لا يخفى فالخبر دل على رفع كل أثر تكليفي أو وضعي كان يترتب على الواقع لولا عروض هذه الطواريء وفي رفعه منّة على الأمة كما استشهد الإمام (ع) بمثل هذا الخبر في رفع جملة من الاحكام الوضعية مثل ما استكره عليه بعض أهل الولاية من الطلاق والصدقة والعناق، وفيه انه لا شهادة فيه لاحتمال ان الإمام (ع) استشهد به استشهاداً صورياً عملًا بالتقية وظهور الحديث في رفع الجميع بعد التأمل فيه يغني عن الاستشهاد بالخبر مع انه اقرب المجازات الى المعنى الحقيقي.
ثم لا يذهب عليك مما حققنا ان المرفوع فيما اضطر اليه وغيره مما اخذ بعنوانه الثانوي الطاريء على عنوانه الأولي كالاكراه عليه وعدم الطاقة وعدم العلم به انما هو الآثار المترتبة عليه بعنوانه الأولى قبل عروض هذه الطواري ضرورة ان الظاهر بل الصريح ان هذه العناوين بطروها على تلك العناوين هي التي صارت موجبة للرفع والآثار التي موضوعها هذه العناوين ككفارة القتل خطأ مثلًا لا يعقل ارتفاعها لأن الموضوع للأثر مستدعي ومقتضي لوضعه فكيف يعقل ان يكون موجباً لرفعه. والحاصل ظاهر الخبر كونها سبباً للرفع فلا يشمل اثراً تكون هذه العناوين فيه سبباً للوضع. لا يقال كيف انكرت ان يكون المرفوع اثر هذه العناوين وقد سبق منك ان المرفوع انما هو ايجاب الاحتياط فيما لا يعلم وايجاب التحفظ في الخطأ والنسيان وايجاب ذلك انما يكون أثراً لهذه العناوين بعينها وباقتضاء نفسها؟ فانه يقال ان ذلك من سوء التدبر ولا يكون ايجاب
الاحتياط والتحفظ من آثار عدم العلم والخطأ انما يكون باقتضاء الواقع في موردها أي مورد الخطأ والنسيان وعدم العلم ضرورة ان المحافظة على الواقع والاهتمام به يوجب ايجابهما لئلا يفوت الواقع على المكلف لا طرو هذه العناوين كما لا يخفى. وبعبارة أخرى ايجاب الاحتياط والتحفظ من آثار التكليف الواقعي في مورد الجهل به والخطأ له لا من آثار الخطأ وان شئت فقل المراد بالخطأ في الرواية ما كان علة في الرفع فلا يعقل ان يعم أثره وإلا لزم اجتماع النقيضين في آن واحد وهو كونه بالنسبة الى أثره علة لرفعه ووضعه وهذا في غاية الوضوح.
ومنها حديث الحجب وهو: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم) وقد انقدح تقريب الاستدلال به مما ذكرنا وذكر صاحب الكفاية في حديث الرفع إلا انه ربما يشكل الاستدلال به بمنع ظهوره في وضع ما لا يعلم من التكليف ضرورة ان المراد مما لا يعلم من التكليف ما بينه الشارع واختفى أو ما لم يبينه بالنقل ايكالًا الى حكم العقل لا ما لم يصدر عنه ولا يريد صدوره كما لا يبعد ارادته من الخبر ويتشبث بدعوى ظهوره في خصوص ما تعلقت عنايته تعالى بمنع اطلاع العباد عليه لعدم أمر رسله وسفراءه بتبليغه حيث انه ما حجب علمه لو كان احتجابه من دونه أي من دون منع الله تعالى سفراءه عن التبليغ لما صح اسناد الحجب اليه تعالى ومع وقوع الاسناد يكون ما نحن فيه خارجاً عن الحديث كما هو واضح.
ومنها قوله (ع): (كل شيء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه)، ودلالته ظاهرة حيث انه دل صريحاً على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقاً ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته وهذا وان كان اخص من المدعى الا انه بعدم الفعل قطعاً بين اباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه عند الشك في حرمته وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب مع امكان عموم الخبر للشبهة الوجوبية أيضاً بان يقال ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال. وفيه:
أولًا: ان ظاهر الرواية بلحاظ لفظ شيء هو الشك في حرمة فعله وعدمهما فلا تشمل التروك ويدل عليه ما فيه بعض طرق روايتها من قوله (ع): (حتى نعرف انه حرام بعينه فندعه) فان ارادة قول الترك خلاف الظاهر جداً فالرواية مسوقة لبيان الشك في الافعال من حيث الحرمة كما لا يخفى.
