبراً وأثراً فاعط التأمل حقه ولا تكن ممن همه الافساد قبل معرفة المراد. واما ما وقع صاحب الكفاية به لإشكال من الجهة الاولى تبعاً لمن تقدمه بأنه انما يلزم إذا لم تكن القضية التي موضوعها الخبر أو المسند اليه فيها هو الخبر ومحمولها أو المسند هو الأثر طبيعية والحكم فيها ثابت بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده من حيث تحقق الطبيعة فيها والا بأن كانت القضية كذلك فالحكم بوجوب التصديق يسري اليه سراية حكم الطبيعة في الكلي الى افراده بلا محذور ولزوم اتحاد الحكم والموضوع هذا مضافاً الى القطع بتحقق المناط المتحقق في سائر الآثار في هذا الأثر أي وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب وان كان هذا الأثر لا يمكن ان يكون ملحوظاً للجاعل من أجل المحذور المتقدم ومضافاً أيضاً الى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الأخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق الذي هو الحكم الثابت عينه وهو أي ذاك الموضوع خبر
العدل ولو كان ثبوت كونه أثراً له بالحكم نفسه في الآية به ففيه ما لا يخفى. اما حديث كون القضية طبيعية فلا أعرف وجهاً لكونه مصححاً للشمول بعد الاعتراف بأن لحاظ الجاعل لمثل هذا الأثر غير معقول فان الدليل اما يشمل ما ظاهر الدليل انه مراد لا ما يستحيل ارادته ومن العجب ان استحالة اللحاظ لا تكون مانعة من الشمول والحكم بارادة العموم وانصراف المطلق الى بعض الافراد يكون مانعاً من شمول الفرد الآخر وارادته واما حديث تنقيح المناط وعدم القول بالفصل فلا يكون رافعاً للاشكال وانما هو اعتراف به واختيار دليل آخر يتم به الاستدلال وانت إذا تدبرت هذه الكلمات حق التدبر وميزت السواد والبياض من عينها تعرف عند ذلك موقع كلامنا من بينها والله ولي الانعام وهو المؤيد وبه الاعتصام. هذا ومما حققنا من توجه الاشكال من جهتين وما يترتب على ذلك من الثمرات في البين تعلم ان الاكتفاء بجواب واحد عن الاثنين لا يوجب كونها واحداً مع تعدد الجهتين فافهم وتدبر. ثم لا يخفى عليك كلام صاحب الكفاية من انه لا مجال بعد اندفاع الاشكال بذلك من أول السلسلة الى آخرها للاشكال من جهة الخبر الجاري في خصوص الوسائط من الأخبار المشكوكة الصدور المحكي اولها بمقطوع الصدور الواقع في مبدأ السلسلة وتلك الوسائط كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلًا وهلم جرا والمراد من كونها وسائط وقوعها بين مقطوع الصدور وقول الإمام (ع) المحكي بآخر السلسلة وان قرر بأنه لا يكاد يكون خبر الصفار مثلًا خبر تعبد الا
بالحكم بوجوب تصديق العادل الشامل من حيث المخبر للمفيد ومن حيث الخبر لخبره فكيف يكون هذا الحكم المحقق لخبر الصفار تعبداً مثلًا وعلى وجه يكون ترتب عليه ترتب المعلول على العلة حكما له أيضاً وانما قلنا ان ذلك لا مجال له لأنه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند اخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية أو لشمول الحكم له مناطاً وان لم يشمله لفظاً او لعدم القول بالفصل ولا معنى لثبوت خبر الصفار مثلًا تعبداً إلا وجوب ترتيب أثره فالاشكال واحد وهو أشكال الأثر هذا غاية ما أفاده صاحب الكفاية في ذلك. وفيه ما قد عرفت من أن التعبد وان كان لا معنى له إلا ترتيب الأثر إلا أنه لا محالة يكون بلسان ثبوت الموضوع لاستحالة تحقق الحكم بلا موضوع فلا بد من ان يكون المقام مما يمكن فيه التعبد بهذا اللسان في مثل هذه الأخبار ولا يعقل ذلك لما عرفت فلا بد من رفع الإشكال عن هذه الجهة ولا يكفي رفعه من الجهة الاولى بل لو قال ان ادفع الاشكال من جهة الخبر لا يبقى معه اشكال من جهة الأثر لكان انسب بالمقام فتأمل جيداً.
ومنها آية النفر قال الله تبارك وتعالى: [فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون] وربما يستدل بها من وجوه:
أحدها: ان كلمة لعل وان كانت مستعملة على ما ذكره
صاحب الكفاية من التحقيق في معاني الصيغ الانشائية في معناها الحقيقي وهو الترجي الايقاعي الانشائي لا الحقيقي إلا أن الداعي اليه حيث يستحيل في حقه تعالى ان يكون هو الترجي الحقيقي كان اللازم ان يكون شيئاً آخر وليس هو في المقام إلا محبوبيته التحذر عند الانذار ويكفي ذلك في تمامية الاستدلال لتسليم الخصم انه إذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعاً لعدم الفصل وعقلَا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه وعدم حسنه بل عدم امكانه من دونه اذ مع عدم ما يوجب الحذر لا موضوع له ولا معنى لوجوب الحذر الا وجوب العمل بإنذار المنذرين وهو المطلوب.
ثانيها: انه لما وجب الانذار لكونه قد جعل غاية للنفر الواجب كما هو كان وجوب النفر قضية كلمة لولا التحضيضية فانها تفيد لزوم ما بعدها كما في نظائر الآية فلولا جائراً عليه باربعة شهداء وغيرها وجب التحذر وإلا لغي طلب الانذار ووجوبه.
ثالثها: انه جعل غاية للانذار الواجب وغاية الواجب أمر واجب.
ويشكل الوجه الاول عند صاحب الكفاية (قدس سره) بأن التحذر لا ينحصر حسنه في مورد القطع بالتكليف أو قيام حجة معتبرة عليه توجب الخوف من عقابه بل يكفي في حسنه احتمال ذلك فان التحذر لرجاء ادراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة حسن وليس بواجب فيما لم