الثواب البالغ داعياً الى العمل فتفيد ان الداعي لامتثال الأمر إذا كان هو الثواب البالغ يعطي العامل ذلك وان خالف الواقع فيكون الثواب مرتباً على العمل غاية الأمر ان اعطاء ذلك المقدار بعينه في صورة عدم مطابقة الواقع منوط بجعله هو الداعي في مقام الامتثال وهذا يقيد كون العمل طاعة وهو معنى استحبابه فقوله (ع) فعمله طلباً لقول النبي أو لالتماس الثواب الموعود معناه ان ذلك هو الداعي للإطاعة وليس في شيء منها ما يفيد ان العمل لاحتمال المطلوبية موجب لترتب ذاك الثواب وحيث ان تعرض الإمام (ع) لذكره واهتمامه ببيانه ظاهر في الترغيب اليه والحث عليه كان معناه محبوبية كل عمل روى فيه شيء من الثواب من غير توقف على نهوض الحجة المعتبرة على محبوبيته ولو أريد العمل بعنوان الاحتياط لا بعنوانه في نفسه كانت هذه الأخبار مطابقة لحكم العقل ومؤكدة له حتى في استحقاق نفس المقدار البالغ عند مخالفة الواقع لما ذكرناه غير مرة من ان الموجب لاستحقاق ذلك انما هو فعل العبد للمتقضي وان مطابقة الواقع وعدمها ليست بيده فما ورد من الثواب والعقاب كله انما هو على فعل المقتضيات لا على عدم الموانع الخارج عن قدرة العبد كما هو الحال في الواجبات والمحرمات وتخصيص بعض الاحكام الوضعية بما طابق الواقع منها كالدية وغيرها لا ينافي ذلك كما لا يخفى وظهور هذه الأخبار في كونها في مقام التأسيسي لا التأكيد مما لا ينكره إلا مكابر فينحصر بما ذكرناه من كونها في مقام
بيان محبوبية العمل فتكون هذه الأخبار من الشواهد على ما ذكرناه في الاحكام الظاهرية من كونها على الموضوعية لا على الطريقية بالمعنى الذي حققناه غاية الأمر ان أخبار خصوص العادل في وجوب شيء أو حرمته يكون وجهاً من وجوه ذلك الشيء يقتضي وجوبه أو حرمته فعلًا وأما في المستحبات فيكفي مطلق الخبر من كل مخبر فيكون الإخبار بها وجهاً من وجوهها المقتضي للاستحباب وكلما ازداد الناقد تأملًا في مضامين هذه الأخبار ازداد الأمر عنده وضوحاً ووجدها كالنص فيما ذكرناه من ان الغرض بيان ان خبر المخبر مطلقاً له موضوعية في المستحبات فيكون حال هذه الأخبار بالنسبة الى من سرح لحيته وامثاله كحال كل شيء لك حلال وما اشبهه بالنسبة الى الادلة المثبتة للحلية الواقعية فالحق الحقيق بالاذعان والتصديق ما أفاده صاحب الكفاية غمر الله بالروح والرياحين روحه وفاقاً لظاهر المشهور فهو المذهب المنصور إلا إنه على النحو الذي ذكرناه مكملًا له فافهم وتأمل.
الثالث: من الأمور لا يخفى عليك ان اصالة البراءة انما تجري في المورد الفاقد للحجة والبيان فكل مورد كان التكليف فيه منجز الحصول الطريق اليه تفصيلًا أو اجمالًا فهو مما فيه البيان وكذا إذا تنجز بمحض الاحتمال المصحح للعقوبة كما في الشبهة الحكمية قبل الفحص ضرورة ان المقصود من البيان كل ما يرفع قبح العقاب عقلًا وربما عد من البيان الخطابات المتعلقة بموضوعاتها أمراً أو نهياً
بتقريب ان النهي مثلًا تعلق بشرب الخمر فيجب تركه ولا يتحقق تركه إلا بترك كل ما احتمل انه خمر وهكذا في سائر الموضوعات وهو توهم فاسد إلا في بعض الصور وقد وقع من بعض في جملة من الموارد. وتحقيق المقام ان النهي عن شيء أما ان يقصد به ترك طبيعة ذلك الشيء أو ترك افراد تلك الطبيعة وعلى الأول فأما ان يكون مقيداً بزمان أو مكان أو لا يكون مقيداً فهنا صور ثلاث الأولى ما إذا كان بمعنى طلب تركه في زمان أو مكان بحيث لو وجد في ذاك الزمان أو المكان ولو دفعه لما علم المكلف انه امتثل التكليف الموجه إليه أصلًا ففي هذه الصورة حيث كان التكليف بترك الطبيعة المقيدة بالزمان الخاص أو المكان متيقناً وجب دون ريب تحصيل اليقين بالفراغ، وكان اللازم على المكلف احراز أنه تركه بالمرة ولو كان الاحراز بالأصل كما ستعرف فلا يجوز الإتيان حينئذ بشيء يشك معه في تحقق تركه إلا إذا كان ذلك الشيء مسبوقاً به أي بتحقق الترك ليستصحب مع الإتيان به كما لو نهى عن شرب طبيعة الخمر في يوم الجمعة مثلًا فتركه وكان عنده خل فشك في أثناء النهار في انقلابه خمراً فانه مع شرابه يستصحب بقاء الترك للخمر أو عدم خمريته الكافي في احراز كونه تاركاً اذ ليس الترك إلا عدم الشرب فحينئذ يجوز الاقدام على الفرد المشتبه أما إذا لم يكن مسبوقاً بذلك فاصالة الاشتغال محكمه وهذه هي الصورة التي استثنيناها في كلام بعضهم السابق الذكر. نعم في غير هذه الصورة لا وجه لما ذكره أصلًا.
