في موارد الطرق المثبتة لمقدار يكون بمقدار المعلوم بالاجمال وان علم انها انما نصبت طرقاً الى التكاليف الواقعية اذ لا يوجب ذلك العلم باصابتها ولو اجمالًا وإلا فلو علم ثبوت التكاليف الواقعية في مواردها بالمقدار المعلوم اجمالًا وان لم تتميز موارد الاصابة من غيرها فالانحلال الى العلم بما في الموارد وانحصار اطرافه بموارد تلك الطرق محقق بلا اشكال كما لا يخفى.
هذا وربما استدل للاحتياط من طريق العقل بنحو آخر وهو الاستدلال بما قيل من استقلال العقل بالحظر والحرمة في الافعال غير الضرورية التي اباحتها الضرورة وذلك قبل الشرع حيث يثبت الاباحة ولو لم يستقل بذلك لا أقل من الوقف وعدم استقلاله بكل من الطرفين لابه أي بالحظر ولا بالاباحة فالحرمة قد ثبتت بيقين ولم يثبت شرعاً اباحة ما اشتبه حرمته فان ما دل على الاباحة مما تقدم معارض بما دل على وجوب التوقف والاحتياط فيتساقطان وتبقى الحرمة بلا مزاحم. وفيه عند صاحب الكفاية (قدس سره) نظر من وجوه:
أما أولًا: فهو انه لا وجه للاستدلال بدعوى استقلال العقل بالحكم بما هو محل الخلاف والاشكال وإلا لصح النقض على هذا المستدل والاستدلال على البراءة بما قيل من استقلال العقل بالطرف الآخر وهو كون تلك لافعال على الاباحة حتى يثبت الحظر.
وأما ثانياً: فلما عرفت من انه تثبت الاباحة شرعاً المخرجة له
عن الحظر لما عرفت من عدم صلاحية ما دل على التوقف أو الاحتياط للمعارضة لما دل عليها.
وأما ثالثاً: فبالفرق بين المسألتين وانه لا يستلزم القول بالوقف في تلك المسألة القول بالوقف هنا ولا للقول بالاحتياط في هذه المسألة ملازمة للقول بالوقف هناك ضرورة ان ملاك تلك المسألة هو جواز الاقدام على ما لا تؤمن فيه المفسدة وعدم جوازه مع قطع النظر عن حكم الشرع ولذا قيد عنوانها بما قبل الشرع. نعم ورود الاباحة من الشارع رافع لحكم العقل لارتفاع موضوعه بها والملاك في هذه المسألة قبح العقاب بلا بيان فلا مانع من الجمع بين القول باقتضاء تلك القاعدة للوقف قبل الشرع واقتضاء هذه القاعدة للاباحة بعده ولذا ان السيد أبا المكارم مع جزمه بتلك القاعدة هناك جزم بالاباحة هنا تعويلًا على قاعدة اللطف وانه لو كان هناك مفسدة لوجب على الحكيم بيانها فصح نفي الملازمة بين القولين لاحتمال ان يقال بالوقف ويحكم معه بالبراءة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأما ما قيل من ان الاقدام على ما لا يومن المفسدة فيه كالاقدام على ما تعلم فيه المفسدة فهو ممنوع ولو قيل بوجوب دفع الضرر المحتمل لعدم احراز العقل موضوع وجوب الدفع فان المفسدة المحتملة في المشتبه ليس مثلها بضرر غالباً لما عرفت سابقاً من ضرورة ان المصالح والمفاسد التي تكون مناطات الاحكام ليست براجعة الى المنافع والمضار بل ربما انعكس الأمر ويكون تمام المصلحة فيما فيه الضرر مالياً كان
كدفع الحقوق أو بدنيا كالجهاد مثلًا وتمام المفسدة فيما فيه النفع كأكل مال اليتيم ووطأ المعشوقة وما أشبه ذلك واحتمال ان يكون في المشتبه ضرر وان امكن إلا انه ضعيف غالباً لا يعتنى به عند العقلاء قطعاً مع ان الضرر ليس دائماً مما يجب التحرز عنه عقلًا بل قد يجب ارتكابه احياناً فيما كان المترتب عليه أهم في نظره مما في الاحتراز عن ضرره هذا مع القطع به فضلًا عن احتماله هذا غاية ما أفاده المصنف في الجواب عن الوجه الثاني في تقرير دليل العقل وفي كلامه (قدس سره) مواقع للتأمل:
الأول: ما ذكره من انه لو جاز الاستدلال بما ذهبوا اليه اصالة الحظر على الاحتياط هنا لجاز الاستدلال بما ذهبوا اليه من أصالة الاباحة على البراءة هنا وفيه انه قياس مع الفارق فان القول بالاباحة لعدم حكم العقل بالاحجام عما تخاف مفسدته لا ربط له بالحكم بالبراءة عما تخشى عقوبته ضرورة ان أكثر المحرمات لو لم يكن كلها مما لم يتضح للعقل جهات المفسدة فيها ولذا احتاج في الحكم بالبراءة الى قاعدة قبح العقاب بلا بيان بخلاف القول بالحظر لحكم العقل بعدم جواز الاقدام على ما لا تؤمن مفسدته فانه بنفسه مع قطع النظر عن غيره كافٍ في الحكم بالاحتياط من غير حاجة الى ملاك آخر كما لا يخفى.
