بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 236

ومنها قوله (ع): (كل شي‌ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه)، ودلالته ظاهرة حيث انه دل صريحاً على حلية ما لم يعلم حرمته مطلقاً ولو كان من جهة عدم الدليل على حرمته وهذا وان كان اخص من المدعى الا انه بعدم الفعل قطعاً بين اباحته وعدم وجوب الاحتياط فيه عند الشك في حرمته وبين عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية يتم المطلوب مع امكان عموم الخبر للشبهة الوجوبية أيضاً بان يقال ترك ما احتمل وجوبه مما لم يعرف حرمته فهو حلال. وفيه:

أولًا: ان ظاهر الرواية بلحاظ لفظ شي‌ء هو الشك في حرمة فعله وعدمهما فلا تشمل التروك ويدل عليه ما فيه بعض طرق روايتها من قوله (ع): (حتى نعرف انه حرام بعينه فندعه) فان ارادة قول الترك خلاف الظاهر جداً فالرواية مسوقة لبيان الشك في الافعال من حيث الحرمة كما لا يخفى.

وثانياً: ان ظاهر الرواية أيضاً هو الحكم بالحلية فيما شك في حرمته التابعة للمفسدة فيه لا الناشئة عن ترك استيفاء المصلحة لتعليق الحرمة على الشي‌ء نفسه وظاهر تعلق الحرمة بالاعيان ذلك وهو اوضح من ان يخفى.

وثالثاً: ان ظاهر الرواية في نفسها وبلحاظ نظائرها من قوله: (كل شي‌ء) مطلق حتى يرد فيه نهي ان غاية الحلية معرفة انها حرام‌


صفحه 237

بوصول النهي عنه الى المكلف وهذه الغاية لا تتحقق في الترك أبد الدهر لانه انما تعرف حرمته من دليل وجوب الفعل بحكم العقل لا من النهي عنه فيكون خارجاً عنها. لا يقال على هذا لا يشمل الخبر ما كان حراماً بالحرمة التبعية من الافعال كما إذا شك في حرمة فعل يكون مقدمة للحرام. لأنا نقول لا مانع من الالتزام بذلك إذا كان الخبر ظاهراً في غيره، نعم لا ينبغي الشك في مساواة كل ما كانت حرمته تبعية عقلية من فعل او ترك كانت حرمته شرعية أحليه لتنقيح المناط القطعي فعدم شمول الدليل بلفظه غير ضائر ويكون دليلًا على المطلوب في الشبهتين في احدهما بلفظه وفي الأخرى بتنقيح المناط.

ومنها قوله (ع): (الناس في سعة ما لا يعلمون) فهم في سعة ما لم يعلم بناءاً على ان ما موصوله مضاف اليها لفظ سعة أو ما دام لم يعلم وجوبه أو حرمته بناءاً على انها ظرفية ومن الواضح دلالتها على المطلوب ضرورة انه لو كان الاحتياط واجباً لما كانوا في سعة أصلًا فيعارض به ما دل على وجوبه كما لا يخفى عليك بخلاف ما سبق من الادلة فانه على ظاهر صاحب الكفاية لا يعارض به لأن غاية مدلوله عدم المؤاخذة على التكليف قبل البيان وأدلة الاحتياط بيان فتكون واردة أو حاكمة على تلك الأدلة بذلك، وجزم شيخنا العلامة. وفيه ان ظاهر كل شي‌ء لك حلال حتى تعلم انه حرام ورفع عن أمتي ما لا يعلمون بناءاً على ما سبق من ان المرفوع ايجاب‌


صفحه 238

الاحتياط واعترف به صاحب الكفاية وشيخنا العلامة أيضاً معارض أما في الثاني فظاهر وأما في الأول فلظهور الرواية في ثبوت الحلية الى زمان الغاية فينا فيه كل ما يدل على رفعها وهذا واضح والعجب من شيخنا وصاحب الكفاية حيث حكما بعدم المعارضة، ومنه يعلم حال باقي الادلة بل حكمها بان المرفوع في حديث الرفع ايجاب الاحتياط مع حكمهما بعدم المعارضة متدافع متهافت نعم هذه الرواية اظهرها في المعارضة.

لا يقال قد وصل التكليف وعلم به بعد العلم بوجوب الاحتياط من الادلة الدالة عليه فانه يقال ان من الواضح ان دليل الاحتياط لم يعلم به الوجوب أو الحرمة بعد وروده وانما دل على ما ينافي كون المكلف في سعة ما لم يعلم التكليف فكيف يقع في ضيق الاحتياط من اجله نعم لا أشكال في عدم معارضة جميع أدلة البراءة لأدلة الاحتياط ولا في ورودها أو حكومتها عليها لو كان مفادها كون الاحتياط واجباً نفسياً ضرورة انه بنفسه تكليف من التكاليف تجري فيه ادلة البراءة في حال الشك ويعمل على طبق الوجوب في حال العلم وكان وقوعهم في ضيقه بعد العلم بوجوبه مما لا غائلة فيه لكنه لا ينبغي الريب في عدم وجوبه النفسي وفي عدم حكومته أو وروده على تقدير كونه نفسياً إلا بالنسبة الى نفسه كما عرفت من انه هو أيضاً تكليف من التكاليف قد يشك فيه وقد يعلم لا بالنسبة الى ما جهل من التكليف في مورده اذ لا ربط له بذلك نعم يكون له‌


