بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 170

مغروسية اتفاق المنذرين الراجعين في اذهان كل قوم بالنسبة الى منذرهم فلا دلالة في الآية على انه إذا رجع واحد منهم أو مقدار لا يفيد قوله إلا ما يفيده قول الواحد من الظن النوعي وانذر يجب الحذر اذ لا اطلاق فيها يعم مثل ذلك. والحاصل اني لا أرى في هذه الآية شائبة انها مسوقة لبيان حجية قول الواحد ممن لا يفيد قوله إلا الظن ولو نوعاً والحوالة على الانصاف والوجدان. ثم انه اشكل على الاستدلال بها أيضاً بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقاً فلا تدل إلا على وجوبه بل عند انذار المنذر ومن المعلوم ان المخبر بما هو مخبر ليس بمنذر فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر وانما كان المخبر ليس بمنذر حيث انه ليس شأن الراوي إلا الإخبار بما تحمله لا التخويف والانذار وانما هو شأن المرشد والمقلد فهي تدل على وجوب الحذر عند الفتوى أو نقلها بما هي فتوى. قلت المخبر إذا اخبر بالحرام وما ورد من مقدار عقوبة فعله والواجب ما ورد من مقدار عقوبة تركه فقد حصل الأخبار والانذار وكان منذراً بما هو مخبر ومخبراً بما هو منذر ولا يتوقف ذلك على قصد الارشاد ولا تحقق الاجتهاد بل لو اخبر بالحرام بما هو حرام والواجب بما هو واجب كان كذلك أيضاً كما يؤيد ذلك بل يدل عليه رواية العلل حيث فسر الانذار بنقل الأخبار فلا خلل أصلًا في الدلالة ولو بنى على الجمود المحض في ظواهر الالفاظ الأولية امكن ان يقال بعد تسليم الدلالة انها مختصة بمن أخبر بالحرام والواجب فلا تشمل من‌


صفحه 171

أخبر بباقي الاحكام لعدم تحقق الانذار فيها ولكنه مما لا ينبغي الاصغاء اليه فان المقصود من الآية ان التفقه في الدين لازم على الجميع فيجب تعلمه بالنفر على طائفة وبسؤال النافرين والاخذ بقولهم عن أخرى فلا يختص بنافل دون ناظر ولا بمنقول دون منقول وحيث كان ما تفقهوا به وتعلموه في النفر مشتملًا على ما فيه الانذار كانت نسبة الانذار اليهم فيما تفقها به في غاية الحسن والجودة. ثم لا يذهب عليك انه ليس حال الرواة في الصدر الأول في نقل ما تحملوا عن النبي (ص) أو عن الإمام (ع) من الاحكام الى الأنام إلا كحال نقلة الفتاوى الى العوام ولا شبهة في انه يصح منهم التخويف في مقام الإبلاغ والإنذار والتحذير بالبلاغ فكذا يصح ذلك من الرواة فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي إذا كان مع التخويف كان نقله حجة من دونه أيضاً لعدم الفصل بينهما جزماً، كذا أفاد صاحب الكفاية وقد عرفت عدم الحاجة الى مثل هذه التقريبات فإنه كما ورد عنهم (ع) بيان الاحكام التي منها الواجبات والمحرمات ورد عنهم أيضاً بيان ما يستحقه المطيع والعاصي من المثوبات والعقوبات بل ورد عنهم في جملة منها بيان الكمية بل الكيفية واخبار المخبر بما ورد انذاره وان لم يشعر به وانذاره بما ورد في النقل ابلغ من انذار المرشد والمجتهد بما يقتضيه في ذلك حكم العقل والرواة في ذلك شرع سواء فلا فرق بين زرارة وبين من كان في آخر الزمان مع حصول الثقة بالوسائط فافهم.


صفحه 172

ومنها آية الكتمان قال عز من قائل: [إنّ الذينَ يَكْتمونَ مَا أَنْزَلْنا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِن بَعدِ ...] والانصاف عدم دلالة هذه الآية على شي‌ء لكونها غير مسوقه الا لبيان ان في كتمان ما أنزل الله تعالى نقض الغرض وان اظهاره في الجملة لازم وليست بصدد تعين من يظهر ولا كيفية الاظهار ولا كيفية قبول من يظهر له وإلا لزم تخصيص الآية بالاكثر، ولا يخفى ذلك على من تدبر.

واما ما ذكر في تقريب الاستدلال بها من ان حرمة الكتمان تستلزم القبول عقلًا للزوم لغويته من دونه فهو جيد وجيه لو كانت الحرمة في الآية مطلقة حين لو كان المظهر شخصاً واحداً فلولا لزوم القبول لكان لغواً وتكون هذه الآية مساوقة لآية: [ولا يَحِلُّ لَهُنّ أن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحامِهِنّ‌] فان دلالتها على لزوم قبول قول المرأة في دعوى الحمل غير قابلة للانكار وذلك لا يخفى على اولي الابصار، واما ما افاده صاحب الكفاية من انه لو سلمت هذه الملازمة فحينئذ لا مجال للايراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر من دعوى الاهمال أو استظهار الاختصاص بما أفاد العلم فانها أعني الملازمة تنافيهما أعني الاهمال والاختصاص كما لا يخفى، لكنها ملازمة ممنوعة فان اللغوية غير لازمة لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبداً وامكان ان تكون حرمة الكتمان من أجل ارادة الشارع وضوح الحق بسبب كثرة من افشاه وبيّنه لئلا يكون للناس على الله حجة بل كان له عليهم الحجة البالغة فالظاهر انه أراد بذلك ما ذكرنا إلا انه قد انعكس عليه الأمر بعكسه للتحرير في كيفية التقرير