الثاني: ما ذكره من عدم استلزام القول بالوقف في تلك المسألة للقول بالاحتياط في هذه المسألة فإن أراد امكان ان يقال بالوقف
وبالبراءة معاً كما هو صريح كلامه ففيه ما لا يخفى عليك ضرورة ان حكم العقل بلزوم الاحجام عن محتملها هو يكون بياناً ولذا اعترف (قدس سره) سابقاً في دليل العقل بذلك حيث استدل الخصم باحتمال الضرر. وأجاب هو أولًا بعدم وجوب دفع الضرر الدنيوي وثانياً بأنه لا احتمال للضرر وانما المحتمل هو المفسدة ولا نسلم استقلال العقل بلزوم دفع محتملها فان ظاهره لو لم يكن صريحه تسليم تمامية مطلب المستدل لو سلم استقلال العقل بدفعها فبين كلاميه تدافع واضح. وان أراد امكان القول بعدم جواز الاقدام على محتمل المفسدة من حيث هو مع القول بالبراءة كما اجتمع ذلك مع القول بالاباحة لقاعدة اللطف على ما جزم به السيد أبو المكارم فهذا ليس جمعاً بين القولين ولا بين الملاكين ولا رافعاً للملازمة ضرورة انه مع النظر الى قاعدة اللطف القاضية بالاباحة فلا قول بالوقف لعدم ملاكه ومع القول بالوقف بلحاظ ملاكه فلا قول بالبراءة لأنه بيان مزيل لملاكها ولا بالاباحية فمنافاته للحكم بالوقف وانما مراد السيد أبي المكارم ان احتمال المفسدة يجب دفعه لولا ورود قاعدة اللطف عليه فليس معنى جزمه بهما قوله بتحققهما فعلًا. ولعمري انه أوضح من ان يخفى. وكأن صاحب الكفاية (قدس سره) اخذ ذلك من شيخنا العلامة حيث قال بعد نقل استدلال الشيخ في العدة على أصالة الحظر بان الاقدام على الخ ما هذا نصه وجزم بهذه القضية السيد أبو المكارم في الغنية وان قال بالاباحة كالسيد المرتضى تعويلًا على قاعدة اللطف وهي انه لو كان في الفعل مفسدة لوجب على الحكيم بيانها- انتهى.
وانت خبير بان معنى ذلك امكان الجزم بقاعدة الاقدام على محتمل المفسدة من حيث انه محتمل المفسدة مع الجزم بارتفاع موضوع حكم العقل بالنظر الى قاعدة اللطف لا ان المعنى جواز القول فعلًا بالوقف والاباحة.
الثالث: ما ذكره من ان المفسدة لا يجب دفع المقطوع منها فضلًا عن المحتمل لعدم كونها من سنخ الضرر لو قلنا بوجوب دفعه. وفيه ما عرفته سابقاً من انها من سنخه أولًا وان الحكم بجواز ارتكاب ما اشتمل عليها مساوق لمنع حكم العقل بالملازمة بين ما حكم به الشرع وما حكم به العقل من الجانب الذي اتفقوا بأجمعهم على الملازمة فيه ثانياً.
الرابع: ما ذكره من انه قد يجب ارتكاب الضرر لمقطوع إذا عارضه ما هو أهم. وفيه انه لا دخل له بالمقام اذ المقصود ان الضرر المحتمل بما هو ضرر محتمل والمقطوع بما هو كذلك يجب عقلًا دفعه، وهذه قضية صادقة في نفسها وان كانت في مورد يكون الاقدام المضر لهذا الشخص مما ينفع في استقامة نظام الدين زائلة المحمول لزوال الموضوع حكماً أو لعدم دخول مثله في موضوع حكمه كما لا يخفى. بقى في المسألة أمور مهمة لا بأس بالاشارة اليها بل لابد من التنبيه عليها:
الأول: لا يخفى عليك انه كما ان أصالة البراءة متأخرة مرتبة عن الأدلة الاجتهادية فلا تجري مع وجودها مخالفة أو موافقة كذلك
هي متأخرة مرتبة عن الأصول الحكمية والموضوعية كالاستصحاب واصالة العدم بناء على إنه أصل بنفسه فعلى ذلك فهي غير جارية على نحو الاطلاق من حيث الموارد المشكوكة الحكم وانما تجري أصالة البراءة شرعاً بالنظر الى ما تضمنه دليل النقل وعقلًا بالنسبة الى ما احرزه دليل العقل فيما لم يكن هناك أصل موضوعي مطلقاً ولو كان موافقاً لها ضرورة ان الموافقة لا توجب مساواتها في المرتبة فإنه في المقام معه أي مع الأصل الموضوعي لا مجال لها أي للبراءة لوروده عليها كما يأتي تحقيقه، ومثله الأصل الحكمي فان مستصحب الوجوب لا تجري فيه البراءة وما انتفى وجوبه باصالة عدم الوجوب كذلك أيضاً فلا تجري مثلًا اصالة