الصورة الثانية ما لو كان النهي بمعنى طلب تركه غير مقيد بزمان أو مكان وفي هذه الصورة لا مانع من اجراء البراءة في الفرد المشتبه في ثاني الزمانين أو المكانين لإمكان احراز الترك الواجب في الزمان أو المكان الأولين مع احراز الامتثال يكون الشك بحسب الزمان أو المكان الآخرين شكاً في التكليف وهو مجرى البراءة كما هو واضح ومما ذكرنا تعرف وجه تقييد صاحب الكفاية لطلب الترك بالزمان أو المكان الصورة الثالثة ما لو كان بمعنى طلب ترك كا فرد منه على حده والحكم في هذه الصورة وجوب الامتثال في معلوم الفردية واصالة البراءة في مشكوكها فلو ورد من المولى لا تشرب الخمر على ان تكون الالف واللام استغراقية لما وجب عقلًا وعرفاً إلا ترك ما علم انه فرد من الخمر وحيث لم يعلم تعلق النهي إلا بما علم انه مصداقه كان الشك في خمرية المشتبه راجعاً الى الشك في التكليف فاصالة البراءة في المصاديق المشتبه محكمه فعلم ان الصورة الوسطى تشارك الأولى في الزمان الأول حيث لم يحرز فيه الترك الواجب وتشارك الثالثة في الزمان الثاني حيث ان الشك فيه لا ينافي الاحراز فانقدح بذلك ان مجرد العلم بتحريم شيء لا يوجب لزوم الاجتناب عن الافراد المشتبه مطلقاً كما توهمه البعض بل فيه التفصيل الذي ذكرناه وهو انه فيما كان المطلوب بالنهي طلب ترك كل فرد على حده أو كان الشيء مسبوقاً بالترك كما عرفت لا تجري في المصاديق المشكوكة إلا البراءة وإلا فلو لم يكن المطلوب به ذلك بل كان
المطلوب ترك الطبيعة على النهج الذي عرفته لوجب ترك المصاديق المشتبه والاجتناب عنها عقلًا لقاعدة ان الشغل اليقيني مستلزم ولتحصيل الفراغ قطعاً وليس حال الترك إلا كحال الفعل فكما يجب فيما علم وجوب إتيان شيء احراز إتيانه اطاعة لأمره فكذلك يجب فيما علم حرمته احراز تركه وعدم إتيانه امتثالا لنهيه ولما علم في المقام ان المطلوب ترك الطبيعة يوم الجمعة مثلا وكان ايجادها يتحقق بإتيان فرد من افرادها فلا يعقل تمكن المكلف من احراز هذا الترك المطلوب إلا بترك جميع افرادها في ذلك اليوم حتى الفرد المشتبه ضرورة انه مع إتيانه لا يعلم تحقق الترك بعد ما كان الايجاد يتحقق ولو بوجود فرد غاية الأمر ان الاحراز في الفعل لا يلزم ان يكون بالعلم بل قد يكون بالأصل كما لو وجب عليه صوم يوم فصامه ثم شك في اثناءه لتناول بعض الاشياء في ارتفاعه فان استصحاب بقاء صومه وعدم زواله كاف في احراز وجود الواجب إلا انه كما يجوز وجود الواجب بالأصل ويكفي ذلك في مقام الامتثال كذلك يحرز ترك الحرام به كما عرفت آنفا وأما الفرد المشتبه فهو وان كان مقتضى اصالة البراءة من حيث محض الشك جواز الاقتحام فيه والاقدام عليه إلا ان قضية الشغل اليقيني المقتضية لزوم احراز الترك اللازم هو وجوب التحرز عنه ولا يكاد يحرز إلا بترك المشتبه أيضاً. نعم حيث كان الفرد المشتبه في غالب الموارد لو لم يكن في جميعها مما كان المطلوب فيها بالنهي ترك الطبيعة كونه مسبوقا بالترك او كون
النهي المطلوب به ذلك غير مقيد بزمان او مكان كان الفرد المشتبه في هذه الصورة مثله في باق الصور حكما غاية الأمر ان المستند في جواز الاقتحام فيه في هذه الصورة استصحاب الترك وفي الباقي اصالة البراءة والفرق المذكور لا يوجب خللا فيما هو المهم فمن أجل ذلك كانت هذه الصورة قليلة الجدوى وان صح بها قول بعضهم وتظهر الثمرة في النواحي الواردة في موانع الصلاة تنبيه لو كان المطلوب بالنهي ترك مفهوم الفرد وطبيعته لا مصداقه كما لو قال لا تشرب فرداً ما من الخمر فالحكم كما في الصورة الأولى بل هو واضح كما لا يخفى على الفطن فتفطن.