صفحه 173

ضرورة وضوح الفرق بين كون الآية بصدد تحريم الكتمان مطلقاً أو بصدد تحريم مطلق الكتمان ودعوى الملازمة مبنية على الاول لا الثاني اذ لم يدع أحد ثبوت الملازمة بين حرمة ذات الكتمان والقبول فتسليم الملازمة مبني على الاطلاق لا تسليم الاطلاق مبني على الملازمة ليفرع عليه عدم امكان دعوى الاهمال نعم يتفرع على تسليم الاطلاق عدم امكان منع الملازمة كما عرفت.

ومنها آية السؤال عن أهل الذكر قال عز من قائل: [فاسْأَلُوا أَهْلَ الذّكْرِ انْ كُنْتُم لا تَعْلمُونَ‌] وفي الاستدلال بها عن بعضهم ما لا يخفى، فان ظاهر هذه الآية وجوب السؤال على غير العالم بالاحكام ممن يفيد قوله العلم بها اما واحداً كالإمام (ع) أو متعدد كما إذا سئل عدداً يفيد قوله العلم فهي اجنبية عن المقام وفي تقريب الاستدلال بها ما ذكر في آية الكتمان. وفيه ان الظاهر منها بقرينة الشرط الذي فيها ايجاب السؤال على غير العالم لتحصيل العلم لا للتعبد بالجواب كما تقدم اللهم إلا ان يقال ان الشرط قرينة على العكس لو سلم اطلاق الصدر ضرورة ان شموله لما إذا لم يوجد أهل الذكر إلا واحد دليل على تنزيل قوله منزلة العلم فالكلام انما هو في تحقق الاطلاق فتأمل جيداً.

وقد اورد عليها أيضاً بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر فلا دلالة لها على التعبد بما يروي الراوي فانه بما هو راوي لا يكون من أهل الذكر والعلم فالمناسب انما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية وارد عليه صاحب الكفاية ان كثيراً من‌


صفحه 174

الرواة يصدق عليهم انهم أهل الذكر والاطلاع على رأي الإمام (ع) كزرارة ومحمد بن مسلم ونحوهما فانه يصدق على السؤال منهم والاخذ عنهم ان السؤال والاخذ عن أهل الذكر والعلم ولو كان السائل من احزابهم بل وأجل منهم بمراتب فإذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية وجب قبول روايتهم ورواية غيرهم من العدول مطلقاً لعدم الفصل جزماً في وجوب القبول بين الخبر المبتدأ من المخبر وبين الخبر المسبوق بالسؤال ولا بين اضراب زرارة وغيرهم ممن لا يكون من أهل الذكر وانما يروي ما سمعه أو رآه. وفيه ما لا يخفى فان هذا على طوله لا يكون مجدياً في رفع المناقشة المذكورة ضرورة ان المناقشة انما هي في كون ظاهر الآية ان متعلق الأمر بالسؤال الموجب لقبول الجواب هو سؤال أهل الذكر والعلم بما هم أهل الذكر والعلم والجواب منهم بما هم كذلك من الفتوى لا الرواية فتدل الآية على وجوب التقليد والعمل بقول المجتهد لا سؤالهم بما هم رواة والفرق واضح بين العنوانين ولا ينافي ذلك جمع بعض الرواة للوضعين فقوله فإذا وجب قبول روايتهم الخ مصادرة بينه لان وجوب قبولها بما هم رواة أول الكلام وان كانوا من أهل الذكر ووجوب قبولها بما هم أهل الذكر يخرج عن موضوع الرواية الى موضوع الفتوى فمع تسليم الفرق بين العنوانين فلا فرق للجزم بقبول رواية جامع الوصفين بما هو راوي ولم ينكر المستدل ان الراوي قد يكون من أهل الذكر كما يظهر بالتأمل في كلامه فالصواب في الجواب ان يقال ان المراد من أهل الذكر مطلق‌


صفحه 175

من سمع الاحكام وأخذها عن الإمام وان تكثرت الوسائط ويؤيد ذلك قوله (ع): (فارجعوا الى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم) وليس عندنا من يروي ولا علم له بما روى انه حكم أو موضوع شرعيين أو غيرهما كما لا يخفى على المتأمل.