البراءة الشرعية وهي الاباحة في حيوان شك في حليته مع الشك في قبوله التذكية إذا ذبح وذكى مع اجتماع سائر الشرائط المعتبرة في التذكية وانما لا تجري لوجود الأصل الموضوعي المحرز للموضوع فان موضوع حرمة الأكل ما لم يذك وإذا كان الموضوع ذلك فاصالة عدم التذكية في الموارد المشكوكة تدرجها فيما لم يذك وهو حرام اجماعاً كما إذا مات حتف أنفه فلا حاجة في إثبات الحرمة الى ادلة حرمة الميتة ليحتاج الى ادخال المشكوك في موضوع الميتة واثبات ان الميتة تعم غير المذكى شرعاً ضرورة ان موضوع الحرمة كما جعل الميتة جعل أيضاً ما لم يذك بدليل استثناء [إلا مّا ذَكّيْتُمْ] فالمستثنى منه اما ان يكون في قبال الميتة مساوياً لها حكماً واما ان يكون معنى كلياً وهو مفهوم ما لم يذك ويدخل تحته فردان الميتة وما لا يذكيه الذبح ومن المعلوم
كفاية جريان الأصل في دخول مجراه تحت الفرد الثاني دون الاصول ضرورة كونه مثله حكماً انما يجري أصل عدم التذكية في ذلك للقطع بان التذكية انما هي فري الاوداج الأربعة مع سائر شرائطها من الاستقبال والبسملة وغيرهما الناشىء تحققها في الخارج عن خصوصية ذاتية في الحيوان وهي التي بها يؤثر الفري المذكور فيه الطهارة وحدها ان كان غير مأكول اللحم أو مع الحلية ان كان مأكوله ومع الشك في التذكية الناشيء عن الشك في تلك الخصوصية فالأصل عدم تحقق التذكية بمجرد الفري وان كان مصحوباً بسائر شرائطها كما لا يخفى. والأصل في السبب وهو عدم الخصوصية لا يجري لدورانه بين ما لا أصل له وما به يكون الأصل مثبتاً فان عدم تلك الخصوصية ان كان في خصوص هذا الحيوان فهو غير متيقن في زمان من الازمنة وان كان الكلي الازلي فهو لا يثبت عدمها في هذا المورد الخاص فيبقى الأصل في المسبب بلا مزاحم ولا معارض، نعم لو كان الحيوان مما علم بقبوله التذكية وشك في الحلية فاصالة الاباحة به فيه محكمة فانه حينئذ انما يشك في ان هذا الحيوان المذكى أو القابل لوقوع التذكية عليه حلال أو حرام وأصل فيه إلا اصالة الاباحة والحلية فهو كسائر ما شك في انه من الحلال أو الحرام هذا إذا لم يكن هناك أصل موضوعي آخر مثبت لقبوله التذكية عند الشك فيها حاكم أو وارد على اصالة عدمها كما إذا شك في ان الجلل في الحيوان هل يوجب ارتفاع قابليته لها أم لا فاصالة قبوله لها استصحاباً لما ثبت يقيناً ثم شك في رافعه محكمه
ومعها لا مجال لاصالة عدم وقوع التذكية وتحققها لزوال موضوعها حكماً باصالة القبول فهو قبل الجلل كان يطهر ويحل بالفري عند ارادة التذكية إذا كان محفوفاً بسائر شرائطها فالأصل انه كذلك بعده وكذا الحال لو كان هناك أصل لفظي يدل على قبول كل حيوان للتذكية إلا ما خرج كما ليس بالبعيد بالنظر الى قوله تعالى: [قل لا أَجِدُ في ما أُوْحيَ إِليَّ محرماً] ومال اليها شيخنا المرتضى وقال به بعض فيما حكى فان اصالة عدمها حينئذ ساقطة ومما ذكرنا ظهر الحال فيما اشتبهت حليته وحرمته بالشبهة الموضوعية وهي على نحوين:
أحدهما: ان يقع الشك في حليته وحرمته للشك في دخوله في موضوع حلال الأكل او حرامه بعد احراز قبولهما معاً للتذكية والأصل في ذلك الحلية وهو واضح.
ثانيهما: ان يقع الشك في ذلك وفي قبوله للتذكية وعدمها أيضاً للشك في دخوله في الموضوع المحلل القابل للتذكية أو المحرم غير القابل كما لو تولد حيوان من حيوانين كذلك ولم يتبعهما في الاسم مع العلم به بعدم خروجه عن حقيقيتهما فالأصل في المقام عدم التذكية أيضاً إلا بناءاً على ما ذكرنا من أصالة القبول وذلك لأن اصالة عدم كونه من الموضوع المذكى معارض باصالة عدم كونه من غير المذكى فيسقطان ويرجع الى الأول إلا مع البناء على الثاني فالى الثاني كما هو واضح. ومما ذكرنا ظهر أيضاً ان اصالة عدم التذكية