ذلك أي في أنه نقل السبب وحده أو السبب والمسبب.
الثالث: لا يخفى عليك ان المستفاد من أدلة حجية الخبر وهو تنزيل مؤداه منزلة الواقع في لزوم ترتيب آثاره عليه عقلية كانت كوجوب الامتثال وحرمة الضد أو شرعية فيما إذا دل الخبر على عدم تحريم عشر رضعات الموجب لتحقق جواز التزويج فلابد من ان يكون للواقع أثر واقعي يكون التنزيل بلحاظه هذا في غير ما إذا كان الواقع حكماً تكليفياً أو وضعياً وإلا كفى في التنزيل لحاظه بنفسه وجوداً وعدماً كما لا يخفى، وهذا هو الحال في كل ما تعبد الشارع به طريقاً الى الواقع ولا يجب ان يكون الأثر فعلياً بمعنى كون الموضوع الواقعي علة تامة لثبوت الأثر بل يكفي ان يكون جزء علة أيضاً كما في البينة فإن وجوب تصديق كل واحد فعلًا انما هو بلحاظ الأثر المترتب على تصديق جميع العدد بلغ ما بلغ، وأيضاً ظاهر أدلة الحجية ان الخبر لابد وان يكون عن حس أو عما هو قريب من الاحساس بمعنى ان مبادئه التي يلزمها عقلًا أو عادةً ذاك الأثر من الأمور المحسوسة كالشجاعة والكرم وما جرى على هذا النحو. والوجه في ظهور الأدلة في ذلك انها بأجمعها ناظرة الى الواقع في التنزيل. والأخبار عن الأمور الحدسية ليس أخباراً عن الواقع بل عما في الحدس بل لفظ الخبر والحكاية والرواية والنقل وما أشبهها لا تشمل حيث تطلق مجردة الأخبار عن الأمور الحدسية فانها عند التحليل مجرد دعاوي. إذا عرفت ذلك فاعلم أن أدلة حجية الخبر
لا تشمل نقل الاجماع إلا إذا كان المسبب محسوساً أو كان السبب مما يستلزم عقلًا لدى عامة العقلاء أو عادةً لدى عامة الناس وجود المسبب فلا يكون نقل الاجماع حجة إلا إذا كان قول الإمام في ضمن أقوال المجمعين أو كانت أقوالهم تستلزمه عقلًا أو عادةً وان كانت جزء العلة فلا فرق على ذلك بين نقل السبب أو جزء السبب أو المسبب، أما إذا لم يكن كذلك بل كان على نحو الاستلزام العقلي أو العادي أو الاتفاقي في نظر الناقل فلا تشمله أدلة الحجية لا بما هو نقل للسبب ولا بما هو نقل للمسبب.
أماالأولفلعدم أثر واقعي وانما كان بنظر الناقل ذا أثر.