صفحه 239

الدخل وتقع المعارضة لا الحكومة بناءاً على ما عرفت من ان وجوبه كان طريقياً من أجل ان لا يقعوا في مخالفة الواجب أو الحرام أحياناً فالاحتياط انما وجب محافظة على التكليف المشكوك فيه لو كان له وجود في الواقع ومخالفته بعد العلم بوجوب الاحتياط توجب المؤاخذة عليه ولعمري انه في غاية الوضوح فافهم تغنم.

ومنها قوله (ع): (كل شي‌ء مطلق حتى يرد فيه نهي) ودلالته واضحة لظهوره جداً في النهي الوأصل فان الورود غير الصدور ولا يناسب التعبير بأحدهما في مورد الآخر هذا مضافاً الى ظهور قوله مطلق في الترخيص الفعلي القاضي بارادة الوصول من الورود ومضافاً أيضاً الى متنها المروي بطريق آخر عن الشيخ في المجالس عن أبي عبد الله (ع) قال: (الأشياء مطلقة ما لم يرد عليك أمر أو نهي) فانه صريح في ارادة الوصول لعدم صدق الورود عليك بمجرد الصدور فالدلالة وان كانت تتوقف على عدم صدق الورود إلا بعد العلم أو ما بحكمه بالنهي عنه وان صدر عن الشارع ووصل الى غير واحد من المكلفين إلا انك قد عرفت عدم الصدق بلحاظ مادة الورود فضلًا عن لحاظ صدره في الترخيص الفعلي الموجب لذلك وعن لحاظ متنها المتضمن لتعليق ظرف الخطاب به وهو لفظ عليك فما جزم به صاحب الكفاية من ان عدم الصدق ممنوع في غير محله جداً بل هو من مثله مع ما هو عليه من دقة النظر غريب! ومما ذكرنا تعلم انه لا حاجة الى ان يقال نعم صدق الورود


صفحه 240

على مجرد الصدور وان سلم ولكن لا يجدي نفعاً في رفع الاستدلال ضرورة انه بضميمة اصالة العدم عند الشك الى الترخيص المستفاد من الصدر صح الاستدلال وتم المطلوب فانه مضافاً الى انه خروج عن الاستدلال بالخبر الى الاستدلال بالأصل فاسد جداً ضرورة انه إذا كان مجرد الورود يكفي في رفع الترخيص كان معنى ذلك بدلالة الاقتضاء ان احتماله كافٍ في رفعه وإلا لكان وصوله شرطاً وقد فرض عدمه عند الخصمين معاً فلا مورد للاكتفاء بمجرد الورود وإلا إذا كان مجرد احتماله كافياً كما لا يخفى على ذي النظر الدقيق هذا مع ان الأصل بنفسه كافٍ في الحكم بالاباحة إذا بنى على مغايرته لأصل البراءة ولا يحتاج الى ضمه الى الخبر ضرورة انه إذا كان الحكم في كل ما شك في صدور النهي عنه اصالة عدم الصدور فهو يكفي في الحكم بالاباحة اذ لا أثر له سواها وإلا لم يجرِ، وأما ما يقال في الجواب من انه وان تم الاستدلال به بضميمتها ويحكم باباحة مجهول الحرمة واطلاقه إلا انه لا بعنوان انه مجهول الحرمة شرعاً بل بعنوان انه مما لم يرد عنه النهي واقعاً لا يقال نعم ولكنه لا يتفاوت الحال فيما هو المهم من الحكم بالاباحة في مجهول الحرمة سواء أكان بهذا العنوان أم بذاك العنوان؟ فانه يقال نعم ذلك مسلم لو كان اختلاف العنوانين بمجرد اللفظ من دون ترتب ثمرة عليه لا ما إذا كان اختلافاً معنوياً حيث انه لو كان بذاك العنوان وهو عنوان عدم الورود واقعاً لاختص بما لم يعلم ورود النهي عنه أصلًا ولا يكاد


