بمطابقة الحاكي فيكون الشك في صدور المحكي هو الشك في مطابقة الحاكي وصدقه فإذا كان الموضوعان موضوعاً واحداً كان أثر احدهما بعينه أثر الآخر ولا يعقل التعدد فيكون معنى صدق الشيخ ابن علي صدق خبر المفيد ضرورة ان الأمر بتصديق الشيخ أمر بالبناء على ان المفيد اخبر ولا معنى لذلك إلا الأمر بتصديق المفيد لأن الجعل تشريعي لا تكويني فالآية خاصة بالخبر المقطوع الصدور المشكوك المطابقة بدلالة المطابقة وتشمل مشكوك الصدور والمطابقة بدلالة الالتزام فاندفع الاشكال بحذافيره موضوعاً وحكماً خبراً وأثراً فاعط التأمل حقه ولا تكن ممن همه الافساد قبل معرفة المراد. واما ما وقع صاحب الكفاية به لإشكال من الجهة الاولى تبعاً لمن تقدمه بأنه انما يلزم إذا لم تكن القضية التي موضوعها الخبر أو المسند اليه فيها هو الخبر ومحمولها أو المسند هو الأثر طبيعية والحكم فيها ثابت بلحاظ طبيعة الأثر بل بلحاظ أفراده من حيث تحقق الطبيعة فيها والا بأن كانت القضية كذلك فالحكم بوجوب التصديق يسري اليه سراية حكم الطبيعة في الكلي الى افراده بلا محذور ولزوم اتحاد الحكم والموضوع هذا مضافاً الى القطع بتحقق المناط المتحقق في سائر الآثار في هذا الأثر أي وجوب التصديق بعد تحققه بهذا الخطاب وان كان هذا الأثر لا يمكن ان يكون ملحوظاً للجاعل من أجل المحذور المتقدم ومضافاً أيضاً الى عدم القول بالفصل بينه وبين سائر الآثار في وجوب الترتيب لدى الأخبار بموضوع صار أثره الشرعي وجوب التصديق الذي هو الحكم الثابت عينه وهو أي ذاك الموضوع خبر
العدل ولو كان ثبوت كونه أثراً له بالحكم نفسه في الآية به ففيه ما لا يخفى. اما حديث كون القضية طبيعية فلا أعرف وجهاً لكونه مصححاً للشمول بعد الاعتراف بأن لحاظ الجاعل لمثل هذا الأثر غير معقول فان الدليل اما يشمل ما ظاهر الدليل انه مراد لا ما يستحيل ارادته ومن العجب ان استحالة اللحاظ لا تكون مانعة من الشمول والحكم بارادة العموم وانصراف المطلق الى بعض الافراد يكون مانعاً من شمول الفرد الآخر وارادته واما حديث تنقيح المناط وعدم القول بالفصل فلا يكون رافعاً للاشكال وانما هو اعتراف به واختيار دليل آخر يتم به الاستدلال وانت إذا تدبرت هذه الكلمات حق التدبر وميزت السواد والبياض من عينها تعرف عند ذلك موقع كلامنا من بينها والله ولي الانعام وهو المؤيد وبه الاعتصام. هذا ومما حققنا من توجه الاشكال من جهتين وما يترتب على ذلك من الثمرات في البين تعلم ان الاكتفاء بجواب واحد عن الاثنين لا يوجب كونها واحداً مع تعدد الجهتين فافهم وتدبر. ثم لا يخفى عليك كلام صاحب الكفاية من انه لا مجال بعد اندفاع الاشكال بذلك من أول السلسلة الى آخرها للاشكال من جهة الخبر الجاري في خصوص الوسائط من الأخبار المشكوكة الصدور المحكي اولها بمقطوع الصدور الواقع في مبدأ السلسلة وتلك الوسائط كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلًا وهلم جرا والمراد من كونها وسائط وقوعها بين مقطوع الصدور وقول الإمام (ع) المحكي بآخر السلسلة وان قرر بأنه لا يكاد يكون خبر الصفار مثلًا خبر تعبد الا
بالحكم بوجوب تصديق العادل الشامل من حيث المخبر للمفيد ومن حيث الخبر لخبره فكيف يكون هذا الحكم المحقق لخبر الصفار تعبداً مثلًا وعلى وجه يكون ترتب عليه ترتب المعلول على العلة حكما له أيضاً وانما قلنا ان ذلك لا مجال له لأنه إذا كان خبر العدل ذا أثر شرعي حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند اخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر بنحو القضية الطبيعية أو لشمول الحكم له مناطاً وان لم يشمله لفظاً او لعدم القول بالفصل ولا معنى لثبوت خبر الصفار مثلًا تعبداً إلا وجوب ترتيب أثره فالاشكال واحد وهو أشكال الأثر هذا غاية ما أفاده صاحب الكفاية في ذلك. وفيه ما قد عرفت من أن التعبد وان كان لا معنى له إلا ترتيب الأثر إلا أنه لا محالة يكون بلسان ثبوت الموضوع لاستحالة تحقق الحكم بلا موضوع فلا بد من ان يكون المقام مما يمكن فيه التعبد بهذا اللسان في مثل هذه الأخبار ولا يعقل ذلك لما عرفت فلا بد من رفع الإشكال عن هذه الجهة ولا يكفي رفعه من الجهة الاولى بل لو قال ان ادفع الاشكال من جهة الخبر لا يبقى معه اشكال من جهة الأثر لكان انسب بالمقام فتأمل جيداً.