وثانياً: ان ظاهر الرواية أيضاً هو الحكم بالحلية فيما شك في حرمته التابعة للمفسدة فيه لا الناشئة عن ترك استيفاء المصلحة لتعليق الحرمة على الشيء نفسه وظاهر تعلق الحرمة بالاعيان ذلك وهو اوضح من ان يخفى.
وثالثاً: ان ظاهر الرواية في نفسها وبلحاظ نظائرها من قوله: (كل شيء) مطلق حتى يرد فيه نهي ان غاية الحلية معرفة انها حرام
بوصول النهي عنه الى المكلف وهذه الغاية لا تتحقق في الترك أبد الدهر لانه انما تعرف حرمته من دليل وجوب الفعل بحكم العقل لا من النهي عنه فيكون خارجاً عنها. لا يقال على هذا لا يشمل الخبر ما كان حراماً بالحرمة التبعية من الافعال كما إذا شك في حرمة فعل يكون مقدمة للحرام. لأنا نقول لا مانع من الالتزام بذلك إذا كان الخبر ظاهراً في غيره، نعم لا ينبغي الشك في مساواة كل ما كانت حرمته تبعية عقلية من فعل او ترك كانت حرمته شرعية أحليه لتنقيح المناط القطعي فعدم شمول الدليل بلفظه غير ضائر ويكون دليلًا على المطلوب في الشبهتين في احدهما بلفظه وفي الأخرى بتنقيح المناط.
ومنها قوله (ع): (الناس في سعة ما لا يعلمون) فهم في سعة ما لم يعلم بناءاً على ان ما موصوله مضاف اليها لفظ سعة أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته بناءاً على انها ظرفية ومن الواضح دلالتها على المطلوب ضرورة انه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعة أصلًا فيعارض به ما دل على وجوبه كما لا يخفى عليك بخلاف ما سبق من الادلة فانه على ظاهر صاحب الكفاية لا يعارض به لأن غاية مدلوله عدم المؤاخذة على التكليف قبل البيان وأدلة الاحتياط بيان فتكون واردة أو حاكمة على تلك الأدلة بذلك، وجزم شيخنا العلامة. وفيه ان ظاهر كل شيء لك حلال حتى تعلم انه حرام ورفع عن أمتي ما لا يعلمون بناءاً على ما سبق من ان المرفوع ايجاب
الاحتياط واعترف به صاحب الكفاية وشيخنا العلامة أيضاً معارض أما في الثاني فظاهر وأما في الأول فلظهور الرواية في ثبوت الحلية الى زمان الغاية فينا فيه كل ما يدل على رفعها وهذا واضح والعجب من شيخنا وصاحب الكفاية حيث حكما بعدم المعارضة، ومنه يعلم حال باقي الادلة بل حكمها بان المرفوع في حديث الرفع ايجاب الاحتياط مع حكمهما بعدم المعارضة متدافع متهافت نعم هذه الرواية اظهرها في المعارضة.
لا يقال قد وصل التكليف وعلم به بعد العلم بوجوب الاحتياط من الادلة الدالة عليه فانه يقال ان من الواضح ان دليل الاحتياط لم يعلم به الوجوب أو الحرمة بعد وروده وانما دل على ما ينافي كون المكلف في سعة ما لم يعلم التكليف فكيف يقع في ضيق الاحتياط من اجله نعم لا أشكال في عدم معارضة جميع أدلة البراءة لأدلة الاحتياط ولا في ورودها أو حكومتها عليها لو كان مفادها كون الاحتياط واجباً نفسياً ضرورة انه بنفسه تكليف من التكاليف تجري فيه ادلة البراءة في حال الشك ويعمل على طبق الوجوب في حال العلم وكان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه مما لا غائلة فيه لكنه لا ينبغي الريب في عدم وجوبه النفسي وفي عدم حكومته أو وروده على تقدير كونه نفسياً إلا بالنسبة الى نفسه كما عرفت من انه هو أيضاً تكليف من التكاليف قد يشك فيه وقد يعلم لا بالنسبة الى ما جهل من التكليف في مورده اذ لا ربط له بذلك نعم يكون له
الدخل وتقع المعارضة لا الحكومة بناءاً على ما عرفت من ان وجوبه كان طريقياً من أجل ان لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحياناً فالاحتياط انما وجب محافظة على التكليف المشكوك فيه لو كان له وجود في الواقع ومخالفته بعد العلم بوجوب الاحتياط توجب المؤاخذة عليه ولعمري انه في غاية الوضوح فافهم تغنم.
