واما ما ذكره من كون ذلك هو المراد برواية فصدقه وكذبهم ففيه ما لا يخفى فان المراد بالتصديق في هذه الرواية هو ما ذكرنا من اظهار ذلك له بعدم ترتيب آثار كذبه وان قطع من قول الخمسين واما التكذيب فليس المراد منه اظهار تكذيبهم قطعاً لا فيما لا يضرهم ولا فيما يضرهم وإلا كان اظهار تكذيبهم نفسه كافياً في ضررهم لما فيه من الطعن عليهم بل المراد عدم ترتيب آثار تصديقهم التي منها تكذيب أخيه وان قطع بذلك ولذا نسب التكذيب في صدر الرواية الى السمع والبصر فالمراد من التكذيب فرض نفسه بعد سماع قولهم كمن لم يسمع شيئاً أبداً فهذا التكذيب لا دخل له بهم ضرتهم آثاره أم لم تضرهم فلا منافاة بين الأمر بتصديق واحد وتكذيب خمسين أصلًا وراساً؟ نعم لو كان المراد اظهار ذلك لهم في المقامين حصلت المنافاة قطعاً وكان تخصيص كل منهما بأثر غير أثر الآخر وجيهاً ولكن ليس الأمر كذلك وما ذكر في غاية الوضوح بعد التأمل. واضعف من ذلك جعل المراد برواية اسماعيل هذا المعنى والانصاف انها أجنبية عنه فان معنى رواية اسماعيل ان ائتمان شارب الخمر جهرا بعد شهادة المسلمين تكذيب لهم علانية وهو خلاف ماجاءت به السنة من لزوم اظهار تصديقهم لكونهم مسلمين والمقصود منه عدم ترتيب آثار التكذيب كالائتمان الذي وبّخ الإمام (ع) اسماعيل عليه فأي نفع للمسلمين في هذا الأثر ليكون معنى الرواية ترتيب الآثار التي تنفعهم.
والحاصل الآية والروايتان بمعنى واحد لكن على ما ذكرنا لاعلى ما افاد صاحب الكفاية (قدس سره) ويمكن حمل كلامه على ذلك بتكلف وتعسف فتأمل جيداً.
الأخبار الدالة على حجية الخبر الواحد
لقد دلت الأخبار الكثيرة على اعتبار اخبار الآحاد وهي وان كانت طوائف كثيرة كما يظهر من مراجعة الوسائل وغيرها إلا أنه يشكل الاستدلال بها على حجية أخبار الآحاد بأنها أخبار أحاد فإنها غير متفقة على لفظ ولاعلى معنى حتى تكون متواترة لفظاً على الاول أو معنى على الثاني.
ولكنه يندفع بأن التواتر على أنحاء أربعة التواتر لفظاً وهو ما لو اتفقت الأخبار على لفظ واحد، ومعنى وهو ما لو اتفقت على معنى واحد كان هو القدر المشترك بينها، واجمالًا وهو ما لو كثرت الأخبار على وجه يقطع بصدور بعضها اجمالًا وان اختلفت لفظاً ومعنى والاستدلال بهذه الانحاء يكون استدلالًا بالسنة التي هي قول الإمام.
واما النحو الرابع فهي ما لو كثرت الأخبار المختلفة لفظاً ومعنى إلا انها بأجمعها تعطي ان هناك معنى مفروغاً عنه في سؤال السائلين وانما وقع السؤال عن بعض خصوصيته ويكون جواب الإمام عن تلك الخصوصيات تقريراً لهم على ما كان ومغروساً في
اذهانهم ومفروغاً عنهم فيما بينهم على وجه يفيد القطع بذلك وهذا نحو من التواتر والاستدلال به استدلال بالسنة التي هي تقرير الإمام (ع) لا قوله وان كان هو السبب في الاستفادة والنحوان الأولان لو سلم عدم وجودهما في المقام فالنحوان الآخران لا شك في وجودهما. اما الرابع فان من تتبع اخبار حق التتبع يرى ان حجية خبر الثقة العدل كان مفروغاً عنه فيما بين السائلين والأئمة (ع) قرروهم على ذلك في جميع تلك الأجوبة. واما النحو الثالث فلا ينكره إلا مكابر واليه أشار صاحب الكفاية حيث دفع اشكال عدم تواتر الأخبار المستدل بها لفظاً ومعنى بأنها وان كانت كذلك إلا انها متواترة اجمالًا ضرورة انه يعلم اجمالًا بصدور بعضها عنهم (ع).
