الهلكة العقاب، بيان ذلك ان الخبر المعلل للأمر بالوقوف بان من رتع حول الحمى او شك ان يقع فيه ظاهره ان ملاك الأمر بالتوقف ان المعني في كل شبهه على ارتكاب المشتبه ربما يؤدي الى ارتكاب معلوم الحرمة لقهر العادات لاصحابها ويكون المراد من تعليل الأمر بالوقوف بكونه خيراً من الاقتحام في الهلكة كونه خيراً من ارتكاب المشتبه دائما المودي اتفاقاً الى الاقتحام في الهلكة المعلومة وهذا نعم الملاك لاستحباب التوقف كما ان ملاك الحكم بالكراهة في لسان الشارع ذلك كما لا يخفى على من لاحظ الآثار الواردة في ذلك وإذا لوحظت أخبار الباب بأسرها وجمع بينها ولوحظ كل مع الآخر ازداد هذا المعنى ظهورا وهذا الوجه قوة لان كلام أهل الذكر (ع) يفسر بعضه بعضا فتسقط الدلالة على مطلوب المستدل بها بالمرة كما لا يخفى.
وأما العقل فلاستقلاله بلزوم فعل ما احتمل وجوبه وترك ما احتمل حرمته لا لمحض الاحتمال فان عدم اقتضاء الاحتمال لذلك من بديهيات العقل بل لان الاحتمال إذا كان طرفا في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي كان العقاب على مخالفته حسنا لوجود البيان ومن ذلك ما نحن فيه حيث علم بوجود واجبات ومحرمات كثيرة فيما اشتبه وجوبه أو حرمته مما لم يكن هناك حجة على حكمه ولما كان هذا العلم منجزاً لوجود شرائط التنجيز فيه وقد اشتغلت به الذمة لزم بحكم العقل الاجتناب وعدم الارتكاب مطلقاً تفريغاً
للذمة بعد اشتغالها ولاخلاف في لزوم الاحتياط في اطراف العلم الاجمالي الامن بعض الاصحاب والجواب ان العقل وان استقل بذلك إلا انه لا يجري الا إذا إجتمعت شرائط تأثير العلم الاجمالي التي منها ان لا يكون التكليف في أحد الاطراف منجزاً قبل العلم الاجمالي ولم ينحل بسببه العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي كما لو وقعت النجاسة في أحد إناءين احدهما معلوم النجاسة والمقام من هذا القبيل فانه قد انحل العلم الاجمالي ههنا فانه كما علم بوجود تكاليف إجمالًا كذلك علم إجمالا بوجود طرق الى تلك التكاليف واصول معتبرة تقوم مقامها عند فقدها وتلك الطرق والاصول مثبته لتكاليف بمقدار تلك التكاليف المعلومة أو أزيد وحينئذ لا علم بتكاليف أخر غير التكاليف الفعلية المتحققة في موارد المثبتة من الطرق والاصول العملية فيعمل في المعلوم تفصيلًا بما يقضيه العلم التفصيلي وفي المشكوك بما يقتضيه الشك البدوي فسقط العلم الاجمالي الموجب لما ذكر. ان قلت نعم قيام الطرق والاصول على ما في مواردها من التكاليف موجب للانحلال لكنه انما يوجبه إذا لم يكن العلم بها مسبوقاً بالعلم بالواجبات ضرورة انه مع سبق العلم بالواجبات وتنجز التكليف باجتناب الأطراف فاحتمال ان تكون التكاليف المتحققة في موارد الطرق والأصول هي المعلومة بالأجمال لا يرفع يقين التكليف السابق نظير اراقة أحد الإناءين بعد العلم الاجمالي بنجاسة احدهما؟ قلت: ما ذكرته في أثر السبق مسلم إلا
انه انما يضر السبق إذا كان المعلوم اللاحق حادثاً غير معلوم الانطباق على المعلوم السابق نظير ما لو حدث الاضطرار الى أحد الإناءين بعد العلم وأما إذا لم يكن كذلك بل كان مما ينطبق عليه ما علم أولًا فلا محالة قد انحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي نظير ما لو انكشف بعد العلم الاجمالي بنجاسة أحد الإناءين حصول الاضطرار الى احدهما قبل العلم فانه موجب للانحلال قطعاً ان قلت ان من الواضح المعلوم ان الانحلال فرع انطباق مؤديات الطرق على المعلوم بالاجمال وانما يوجب العلم بالحكم الثابت بقيام الطرق والاصول المثبتة له على نحو يكون ما ثبت به من الاحكام بمقدار المعلوم بالاجمال تحقق انحلال ذلك العلم الاجمالي إذا كان قضية قيام الطريق على تكليف موجباً لثبوته فعلًا اصاب او أخطأ فيوازن ما ثبت به مع ما علم اجمالًا وأما بناء على ان قضية نصب الطريق وحجيته واعتباره شرعا ليس الا جعل حكم وضعي وهو محض الحجية والطريقية تنزيلًا للطريق الشرعي الناقص الطريقية في نفسه منزلة الطريق العقلي التام الطريقية في نفسه المستوجب ذلك الجعل لزوم ترتيب ما للطريق المعتبر عقلا من الأثر المترتب عليه وهو تنجز ما اصابه والعذر للمكلف عما أخطأ عنه فلا انحلال لما علم بالاجمال أولًا قطعاً لعدم العلم حينئذ بثبوت تكليف واحد بقيام الطرق مع احتمال خطأها كما لا يخفى؟ قلت قد اجاب صاحب الكفاية عن ذلك قائلا ان قضية الاعتبار والجعل شرعاً على اختلاف