ومنها آية النفر قال الله تبارك وتعالى: [فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون] وربما يستدل بها من وجوه:
أحدها: ان كلمة لعل وان كانت مستعملة على ما ذكره
صاحب الكفاية من التحقيق في معاني الصيغ الانشائية في معناها الحقيقي وهو الترجي الايقاعي الانشائي لا الحقيقي إلا أن الداعي اليه حيث يستحيل في حقه تعالى ان يكون هو الترجي الحقيقي كان اللازم ان يكون شيئاً آخر وليس هو في المقام إلا محبوبيته التحذر عند الانذار ويكفي ذلك في تمامية الاستدلال لتسليم الخصم انه إذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعاً لعدم الفصل وعقلَا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه وعدم حسنه بل عدم امكانه من دونه اذ مع عدم ما يوجب الحذر لا موضوع له ولا معنى لوجوب الحذر الا وجوب العمل بإنذار المنذرين وهو المطلوب.
ثانيها: انه لما وجب الانذار لكونه قد جعل غاية للنفر الواجب كما هو كان وجوب النفر قضية كلمة لولا التحضيضية فانها تفيد لزوم ما بعدها كما في نظائر الآية فلولا جائراً عليه باربعة شهداء وغيرها وجب التحذر وإلا لغي طلب الانذار ووجوبه.
ثالثها: انه جعل غاية للانذار الواجب وغاية الواجب أمر واجب.
ويشكل الوجه الاول عند صاحب الكفاية (قدس سره) بأن التحذر لا ينحصر حسنه في مورد القطع بالتكليف أو قيام حجة معتبرة عليه توجب الخوف من عقابه بل يكفي في حسنه احتمال ذلك فان التحذر لرجاء ادراك الواقع وعدم الوقوع في محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة حسن وليس بواجب فيما لم
يكن هناك حجة على التكليف بل ليس الموجود إلا مجرد احتماله كما عليه العقلاء عامة ولم يثبت هنا عدم الفعل لعدم الملازمة كما عرفت، غايته عدم القول بالفصل وهو لا يجدي، وفيه ان موضوع الحذر بعد الانذار لا يتحقق إلا مع الخوف مما يترتب على ما ينذر به ولا خوف إلا مع قيام الحجة المعتبرة قطعاً فمحبوبيته الحذر بعد الانذار بالتكليف تلازم وجوبه لا محالة لان المورد الذي يكون فيه حسناً وليس بواجب اجنبي عن المقام كخوف فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة الدنيوية هذا بالنسبة الى الوجه الأول، واما الوجه الثاني والثالث فيشكل عنده أيضاً بعدم انحصار فائدة الانذار بالتحذر تعبداً لعدم اطلاق في لفظ الحذر يقتضي وجوبه على الاطلاق ضرورة ان الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غائية التحذر وعمدة مقدمات الاخذ بالاطلاق كون المطلق وارداً في مقام البيان ولعل وجوبه كان مشروطاً بما إذا أفاد الإنذار العلم بالمنذر به واحتمال اشتراطه بذلك كاف في رد الاستدلال لو لم نقل بكونه مشروطاً به جزماً بالنظر الى ظاهر الآية فان النفر انما يكون مطلوباً بنص الآية من أجل التفقه وتعلم معالم الدين ومعرفة ما جاء به سيد المرسلين كي ينذروا بها المتخلفين أو النافرين على الوجهين المذكورين في تفسير الآية لكي يحذروا إذا نذروا بها وقضيته انما هو وجوب الحذر إذا احرزوا ان الانذار بها واحراز ذلك موقوف على حصول العلم كما لا يخفى. وفيه ما لا يخفى عليك فان ظاهره تسليم
الاطلاق في غير مادة الحذر، وإذا كان ظاهر الآية وجوب الانذار مطلقاً من كل منذر سواء أفاد العلم أم الظن وجب الحذر كذلك وإلا لغي وجوب الانذار في غير ما أفاد العلم وكان غير الواجب غاية للواجب. ولو ناقش في اطلاق وجوب الانذار ففيه مع انه يئول الى المكابرة الصرفة انه قد اعترف باطلاق وجوب النفر على كل واحد من تلك الفرقة على البدل المستلزم لتعلق وجوب الانذار به فتقييده بمن أفاد قوله العلم يحتاج الى دليل فإذا كان مطلقاً من هذه الجهة ثبت المطلوب كما هو واضح واما ما أفاده في الآخر من ان قضيته كون النفر للتفقه وجوب الحذر إذا احرزوا ان الانذار بما تفقه به فهو صحيح