لا يقال ان قضية كون التواتر اجمالياً عدم حجية مطلق الخبر فيكون الدليل أخص من الدعوى لأنا نقول ليس التواتر الإجمالي إلا كالتواتر التفصيلي في خصوص المقام وقضيته وان كان حجية خبر يكون منها قد دل على حجية أخصها مضموناً كالصحيح الاعلائي مثلًا إلا انه يتعدى عنه الى حجية مطلق خبر الثقة فيما إذا كان بينها أي بين تلك الأخبار المعلوم تواترها إجمالًا ما كان بهذه الخصوصية من كونه صحيحاً اعلائياً وقد دل على حجية ما كان الموثق، اللهم الا إذا تطابقت على عدم الدلالة الا على حجية الخبر في الفروع فلا تشمل خبراً دل على حجية مثله فافهم هذا مع ان أخبار الآحاد إذا احتفت بقرائن مقاليه أو حاليه توجب القطع بالصدور فلا يحتاج
المقام الى تواترها ولا أخال ان ناظراً ذا ذوق ومعرفة بلسان اهل البيت ينظر في هذه الأخبار ولا يحصل له القطع بالصدور.
الإجماع على حجية الخبر
لقد قررت دعوى الاجماع على حجية الخبر من وجوه:
أحدها: دعوى الاجماع من تتبع فتاوى الاصحاب على الحجية من زماننا الى زمان الشيخ فيكشف عن رضاه (ع) بذلك ويقطع به وهذه طريقة المتأخرين في دعوى الاجماع أو يحصل القطع بالاجماع من تتبع الإجماعات المنقولة المتواترة على الحجية ولا يخفى عليك انه ان اريد تحقق الإجماع المذكور على الحجية مطلقاً فهو مجازفة بينه فان هذه الدعوى واضحة الفساد ولاختلاف الفتاوى فيما أخذ في اعتباره من الخصوصيات ومعه لا مجال لتحصيل القطع برضاءه (ع) من تتبعها وهي الدعوى الأولى وهكذا حال تتبع الاجماعات المنقولة وهي الدعوى الثانية اللهم إلا ان يدعى ما ادعيناه في اخبار الاحاد من تواطئها على الحجية في الجملة بحيث يقطع انها كذلك من المسلمات المفروغ عنها بينهم وانما وقع الاختلاف في الخصوصيات المعتبرة فيها ولكن دون اثباته في الإجماعات خرط القتاد.
ثانيها: دعوى اتفاق العلماء عملًا بل المسلمين كافة على العمل بخبر الواحد في امورهم الشرعية كما يظهره أخذ فتاوى
المجتهدين من الناقلين لها. وفيه مضافاً الى ما عرفت مما يرد على الوجه الأول من عدم تسليم تحقق مثل هذا الاتفاق على وجه يوجب القطع برضا الإمام (ع) انه لو سلم اتفاقهم على ذلك لم يجز انه على وجه يوجب صحة دعوى كونه إجماعاً كاشفاً ويكون الاستدلال به استدلالًا بالإجماع ضرورة توقف إحراز ذلك على احراز انهم اتفقوا بما هم مسلمون ومتدينون بهذا الدين وانى لك باحرازه مع تردد الأمر حقيقة واقعاً بين ان يكون اتفاقهم بما هم كذلك أو بما هم عقلاء ولو لم يلزموا بدين كما تراهم لا يزالون يعملون بها في غير الأمور الدينية من الأمور العادية وإذا كان أحد طرفي الاحتمال ذلك فيرجع هذا التقرير الى ثالث الوجوه في تقرير الإجماع وهو دعوى استقرار سيرة العقلاء من ذوي الأديان وغيرهم على العمل بخبر الثقة واستمرت الى زماننا ولم يردع عنه أي عن العمل في كتاب ولا في سنة نبي ولا وصي نبي ضرورة انه لو كان لأشتهر وبان مع توفر الدواعي الى نقله لكثرة موارد الابتلاء ومن الواضح انه على هذا النهج يكشف كشفاً قطعياً عن رضاء الشارع به في الشرعيات أيضاً وهذا الوجه أجمل الوجوه وكلما ازددت فيه نظراً ازداد حسناً فان قلت يكفي في الردع الآيات الناهية والروايات المانعة من اتباع غير العلم وناهيك قوله تعالى: [ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ] وقوله تعالى: [إِنَّ الظّنَّ لا يُغْنِي مِنَ اْلحِقّ شَيْئاً] رادعاً ومانعاً عن ذلك.
قلت: هذه الآيات والروايات عامة أو مطلقة والسيرة المذكورة دليل خاص قطعي من كل جهة فيخصص بها العموم ويقيد بها الاطلاق وهذا أولى من تخصيص العام وتقييد المطلق بالإجماع القولي من بعض الجهات فحينئذ لا يكاد يكفي تلك الآيات في ذلك فانه يئول الى تقديم الظني على العلمي لما عرفت من ظهورها في الردع وان السيرة أقوى من النص اللفظي على العدم.