ومنها آية الاذن قال عز من قائل: [ومِنْهُمُ الذّينَ يُؤْذُونَ النَّبيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أذُنٌ قُلْ أذُنُ خيْرٍ لَكُمْ يُؤمنُ بِاللهِ وَيؤمن للمُؤْمِنِين‌] فإنه تبارك وتعالى مدح نبيه بأنه يصدق المؤمنين وقرنه بتصديقه تعالى. وفيه ان ظاهر هذه الآية مع قطع النظر عن كل شي‌ء ان من الناس من يوذي النبي (ص) ويقول هو اذن يصدق ويقطع بكل ما يسمع وهذه صفة تنافي الحزم فرد الله ذلك عليهم وخطأهم فيما اعتقدوه وابان انه اذن خير لا الاذن التي اعتقدتموها ثم فسر اذن الخير بأنه يصدق بالله قاطعاً ويظهر التصديق عن اعتقاد للمؤمنين وان قطع في نفسه بكذبهم وهذه صفة لا ينال المؤمنين منها إلا خيراً حيث لا يرتب آثار الكذب الذي قطع به ويظهر لهم التصديق فالمقصود من اظهار التصديق عدم ترتيب آثار التكذيب من العقوبة أو التقرير وهذا المعنى ظاهر الآية بل كاد يكون صريحها بعد التأمل وهو أجنبي عن مقام حجية الخبر الواحد

والعجب ممن ذكرها على سبيل الاحتجاج واما ما أفاده صاحب الكفاية في رده:

أولًا: من انه انما مدحه بأنه اذن وهو سريع القطع لا الاخذ بقول غيره تعبداً. ففيه انه لم يمدحه بأنه اذن سريع القطع بل هذا هو


صفحه 176

القول الذي كان يؤذيه وانما مدحه بأنه اذن يظهر للمؤمنين القطع بما قالوا مع قطعه بخلافه وعدم ترتيبه أثر القطع بالخلاف ولعله يريد ذلك وقصرت عبارته واما ما أفاده:

ثانياً: من انه انما المراد هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم ولا تضر غيرهم لا التصديق بترتيب جميع الآثار كما هو المطلوب في باب حجية الخبر ويظهر ذلك من تصديقه للنمام بأنه ما نمه وتصديقه الله تعالى بأنه نمه كما هو المراد من التصديق في قوله (ع) فصدقه وكذبهم حيث قال على ما في الخبر يا أبا محمد كذب سمعك وبصرك عن أخيك فان شهد عندك خمسون قسامة انه قال قولًا وقال لم أقله فصدقه وكذبهم فيكون مراده تصديقه بما ينفعه ولا يضرهم وتكذيبهم فيما يضره ولا ينفعهم وإلا فكيف يحكم بتصديق الواحد وتكذيب خمسين، ففيه ما عرفت من ان المراد عدم ترتيب آثار الكذب التي تضرهم لا ترتيب آثار الصدق التي تنفعهم اذ لا محل لترتيب واحد منها مع القطع بالكذب وعلى تقدير تسليم ان المراد ترتيب آثار الصدق واقعاً على قولهم فهي دالة على حجية الخبر، غاية الأمر دلالة الآية حينئذ ولو بقرائن المقال أو الحال على تخصيص بعض الآثار دون بعض في الترتيب في خصوص هذا السنخ من الأخبار وهو مورد الآية ولا بأس به بل هو غير عزيز كما تخصص بالدليل ترتيب الضمان دون القطع عند قيام البينة على السرقة وغير ذلك مما ثبت في الطرق والاصول.


صفحه 177

واما ما ذكره من كون ذلك هو المراد برواية فصدقه وكذبهم ففيه ما لا يخفى فان المراد بالتصديق في هذه الرواية هو ما ذكرنا من اظهار ذلك له بعدم ترتيب آثار كذبه وان قطع من قول الخمسين واما التكذيب فليس المراد منه اظهار تكذيبهم قطعاً لا فيما لا يضرهم ولا فيما يضرهم وإلا كان اظهار تكذيبهم نفسه كافياً في ضررهم لما فيه من الطعن عليهم بل المراد عدم ترتيب آثار تصديقهم التي منها تكذيب أخيه وان قطع بذلك ولذا نسب التكذيب في صدر الرواية الى السمع والبصر فالمراد من التكذيب فرض نفسه بعد سماع قولهم كمن لم يسمع شيئاً أبداً فهذا التكذيب لا دخل له بهم ضرتهم آثاره أم لم تضرهم فلا منافاة بين الأمر بتصديق واحد وتكذيب خمسين أصلًا وراساً؟ نعم لو كان المراد اظهار ذلك لهم في المقامين حصلت المنافاة قطعاً وكان تخصيص كل منهما بأثر غير أثر الآخر وجيهاً ولكن ليس الأمر كذلك وما ذكر في غاية الوضوح بعد التأمل. واضعف من ذلك جعل المراد برواية اسماعيل هذا المعنى والانصاف انها أجنبية عنه فان معنى رواية اسماعيل ان ائتمان شارب الخمر جهرا بعد شهادة المسلمين تكذيب لهم علانية وهو خلاف ماجاءت به السنة من لزوم اظهار تصديقهم لكونهم مسلمين والمقصود منه عدم ترتيب آثار التكذيب كالائتمان الذي وبّخ الإمام (ع) اسماعيل عليه فأي نفع للمسلمين في هذا الأثر ليكون معنى الرواية ترتيب الآثار التي تنفعهم.