وأماالثانيفلأنه خبر عن حدس فانقدح بما ذكرنا معنى ما أفاده صاحب الكفاية من انه لا اشكال في حجية الاجماع المنقول بأدلة حجية الخبر إذا كان نقله متضمناً لنقل السبب والمسبب عن حس لو لم نقل بان نقله كذلك في زمان الغيبة موهون جداً إلا إذا كان الناقل من الابدال المتميزة حقائقهم على سبيل القطع وكذا إذا لم يكن متضمناً له بل كان ممحضاً لنقل السبب عن حس إلا انه كان سبباً بنظر المنقول اليه أيضاً عقلًا أو عادة أو اتفاقاً فيعامل حينئذ مع المنقول معاملة المحصّل في الالتزام بمسببه والاخذ بأحكامه وآثاره بل وكذا لو كان جزء السبب والسر في انه إذا كان سبباً بنظرهما يكون مشمولًا دون ما إذا كان بنظر الناقل انه يكون مما له أثر واقعي بحسب قطعهما إلا في الصورة الأخيرة إذا علم ان السببية اتفاقية ضرورة
إنهما قاطعان ان سببيته ذلك لهذا المسبب كسببية آثار الشجاعة للدلالة على وجودها فتشمله أدلة الحجية بحسب قطعهما أيضاً، وأما في السببية الاتفاقية فعندي إشكال لما عرفت من قصور الأدلة عن شمول ما لا أثر له واقعاً كما انه إذا كان نقله للمسبب لا عن حس بل بملازمة ثابتة عند الناقل بوجه أما من باب اللطف أو غيره دون المنقول اليه ففيه اشكال أيضاً أظهره في الصورتين معاً عدم نهوض تلك الأدلة على حجيته. نعم في الصورة الأولى إذا كان ما هو السبب اتفاقاً عند الناقل جزء السبب المستلزم عقلًا أو عادةً عند المنقول اليه فحينئذ يكون حجة إذا حصل للمنقول اليه جزء السبب الآخر وكذا إذا كان ما هو السبب عقلًا أو عادةً بنظر الناقل وغيره يكون بنظر المنقول اليه سبباً اتفاقاً لتمامية ملاك الحجية على هذين التقديرين وأما الثانية فهي مطلقاً كما ذكرنا اذ المتقين من بناء العقلاء على تقدير كونه هو مدرك حجية الخبر غير ذلك كما ان المنصرف من الآيات والروايات على تقدير دلالتهما على الحجية ذلك كما عرفت فيما سبق خصوصاً فيما إذا رأى المنقول اليه خطأ الناقل في اعتقاد الملازمة أو كانت الملازمة بنظرهما اتفاقية لا ذاتية اذ هي ليس ملازمة وانما هو محض اتفاق هذا كله فيما إذا انكشف الحال عند النقل وعلم وجهه.
وأما فيما اشتبه فلم يعلم ان الناقل بأي كيفية نقل عن حس أو عن حدس فلا يبعد ان يقال بالاعتبار لدلالة الدليل على اعتبار كل
ما يخبر به الثقة ما لم يعلم كونه عن حدس لكن لا مطلقاً بل فيما إذا كان نوع المخبر به مبنياً على الحس وكونه عن حدس من الأمور الاتفاقية أما إذا كان الأمر بالعكس فالظاهر عدم الاعتبار فان عمدة أدلة حجية الأخبار هو بناء العقلاء وهم كما يعملون بخبر الثقة إذا علم انه عن حس يعملون به أيضاً فيما يحتمل كونه عن حدس حيث انه ليس بنائهم إذا أخبروا بشيء على التوقف والتفتيش عن انه عن حدس أو حس بل ديدنهم وما بهم العمل على طبقه والجري على وفقه من دون ذلك، نعم في الصورة الثانية ربما كان عملهم على العكس بل لا يبعد ان يكون بنائهم على ذلك في الصورة الأولى فيما لا يكون هناك امارة توجب قوة احتمال كونه مبنياً على الحدس أو على اعتقاد الملازمة فيما لا يرون هناك ملازمة كما لو أخبر شخص بعدالة آخر مع علم المخبر ان المخبر لم يشاهد من ذلك الشخص إلا تهجده ليلًا فاخبر لاعتقاد الملازمة