الأمر الرابع: انه قد عرفت غير مرة ان المطلوب أولًا وبالذات هو احراز الواقع في جميع التكاليف فان امكن بالامتثال التفصيلي والا فبالإجمالي وهو الإتيان بكل ما يحتمل انه هو الواقع فلا يمكن ان يشك عاقل في حسن الاحتياط عقلًا وإذا تتبع الآثار الواردة بالحث عليه من الائمة الاطهار فلا يمكن ان يشك في حسنه نقلًا، ولا يخفى عليك انه مطلقاً كذلك فيما كان هناك طريق معتبر الى الحكم وقامت حجة على عدم الوجوب او عدم الحرمة او كانت هناك امارة معتبرة على الموضوع ودلت على انه ليس المشتبه فردا للواجب او الحرام ضرورة ان قيام الحجة على الحكم والامارة على الموضوع لا يوجب العلم باحراز الواقع لأنهما انما يلغيان أثر احتمال الخلاف لا نفسه فيحسن حينئذ العمل على طبق الاحتمال مراعاةً للواقع إلا انه
بحسب استقلال العقل ودلالة النقل انما يحسن ما لم يخل بالنظام فعلًا فيقبح عقلا فالاحتياط قبل ذلك مطلقاً يقع حسنا من غير فرق بين الموارد سواء كان في الأمور المهمة كالدماء والفروج أم كان في غيرها أي غير المهمة كباقي الموارد وسواء كان احتمال التكليف قوياً أم ضعيفاً من غير فرق في هذا الاحتمال بين ما كانت الحجة على خلافه قائمة او لا، وان اختلف حسنه شدة وضعفاً فكان في الموردين الأوليين أحسن منه في الآخريين كما ان الاحتياط المخل بالنظام والموجب لذلك لا يكون حسنا كذلك لأن الاهتمام في الأمور المهمة وقوة الاحتمال في المحتمل لا ترفع قبحه الحاصل من إيجابه الخلل وان كان الراجح لمن له خبره بموارد الاحتياط ومعرفة بما يوجب الخلل منها مما لا يوجب وكان قد التفت الى ذلك من أول الأمر واراد العمل على طبقه في مورد دون آخر لئلا يوجب الخلل ان يكون أخذه واسقاطه على ما يقضي به ترجيح بعض الاحتياطات على بعض احتمالًا فيختلط في القوي ويسقط الضعيف ومحتملا بكله فيختلط في المهم ويترك غيره ضرورة ان عدم تحقق الفرق بين الموارد لا يرفع رجحان بعضها على بعض الموجب لرجحان ترجحه على الآخر كما لا يخفى إذا عرفت ذلك تعرف ان ما نسبة بعض الاخباريين الى الفحول المحققين من الاصوليين من حكمهم بقبح الاحتياط حتى أخذه الحال وصار يسجع المقال إنما نشأ من سوء فهمه الناشئ من سوء ظنه وعدم تمييزه لفرط قصوره بمعرفة مواقع البيان
بين الاحتياط والفتوى بلزومه بلا برهان كما قال القائل ما انباع درا على الفحام ضيعه. هذا آخر الكلام فيما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وغير الحرمة من باقي الاحكام او حرمته وغير الوجوب وقد عرفت الحكم بما لا مزيد عليه.
فصل
إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته فأما ان يكون ذلك لتعارض الادلة والحكم فيه التخيير واقعياً بناءاً على الموضوعية وظاهرياً بناءاً على الطريقية وكيف كان فهو خارج عن محل الكلام لوجود الحجة كما عرفت ذلك في أول المسألة وأما ان يكون لاجماله حكما كما لو تردد الأمر بين كونه الموجب او للتهديد او موضوعاً كما لو شك في كون متعلقه الفعل او الترك، وأما ان يكون لعدم نهوض حجة على احدهما تفصيلًا بعد نهوضها عليه اجمالًا كما لو اختلفت الامة على قولين بحيث علم عدم الثالث وأما ان يكون الاشتباه للموضوع كما لو وجب اكرام العدول وحرم اكرام الفساق واشتبه حال شخص والحكم في هذه الصور الثلاثة يعلم من بيان حكم الصورة الثالثة فاعلم انه إذا دار الأمر بينهما كذلك ففيه وجوه أحدهما هو الحكم بالبراءة من كل منهما عقلا ونقلا أما الثاني فلعموم النقل كحديث الرفع وما أشبهه لكل حكم لم يعلم ولم تقم حجة ومن الواضح ان خصوص الوجوب وخصوص الحرمة مما لم يعلم ولم تقع عليه حجة.
وأماالأول:فلما عرفت أيضاً من حكم العقل بقبح العقاب والمؤاخذة بلا بيان ومن المعلوم ان العقاب والمؤاخذة على خصوص