ألسنة ادلته واتحاد المراد بها وان كان هو ذلك لقضاء قوله (ع): (فانهم حجتي عليكم) وما أشبهه به على ماقويناه في البحث وتقدم تحققه في حجية الظن إلا ان نهوض الحجة المجعولة على ما ينطبق عليه المعلوم بالاجمال في بعض الاطراف يكون عقلًا بحكم الانحلال وان لم يكن انحلالًا حقيقياً لا لبقاء العلم الاجمالي بل لعدم معلوم آخر يكون بمقدار المعلوم الأول وينطبق عليه ولابد حينئذ من صرف تنجزه الى ما إذا كان في ذاك الطرف وصرف العذر عما إذا كان في سائر الاطراف. توضيح ذلك انا لما علمنا اجمالًا بوجود واجبات ومحرمات كثيرة وكان مورد شك في وجوبه أو حرمته طرفا لهذا العلم فمع قطع النظر عن شيء آخر يجب الاحتياط عقلًا في كل مورد مشكوك من تلك الموارد فلو علمنا تفصيلًا وجوب مقدار وحرمة مقدار من تلك الموارد المشكوكة ثابتين من أول الأمر قبل حدوث العلم فلا ريب في انحلال ذلك العلم الى علم تفصيلي وشك بدوي أما لو قامت الحجة على ثبوت ذلك المقدار وكانت منجزة في صورة الاصابة وعذراً في صورة الخطأ كان المقدار الثابت بقيام الحجة المطابق للمعلوم الاجمالي موجباً لعدم المحذور في جريان البراءة في غير تلك الموارد لأن العلم الاجمالي وان لم ينحل حقيقة إلا أنه قد انحل حكماً لما عرفت من ان معنى الجعل ترتيب ما للطريق المعتبر على الطريق المجعول وقد كان من آثار الطريق المعتبر إنحلال ذلك العلم فيرتب هذا الاثر حكماً على ما قام مقامه ويقضي ذلك
بصرف موارد التنجز الى المقدار المعلوم بالاجمال وموارد العذر الى غيرها مثلًا إذا علم اجمالًا بحرمة اناء زيد بين الإناءين وقامت البينة على ان هذا الاناء المعين اناءه فلا ينبغي الشك في عدم تأثير العلم الاجمالي وجوب اجتناب الطرفين معاً وانه يكون حكماً كما لو علم انه اناءه في عدم وجوب الاجتناب إلا عن خصوصه دون الآخر مع ان العلم لم ينحل حقيقة إلا إذا علم أناء زيد أو علم حرمة اناء خاص قبل العلم وما نحن فيه من هذا القبيل فإنا قد علمنا بواجبات ومحرمات اجمالًا فيجب مراعاة ذلك في كل مورد مشكوك الوجوب أو الحرمة ثم قام الطريق على ان فعل كذا واجب وفعل كذا حرام فلا ينبغي الشك في اجراء حكم العلم عليه وان لم ينحل العلم حقيقة فإذا كانت الموارد المشكوكة الفاً وكان مقدار المعلوم الاجمالي مائة وقام الطريق على وجوب مقدار وحرمة آخر يساويان مثلًا تلك الموارد المشكوكة وهي الألف صرف موارد تنجز التكليف بقيام الحجة الى ذلك المقدار المعلوم وموارد العذر الى غيره من سائر الاطراف فكما لو علم ذلك المقدار لا يبقى محذور في اجراء البراءة في غيره، كذلك ما قام عليه الطريق وقد صار المطلب في غاية الوضوح والأولى ان يقال ان العلم الاجمالي انما يؤثر إذا لم يكن في أحد أطرافه تكليف سابق عليه ولو من جهة أخرى كما إذا وقعت نجاسة في أحد إناءين يعلم بغصبيته احدهما الخاص فان هذا العلم بالنسبة الى الطهارة من ذلك الإناء لا يؤثر لأن المغصوب واجب