بينه وبين ملكة العدالة ففي مثل ذلك لا يرتبون على خبره أثراً كما هو المشاهد من عامة العقلاء فلو كان ما نحن فيه من قبيل الصورة الأولى كان ما ذكرناه مجدياً لكن الأمر بالعكس فان الاجماعات المنقولة في السنة الاصحاب غالباً مبنية على حدس الناقل أو اعتقاد الملازمة عقلًا فلا اعتبار لها ما لم ينكشف ان نقل المسبب كان مستنداً الى الحس. نعم الغالب بالنسبة الى نقل السبب هو العكس الا من مثل ابن ادريس ومن جرى مجراه حيث علم ان غالب نقلهم للسبب للحدس الحاصل لهم من رواية
الاصحاب للرواية المتضمنة لذلك الحكم الا ترى ابن ادريس في غير مقام يدعي اتفاق الفرقة على الحكم ثم يعلله بانهم اتفقوا على ذكر روايته فلا اعتبار بمثل هذا النقل للسبب أيضاً فلابد في الاجماعات المنقولة بالفاظها المختلفة من استظهار مقدار دلالة الفاظها ولو بملاحظة حال الناقل وخصوص موضع النقل وزمانه وغير ذلك مما استقصاه صهرنا العلامة في كشفه فيؤخذ بذاك المقدار ويعامل معه كأنه المحصل فان كان بمقدار تمام السبب رتب عليه أثره وأفتى بالحكم وإلا فلا يجدي ما لم يضم اليه مما حصله ونقل له من سائر الأقوال أو عرفه من سائر الامارات حتى يقطع بأنه تم فيرتب عليه الحكم ويكون حال ما نقل له من حيث كونه جزء السبب في تصديقه كحال جزء البينة فافهم. فتلخص بما ذكرنا ان الاجماع المنقول بخبر الواحد من جهة حكايته رأي الإمام (ع) بالتضمن أو الالتزام كخبر الواحد في الاعتبار يعني كالحكم المنقول بخبر الواحد إذا كان من نقل إليه ممن يرى الملازمة بين رأيه (ع) وما نقله من الأقوال بنحو الجملة والاجمال وتعمه أدلة اعتباره وينقسم بأقسامه من حيث الصحة والوثاقة والقوة والضعف وغيرها ويشاركه في احكامه والا لم يكن مثله في الاعتبار من جهة الحكاية له وأما من جهة نقل السبب فهو في الاعتبار بالنسبة الى مقدار من الأقوال التي نقلت اليه على الاجمال بالفاظ نقل الاجماع مثل ما إذا نقلت على التفصيل فلا فرق بين قوله اتفقوا أو أجمعوا أو قوله قال فلان وقال فلان فإذا
كان المنقول تمام السبب في رأي المنقول اليه فلا محيص عن ترتيب أثره وإذا كان بعضه فلو كان بحيث لو ضم اليه مما حصله أو نقل اليه من أقوال السائرين أو سائر الامارات مقدار كان المجموع منه ومن ما نقل بلفظ الاجماع بمقدار السبب التام كان المجموع كالمحصل ويكون حاله كما إذا كان كله منقولًا. وقد عرفت ان لا تفاوت في اعتبار الخبر بين ما إذا كان المخبر به تمامه أو ما له دخل فيه وبه قوامه، وبعبارة أخرى لا تفاوت في وجوب تصديق المخبر فيما أخبر به بين ان يكون ما أخبر به تمام السبب أو جزئه كما يشهد به حجيته أي الخبر بلا ريب في تعيين حال السائل وخصوصية القضية الواقعة المسئول عنها وغير ذلك مما له دخل في تعيين مرامه (ع) من كلامه ولم يكن تمام السبب لترتيب الأثر وهذا الذي أفاده صاحب الكفاية هو ملخص ما أفاده صهر جدنا كما لا يخفى على من راجع كلامه وينبغي التنبيه على أمور:
الأمر الأول: قد عرفت مما مر أن مبنى دعوى الاجماع غالباً هو اعتقاد الملازمة لأحد أمرين أما عقلًا لقاعدة اللطف وهي على ما يقتضيه التحقيق باطلة لا معول عليها وأما اتفاقاً لحصول القطع بالحكم بحدس رأيه (ع) من فتوى جماعه وهي أيضاً غالباً غير مسلمة وأما كون المبني العلم بدخوله بشخصه في الجماعة أو العلم برأيه للاطلاع على رأي الرئيس العام أو الخاص إذا حصل الاطلاع والظفر بما يلازمه عادةً من آراء أتباعه وخواصه فيما اتفقوا عليه
بينهم قولًا واحداً من الفتاوي فقليل جداً في الاجماعات المتداولة في السنة الاصحاب كما لا يخفى بل لا يكاد يتفق العلم بدخوله (ع) على نحو الاجمال في الجماعة في زمان الغيبة بل هو من المحالات العادية بل العقلية ووجهه غني من البيان واما كون المبني هو العلم بقوله مشافهة فهو بعيد جداً معدوم الفائدة لا يحتمل في حق كل قائل وان احتمل تشرف بعض القائلين وهو الأوحدي منهم بخدمته ومعرفته أحياناً كما شاع وقبله الاجلاء الاعاظم في حق المحقق الورع التقي الاردبيلي وبعض من تقدمه وبعض من تأخر عنه فإذا كان مبنى الاجماع على هذا النهج فلا يكاد يجدي نقل الاجماع إلا من باب نقل السبب لما عرفت من انه من حيث نقل المسبب بين ما هو مستحيل الوقوع عادةً وان كان حجة على تقدير وقوعه وهو ما إذا كان محسوساً أو كالمحسوس كدخول شخصه في المجمعين أو ما هو بحكمه وبين ما هو مضافاً الى استحالة وقوعه ليس بحجة على تقدير الوقوع وذلك إذا كان بنحو الكشف بالملازمة وانما يجدي في نقل السبب بالمقدار الذي أحرز المنقول اليه وأحرز عنده من لفظه بعد الفحص وتدقيق النظر بما أكتنف لفظه به من قرينة حال أو مقال ويعامل حينئذ معه معاملة المحصل سواء كان المنقول تمام السبب أو جزئه كما عرفت. وأول من نبه على انحصار فائدة نقل الاجماع في ذلك هو صهر جدنا العلامة (أعلا الله مقامه) وتبعه على ذلك عامة من تأخر عنه وان ناقشه في الجملة شيخنا العلامة المرتضى بما لا ينبغي
صدوره من مثله إلا انه أشرف الله قدره قد صدر أول المسألة عذره كما لا يخفى على الخبير.
الأمر الثاني: قد ذكرنا سابقاً ان الملحوظ في دليل التعبد بالخبر انما هو التنزيل بلحاظ الأثر وانه لابد من ان يكون للمنزل عليه أثر واقعي وان السبب المنقول إذا لم يكن مستلزماً إلا بنحو الاتفاق ليس مما له الأثر فلا يشمله دليل التنزيل فاعلم انه لا يجب في الأثر المترتب ان يكون موجوداً من حين وجود المنزل عليه بل يكفي وجوده متأخراً من غير فرق بين الطرق والأصول في ذلك مثلًا لو نذر ان يتصدق بدرهم يوم الجمعة متطهراً وكان قد تطهر يوم الخميس وشك في بقائها يوم الجمعة فيكفي في استصحابها ترتب هذا الأثر عليها إذا عرفت ذلك ظهر لك انه إذا كان المنقول تمام السبب لكن بنظر الناقل والمنقول اليه خاصة بالملازمة الاتفاقية فيكفي في حجية نقل السبب ترتب أثره عليه بنظر المنقول اليه بعد قطعه باستلزامه لحكم الإمام في تلك الواقعة وان لم يكن له هذا الأثر واقعاً قبل ذلك غاية الأمر احتمال كون قطع المنقول اليه جهلًا مركباً في الواقع وهذا ليس بمانع وإلا لمنع في جميع الآثار المرتبة بطرق القطع. هذا مضافاً الى ان حجية نقل السبب لا تختص لحاظاً بهذا الأثر بل للسبب آثار كثيرة كمعرفة الخبر المجمع عليه من الشاذ والمعمول به من المتروك ومعرفة الفتوى المشهورة من غيرها بناءاً على حجية الشهرة أو جبرها أو الترجيح بها ومعرفة الموافق للعامة من المخالف وغير ذلك فان