ومنها قوله (ع): (كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي) ودلالته واضحة لظهوره جداً في النهي الوأصل فان الورود غير الصدور ولا يناسب التعبير بأحدهما في مورد الآخر هذا مضافاً الى ظهور قوله مطلق في الترخيص الفعلي القاضي بارادة الوصول من الورود ومضافاً أيضاً الى متنها المروي بطريق آخر عن الشيخ في المجالس عن أبي عبد الله (ع) قال: (الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر أو نهي) فانه صريح في ارادة الوصول لعدم صدق الورود عليك بمجرد الصدور فالدلالة وان كانت تتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه وان صدر عن الشارع ووصل الى غير واحد من المكلفين إلا انك قد عرفت عدم الصدق بلحاظ مادة الورود فضلًا عن لحاظ صدره في الترخيص الفعلي الموجب لذلك وعن لحاظ متنها المتضمن لتعليق ظرف الخطاب به وهو لفظ عليك فما جزم به صاحب الكفاية من ان عدم الصدق ممنوع في غير محله جداً بل هو من مثله مع ما هو عليه من دقة النظر غريب! ومما ذكرنا تعلم انه لا حاجة الى ان يقال نعم صدق الورود
على مجرد الصدور وان سلم ولكن لا يجدي نفعاً في رفع الاستدلال ضرورة انه بضميمة اصالة العدم عند الشك الى الترخيص المستفاد من الصدر صح الاستدلال وتم المطلوب فانه مضافاً الى انه خروج عن الاستدلال بالخبر الى الاستدلال بالأصل فاسد جداً ضرورة انه إذا كان مجرد الورود يكفي في رفع الترخيص كان معنى ذلك بدلالة الاقتضاء ان احتماله كافٍ في رفعه وإلا لكان وصوله شرطاً وقد فرض عدمه عند الخصمين معاً فلا مورد للاكتفاء بمجرد الورود وإلا إذا كان مجرد احتماله كافياً كما لا يخفى على ذي النظر الدقيق هذا مع ان الأصل بنفسه كافٍ في الحكم بالاباحة إذا بنى على مغايرته لأصل البراءة ولا يحتاج الى ضمه الى الخبر ضرورة انه إذا كان الحكم في كل ما شك في صدور النهي عنه اصالة عدم الصدور فهو يكفي في الحكم بالاباحة اذ لا أثر له سواها وإلا لم يجرِ، وأما ما يقال في الجواب من انه وان تم الاستدلال به بضميمتها ويحكم باباحة مجهول الحرمة واطلاقه إلا انه لا بعنوان انه مجهول الحرمة شرعاً بل بعنوان انه مما لم يرد عنه النهي واقعاً لا يقال نعم ولكنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم من الحكم بالاباحة في مجهول الحرمة سواء أكان بهذا العنوان أم بذاك العنوان؟ فانه يقال نعم ذلك مسلم لو كان اختلاف العنوانين بمجرد اللفظ من دون ترتب ثمرة عليه لا ما إذا كان اختلافاً معنوياً حيث انه لو كان بذاك العنوان وهو عنوان عدم الورود واقعاً لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلًا ولا يكاد
يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان واباحته في آخر واشتبها من حيث التقدم والتأخر بخلاف ما لو كان بعنوان مجهول الحرمة فانه يعم هذه الصورة لصدق العنوان عليها قطعاً حتى يعلم فعلية النهي لا يقال هذا مسلم لولا ضميمة ثالثة وهي عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته؟ فانه يقال وان لم يكن بينها الفصل إلا انه انما يجدي عدم القول بالفصل فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل فيلحق به الباقي بعدم القول بالفصل لا فيما كان المثبت له هو الأصل كما في المقام حيث حكم بالاباحة ما شك في ورود النهي عنه واقعاً باصالة عدمه فلا يلحق به ما علم وروده في الجملة لمغايرته موضوعاً فافهم ففيه ما لا يخفى، فان صورة ورود النهي والاباحة مع جهل التاريخ لا تكون خارجة قطعاً ضرورة ان المراد من ورود النهي الذي جعل غاية ليس النهي الذي يحتمل نسخه أو المرتفعة علة تعلقه بل المراد هو النهي الذي لو علم به فعلًا لكان منجزاً ففي هذه الصورة انما يلحظ النهي الوارد بعد الاباحة لأن الوارد قبلها خارج موضوعاً عن الغاية فيجري فيه الأصل على حد غيره وتكون هذه الصورة من هذه الجهة كباقي الصور من غير تفاوت غاية الأمر ان الأصل مع احتمال سبق النهي على الاباحة معارض بمثله إلا ان ذلك لا يخرجه من حيث هو عن الدليل إذا أخذ بذاك العنوان فظهر ان جعل العنوان مجهول الحكم أو المشكوك ورود النهي فيه ليس إلا تفنن في العبارة ولا يترتب عليه ثمرة أصلًا. نعم إذا جعل الورود مجرد