هذا مضافاً الى انه انما وردت ارشاداً إلى عدم العمل بالظن في اصول الدين ولو سلم العموم بمقدمات الحكمة فانما المتيقن لولا انه المنصرف اليه ان المراد من اطلاقها هو خصوص الظن الذي لم يقم على اعتباره حجة ولو بنى على تقديم عموم العام ورفع حكم الخاص به مع فرض تساويهما من كل جهة وقطع النظر عما تقتضيه قاعدة الظهور من تقديم الخاص لزم الدور في كل عام وخاص ضرورة توقف عموم حكم العام لمورد الخاص على عدم تخصيصه به وتوقف عدم تخصيصه به على عموم حكم العام لمورد ه فعلى ذلك لا يكاد يمكن الردع بها الا على وجه دائر وذلك لأن الردع بها يتوقف على عمومها لمورد السيرة وهو يتوقف على عدم تخصيص عمومها أو تقييد اطلاقها بالسيرة الجاريه على اعتبار خبر الثقة وهو يتوقف عليعمومها والردع عنها بها والا لكانت مخصصه او مقيدة لها كما لا يخفى. ومما ذكرنا نعلم أي التقريرين أجمل من تقريرنا وتقرير صاحب الكفاية ولذا يجري هذا التقرير بعينه في جانب الخاص وهو في المقام السيرة ولا وجه لحكم صاحب الكفاية بأنه
لا يقال على هذا لا يمكن ان يكون اعتبار خبر الثقة بالسيرة أيضاً إلا على وجه دائر فان اعتباره بها أي بالسيرة يتوقف فعلًا على عدم عموم الآيات الناهية للسيرة الموجب عمومها لتحقق الردع بها عن السيرة وهو أي عدم عموم الآيات يتوقف على تخصيصها بالسيرة وهو يتوقف على عدم الردع بها أي الآيات عنها أي عن السيرة ولا مدفع لذلك أبداً وما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) في دفعه لا واقع له فإنه لا وجه لأن يقال انما يكفي في حجيته بها عدم ثبوت الردع عنها لعدم نهوض ما يصلح لردعها بذلك كما يكفي في تخصيصها لها ذلك كما لا يخفى. ضرورة جريان ذلك بعينه في الطرف الآخر فيقال انه يكفي في الردع عموم الآيات والروايات أو اطلاقها وعدم ثبوت تخصيصها أو تقيدها ولا يكفي في حجية الخبر إلا ثبوت التخصيص لا عدم ثبوت الردع وما أفاده في تعليل ذلك من ان ما جرت عليه السيرة المستمرة في مقام الاطاعة والمعصية وفي استحقاق العقوبة بالمخالفة وعدم استحقاقها مع الموافقة ولو في صورة المخالفة عن الواقع يكون عقلًا في الشرع منيعاً ما لم ينهض دليل على المنع من اتباعه في الشرعيات عليل، ضرورة ان السيرة انما تكون دليلًا بعد القطع أو ما هو بحكمه بامضائها وعدم الردع عنها فيقال حينئذ في قلب الدليل ان العمومات والاطلاقات حجة متبعة ما لم ينهض على تخصيصها أو تقيدها دليل متبع، نعم لو كان احراز امضاء الشارع لما جرت عليه السيرة ليس بشرط وانما يكون ردعه عنها مانعاً كان ما أفاده في غاية القوة فان جميع ما أفاده مبني على
ذلك لكن دون اثباته لمع الاسنة ومرسل الأعنة. وقولهم ان عدم الردع يكفي انما هو لكشفه عن وجود الشرط وهو الامضاء لا لتحققه عدم المانع كما اعترف به في تقرير الدليل بقوله ومن الواضح وهذا بخلاف ما قررنا به وجه الدور في مطلق العام والخاص المنحصر رفعه بان تقديم جانب الخاص من حيث كونه اظهر من القواعد المفروغ عنها عند أهل المحاورة فكيف إذا كان بحكم النص فلا دور بالضرورة وعمدة ما استند اليه صاحب الكفاية واوجب جزمه بذلك من عدم احتياج السيرة في المقام الى احراز الامضاء والاكتفاء في حجيتها واتباعها بعدم ثبوت المانع انها سيرة في باب الاطاعة والمعصية وآثارهما التي هي من المستقلات العقلية فلا يوجب رفع اليد عن اتباعها إلا ثبوت الردع عنها ولم يثبت وفيه ما لا يخفى.
أماأولًافلأن السيرة على العمل بخبر الثقة فيما يحكيه من حكم الشارع سيرة في باب احراز ما يطاع ويعصى لا في باب الاطاعة والمعصية فلا يعقل الحكم بوجوب الواجب وحرمة الحرام مثلًا المحكيين بخبر الثقة استناداً الى السيرة ما لم يحرزه امضاء الشارع لها الكاشف عن رضاء الشارع بسلوك هذا الطريق الى معرفة احكامه وهذا في غاية الوضوح.
وأماثانياًفلان كل طريق لا يحرز امضاء الشارع له لا يستكشف به حكمه وان وجب اتباعه من حيث الاطاعة والمعصية