الاجتناب قبل العلم فلو كانت النجاسة قد وقعت فيه لم تحدث حرمة جديدة قطعاً لاجتماع الامثال وان الشيء إذا حرم من جهة حرم من سائر الجهات ففي المقام لما قامت الحجة على وجوب شيء وحرمة آخر من أول الأمر وقبل العلم كان العلم الاجمالي بوجود التكاليف بين اطراف كانت موارد قيام الحجة فيها بمقدار المعلوم بالاجمال فلا تأثير لذلك العلم قطعاً لوجوب إتيان ما قامت الحجة على وجوبه وترك ما قامت على حرمته قبل العلم سواء كان هذا الحكم واقعياً نجزه الطريق بالاصابة أم صورياً لخطأ الطريق الواقع ضرورة ان ذلك لا يرفع وجوب الإتيان وحرمة الفعل فعلًا في مرحلة الظاهر وذلك كافٍ في دفع أثر العلم قطعاً وبالجملة فوجود تكليف سابق على العلم في أحد اطرافه مانع من تأثيره واقعياً أو ظاهرياً حقيقياً أو صورياً متحداً بحسب الجهة أو مختلفاً لوحدة المناط في الجميع ولولا ذلك لما كان يجدي نفعاً في انحلال العلم ورفع تأثيره القول بان قضية اعتبار الامارات هو كون المؤديات احكاماً شرعية حقيقية فعلية ضرورة ان ذلك انما ينفع إذا كانت قبل العلم ومن المعلوم انها انما تكون كذلك بسبب حادث وهي كونها موديان لامارات شرعية ولا يعقل تحقق مسبب قديم بسبب حادث فلا تزيل أثر العلم. نعم لما كان المناط على ما ذكرنا تحقق تكليف قبل العلم كان قيامها كافياً لأنها تعطي وجوب الإتيان وحرمة الترك قبل العلم وان كان قيامها حادثاً. هذا كله إذا لم يعلم بثبوت التكاليف الواقعية
في موارد الطرق المثبتة لمقدار يكون بمقدار المعلوم بالاجمال وان علم انها انما نصبت طرقاً الى التكاليف الواقعية اذ لا يوجب ذلك العلم باصابتها ولو اجمالًا وإلا فلو علم ثبوت التكاليف الواقعية في مواردها بالمقدار المعلوم اجمالًا وان لم تتميز موارد الاصابة من غيرها فالانحلال الى العلم بما في الموارد وانحصار اطرافه بموارد تلك الطرق محقق بلا اشكال كما لا يخفى.
هذا وربما استدل للاحتياط من طريق العقل بنحو آخر وهو الاستدلال بما قيل من استقلال العقل بالحظر والحرمة في الافعال غير الضرورية التي اباحتها الضرورة وذلك قبل الشرع حيث يثبت الاباحة ولو لم يستقل بذلك لا أقل من الوقف وعدم استقلاله بكل من الطرفين لابه أي بالحظر ولا بالاباحة فالحرمة قد ثبتت بيقين ولم يثبت شرعاً اباحة ما اشتبه حرمته فان ما دل على الاباحة مما تقدم معارض بما دل على وجوب التوقف والاحتياط فيتساقطان وتبقى الحرمة بلا مزاحم. وفيه عند صاحب الكفاية (قدس سره) نظر من وجوه:
أما أولًا: فهو انه لا وجه للاستدلال بدعوى استقلال العقل بالحكم بما هو محل الخلاف والاشكال وإلا لصح النقض على هذا المستدل والاستدلال على البراءة بما قيل من استقلال العقل بالطرف الآخر وهو كون تلك لافعال على الاباحة حتى يثبت الحظر.
وأما ثانياً: فلما عرفت من انه تثبت الاباحة شرعاً المخرجة له
عن الحظر لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها.
وأما ثالثاً: فبالفرق بين المسألتين وانه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة القول بالوقف هنا ولا للقول بالاحتياط في هذه المسألة ملازمة للقول بالوقف هناك ضرورة ان ملاك تلك المسألة هو جواز الاقدام على ما لا تؤمن فيه المفسدة وعدم جوازه مع قطع النظر عن حكم الشرع ولذا قيد عنوانها بما قبل الشرع. نعم ورود الاباحة من الشارع رافع لحكم العقل لارتفاع موضوعه بها والملاك في هذه المسألة قبح العقاب بلا بيان فلا مانع من الجمع بين القول باقتضاء تلك القاعدة للوقف قبل الشرع واقتضاء هذه القاعدة للاباحة بعده ولذا ان السيد أبا المكارم مع جزمه بتلك القاعدة هناك جزم بالاباحة هنا تعويلًا على قاعدة اللطف وانه لو كان هناك مفسدة لوجب على الحكيم بيانها فصح نفي الملازمة بين القولين لاحتمال ان يقال بالوقف ويحكم معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأما ما قيل من ان الاقدام على ما لا يومن المفسدة فيه كالاقدام على ما تعلم فيه المفسدة فهو ممنوع ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل لعدم احراز العقل موضوع وجوب الدفع فان المفسدة المحتملة في المشتبه ليس مثلها بضرر غالباً لما عرفت سابقاً من ضرورة ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام ليست براجعة الى المنافع والمضار بل ربما انعكس الأمر ويكون تمام المصلحة فيما فيه الضرر مالياً كان