ولكن ظاهر الآية يقتضي بأن قول المنذر وحده طريق لاحرازه لظهورها جداً في وجوب الحذر بمجرد انذاره من غير توقف على شيء آخر وقد كان ذلك مطلقاً فيكون هذا كذلك وإلا لغي كما عرفت. نعم يشكل الاستدلال بالآية بأن ظاهرها وجوب النفر على طائفة من كل فرقة مغياً بوجوب انذارها عند الرجوع ولفظ طائفة لو لم يكن ظاهراً في المقدار الذي يوجب قولهم الاطمئنان المسمى بالعلم العادي لا سيما وانهم في مثل هذا النفر لا ينفر عادةً منهم إلا من يوثق بقوله وحده فإذا رجعوا جميعاً وانذروا كذلك على ما هو ظاهر الآية فلا اشكال في قيام الحجة الموجبة للحذر وانذار واحد منهم مع سكوت الباقين انذار من الجميع ولا ينافي ذلك ظهور الآية في وجوب حذر كل قوم بأنذار منذرهم وهو واحد لظهورها أيضاً
مغروسية اتفاق المنذرين الراجعين في اذهان كل قوم بالنسبة الى منذرهم فلا دلالة في الآية على انه إذا رجع واحد منهم أو مقدار لا يفيد قوله إلا ما يفيده قول الواحد من الظن النوعي وانذر يجب الحذر اذ لا اطلاق فيها يعم مثل ذلك. والحاصل اني لا أرى في هذه الآية شائبة انها مسوقة لبيان حجية قول الواحد ممن لا يفيد قوله إلا الظن ولو نوعاً والحوالة على الانصاف والوجدان. ثم انه اشكل على الاستدلال بها أيضاً بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقاً فلا تدل إلا على وجوبه بل عند انذار المنذر ومن المعلوم ان المخبر بما هو مخبر ليس بمنذر فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر وانما كان المخبر ليس بمنذر حيث انه ليس شأن الراوي إلا الإخبار بما تحمله لا التخويف والانذار وانما هو شأن المرشد والمقلد فهي تدل على وجوب الحذر عند الفتوى أو نقلها بما هي فتوى. قلت المخبر إذا اخبر بالحرام وما ورد من مقدار عقوبة فعله والواجب ما ورد من مقدار عقوبة تركه فقد حصل الأخبار والانذار وكان منذراً بما هو مخبر ومخبراً بما هو منذر ولا يتوقف ذلك على قصد الارشاد ولا تحقق الاجتهاد بل لو اخبر بالحرام بما هو حرام والواجب بما هو واجب كان كذلك أيضاً كما يؤيد ذلك بل يدل عليه رواية العلل حيث فسر الانذار بنقل الأخبار فلا خلل أصلًا في الدلالة ولو بنى على الجمود المحض في ظواهر الالفاظ الأولية امكن ان يقال بعد تسليم الدلالة انها مختصة بمن أخبر بالحرام والواجب فلا تشمل من
أخبر بباقي الاحكام لعدم تحقق الانذار فيها ولكنه مما لا ينبغي الاصغاء اليه فان المقصود من الآية ان التفقه في الدين لازم على الجميع فيجب تعلمه بالنفر على طائفة وبسؤال النافرين والاخذ بقولهم عن أخرى فلا يختص بنافل دون ناظر ولا بمنقول دون منقول وحيث كان ما تفقهوا به وتعلموه في النفر مشتملًا على ما فيه الانذار كانت نسبة الانذار اليهم فيما تفقها به في غاية الحسن والجودة. ثم لا يذهب عليك انه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا عن النبي (ص) أو عن الإمام (ع) من الاحكام الى الأنام إلا كحال نقلة الفتاوى الى العوام ولا شبهة في انه يصح منهم التخويف في مقام الإبلاغ والإنذار والتحذير بالبلاغ فكذا يصح ذلك من الرواة فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا كان مع التخويف كان نقله حجة من دونه أيضاً لعدم الفصل بينهما جزماً، كذا أفاد صاحب الكفاية وقد عرفت عدم الحاجة الى مثل هذه التقريبات فإنه كما ورد عنهم (ع) بيان الاحكام التي منها الواجبات والمحرمات ورد عنهم أيضاً بيان ما يستحقه المطيع والعاصي من المثوبات والعقوبات بل ورد عنهم في جملة منها بيان الكمية بل الكيفية واخبار المخبر بما ورد انذاره وان لم يشعر به وانذاره بما ورد في النقل ابلغ من انذار المرشد والمجتهد بما يقتضيه في ذلك حكم العقل والرواة في ذلك شرع سواء فلا فرق بين زرارة وبين من كان في آخر الزمان مع حصول الثقة بالوسائط فافهم.