صفحه 241

يعم ما إذا ورد النهي عنه في زمان واباحته في آخر واشتبها من حيث التقدم والتأخر بخلاف ما لو كان بعنوان مجهول الحرمة فانه يعم هذه الصورة لصدق العنوان عليها قطعاً حتى يعلم فعلية النهي لا يقال هذا مسلم لولا ضميمة ثالثة وهي عدم الفصل بين أفراد ما اشتبهت حرمته؟ فانه يقال وان لم يكن بينها الفصل إلا انه انما يجدي عدم القول بالفصل فيما كان المثبت للحكم بالاباحة في بعضها الدليل فيلحق به الباقي بعدم القول بالفصل لا فيما كان المثبت له هو الأصل كما في المقام حيث حكم بالاباحة ما شك في ورود النهي عنه واقعاً باصالة عدمه فلا يلحق به ما علم وروده في الجملة لمغايرته موضوعاً فافهم ففيه ما لا يخفى، فان صورة ورود النهي والاباحة مع جهل التاريخ لا تكون خارجة قطعاً ضرورة ان المراد من ورود النهي الذي جعل غاية ليس النهي الذي يحتمل نسخه أو المرتفعة علة تعلقه بل المراد هو النهي الذي لو علم به فعلًا لكان منجزاً ففي هذه الصورة انما يلحظ النهي الوارد بعد الاباحة لأن الوارد قبلها خارج موضوعاً عن الغاية فيجري فيه الأصل على حد غيره وتكون هذه الصورة من هذه الجهة كباقي الصور من غير تفاوت غاية الأمر ان الأصل مع احتمال سبق النهي على الاباحة معارض بمثله إلا ان ذلك لا يخرجه من حيث هو عن الدليل إذا أخذ بذاك العنوان فظهر ان جعل العنوان مجهول الحكم أو المشكوك ورود النهي فيه ليس إلا تفنن في العبارة ولا يترتب عليه ثمرة أصلًا. نعم إذا جعل الورود مجرد


صفحه 242

الصدور كان جعله غاية للترخيص الفعلي دالًا بدلالة الاقتضاء على كفاية احتمال وروده مانعاً لما عرفت من عدم تعقل مورد واحد لجعله غاية بمجرد صدوره بعدما عرفت من ان المراد منه ما كان بحيث لو علم لتنجز وهذا عام لجميع الصور وحاصل المقام انه مع جعل الورود مجرد الصدور فأما ان نجري أصالة العدم عند الشك فتسقط الثمرة ويكون الدليل هو الأصل وهو كما ترى، وأما ان يكتفي بمجرد احتمال الورود في المنع من الترخيص وهو اقبح فساداً من الأول فتدبر ولا تكن من الغافلين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين.

وأما الاجماع فقد نقل على البراءة إلا انه موهون وإن قيل باعتبار الاجماع المنقول في الجملة ضرورة ان اعتباره انما هو لكشفه عن رأي المعصوم وتحققه في المقام كذلك محل النظر فان تحصيله على وجه الكاشفية في مثل هذه المسألة مما للعقل فيه سبيل، ومن واضح النقل عليه دليل بعيد جداً لقرب احتمال استناد القائلين الى حكم العقل أو الموجود من أدلة النقل مما لا نراه دليلًا بعد اطلاعنا عليه فلا يكشف اتفاقهم في مثله عن رأيه أبداً.

وأما العقل فانه قد استقل بقبح العقوبة والمؤاخذة على مخالفة التكليف المجهول بعد الفحص واليأس عن الظفر بما كان حجة عليه ضرورة ان العقاب عقلًا والوعيد به نقلًا انما هو على معصية العبد وتجريه على مولاه وليس مطلق المخالفة معصية بل المعصية مخالفة


صفحه 243

التكليف المعلوم عن عمد فلا عقاب ولا مؤاخذة إلا على هذه المخالفة المتوقف تحققها على وجود الحجة ووصولها الى المكلف ووقوعها عن عمد فانهما من دونها أي من دون الحجة عقاب بلا بيان ومؤاخذة بلا برهان ومن دون وقوعها عن عمد عقاب بلا عصيان ومؤاخذة بلا تجرِّ ولا طغيان وكل ذلك خلاف العدل تعالى عنه الاعز الاجل وهما قبيحان بشهادة الوجدان فكيف من مثله يصدران؟! ولا يخفى عليك انه مع استقلاله بذلك يزول موضوع قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل ان أريد به ضرر العقوبة على مخالفته ضرورة انه لا احتمال لضرر العقوبة حينئذ في مخالفته فلا يكون مجال هنا لقاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل كي يتوهم انها تكون بياناً للتكليف فتكون العقوبة بعد قيام الحجة اذ لا يراد من الحجة والبيان إلا ما كان مصححاً للعقاب ورافعاً لقبحه ولو بمحض الاحتمال كما هو كذلك في الشبهة الحكمية قبل الفحص أو بعده قبل اليائس وبالجملة فلا موضوع للقاعدة المذكورة كما انه مع التنزيل عن ذلك وتسليم احتماله لا حاجة في ثبوت استحقاق العقاب الى القاعدة بل في صورة المصادفة للواقع لو أقدم مع هذا الاحتمال استحق العبد العقوبة على المخالفة، ولو قيل بعدم وجوب دفع الضرر المحتمل فان من احتمل ان في طريقه بئراً يقع فيها بسلوكه فانه يقع لو صادف احتماله الواقع عند السلوك ولا يتوقف وقوعه على حكم العقل بوجوب الدفع بل يقع وان حكم بعدم وجوبه‌