المطلوب ترك الطبيعة على النهج الذي عرفته لوجب ترك المصاديق المشتبه والاجتناب عنها عقلًا لقاعدة ان الشغل اليقيني مستلزم ولتحصيل الفراغ قطعاً وليس حال الترك إلا كحال الفعل فكما يجب فيما علم وجوب إتيان شيء احراز إتيانه اطاعة لأمره فكذلك يجب فيما علم حرمته احراز تركه وعدم إتيانه امتثالا لنهيه ولما علم في المقام ان المطلوب ترك الطبيعة يوم الجمعة مثلا وكان ايجادها يتحقق بإتيان فرد من افرادها فلا يعقل تمكن المكلف من احراز هذا الترك المطلوب إلا بترك جميع افرادها في ذلك اليوم حتى الفرد المشتبه ضرورة انه مع إتيانه لا يعلم تحقق الترك بعد ما كان الايجاد يتحقق ولو بوجود فرد غاية الأمر ان الاحراز في الفعل لا يلزم ان يكون بالعلم بل قد يكون بالأصل كما لو وجب عليه صوم يوم فصامه ثم شك في اثناءه لتناول بعض الاشياء في ارتفاعه فان استصحاب بقاء صومه وعدم زواله كاف في احراز وجود الواجب إلا انه كما يجوز وجود الواجب بالأصل ويكفي ذلك في مقام الامتثال كذلك يحرز ترك الحرام به كما عرفت آنفا وأما الفرد المشتبه فهو وان كان مقتضى اصالة البراءة من حيث محض الشك جواز الاقتحام فيه والاقدام عليه إلا ان قضية الشغل اليقيني المقتضية لزوم احراز الترك اللازم هو وجوب التحرز عنه ولا يكاد يحرز إلا بترك المشتبه أيضاً. نعم حيث كان الفرد المشتبه في غالب الموارد لو لم يكن في جميعها مما كان المطلوب فيها بالنهي ترك الطبيعة كونه مسبوقا بالترك او كون
النهي المطلوب به ذلك غير مقيد بزمان او مكان كان الفرد المشتبه في هذه الصورة مثله في باق الصور حكما غاية الأمر ان المستند في جواز الاقتحام فيه في هذه الصورة استصحاب الترك وفي الباقي اصالة البراءة والفرق المذكور لا يوجب خللا فيما هو المهم فمن أجل ذلك كانت هذه الصورة قليلة الجدوى وان صح بها قول بعضهم وتظهر الثمرة في النواحي الواردة في موانع الصلاة تنبيه لو كان المطلوب بالنهي ترك مفهوم الفرد وطبيعته لا مصداقه كما لو قال لا تشرب فرداً ما من الخمر فالحكم كما في الصورة الأولى بل هو واضح كما لا يخفى على الفطن فتفطن.
الأمر الرابع: انه قد عرفت غير مرة ان المطلوب أولًا وبالذات هو احراز الواقع في جميع التكاليف فان امكن بالامتثال التفصيلي والا فبالإجمالي وهو الإتيان بكل ما يحتمل انه هو الواقع فلا يمكن ان يشك عاقل في حسن الاحتياط عقلًا وإذا تتبع الآثار الواردة بالحث عليه من الائمة الاطهار فلا يمكن ان يشك في حسنه نقلًا، ولا يخفى عليك انه مطلقاً كذلك فيما كان هناك طريق معتبر الى الحكم وقامت حجة على عدم الوجوب او عدم الحرمة او كانت هناك امارة معتبرة على الموضوع ودلت على انه ليس المشتبه فردا للواجب او الحرام ضرورة ان قيام الحجة على الحكم والامارة على الموضوع لا يوجب العلم باحراز الواقع لأنهما انما يلغيان أثر احتمال الخلاف لا نفسه فيحسن حينئذ العمل على طبق الاحتمال مراعاةً للواقع إلا انه
بحسب استقلال العقل ودلالة النقل انما يحسن ما لم يخل بالنظام فعلًا فيقبح عقلا فالاحتياط قبل ذلك مطلقاً يقع حسنا من غير فرق بين الموارد سواء كان في الأمور المهمة كالدماء والفروج أم كان في غيرها أي غير المهمة كباقي الموارد وسواء كان احتمال التكليف قوياً أم ضعيفاً من غير فرق في هذا الاحتمال بين ما كانت الحجة على خلافه قائمة او لا، وان اختلف حسنه شدة وضعفاً فكان في الموردين الأوليين أحسن منه في الآخريين كما ان الاحتياط المخل بالنظام والموجب لذلك لا يكون حسنا كذلك لأن الاهتمام في الأمور المهمة وقوة الاحتمال في المحتمل لا ترفع قبحه الحاصل من إيجابه الخلل وان كان الراجح لمن له خبره بموارد الاحتياط ومعرفة بما يوجب الخلل منها مما لا يوجب وكان قد التفت الى ذلك من أول الأمر واراد العمل على طبقه في مورد دون آخر لئلا يوجب الخلل ان يكون أخذه واسقاطه على ما يقضي به ترجيح بعض الاحتياطات على بعض احتمالًا فيختلط في القوي ويسقط الضعيف ومحتملا بكله فيختلط في المهم ويترك غيره ضرورة ان عدم تحقق الفرق بين الموارد لا يرفع رجحان بعضها على بعض الموجب لرجحان ترجحه على الآخر كما لا يخفى إذا عرفت ذلك تعرف ان ما نسبة بعض الاخباريين الى الفحول المحققين من الاصوليين من حكمهم بقبح الاحتياط حتى أخذه الحال وصار يسجع المقال إنما نشأ من سوء فهمه الناشئ من سوء ظنه وعدم تمييزه لفرط قصوره بمعرفة مواقع البيان
بين الاحتياط والفتوى بلزومه بلا برهان كما قال القائل ما انباع درا على الفحام ضيعه. هذا آخر الكلام فيما إذا دار الأمر بين وجوب شيء وغير الحرمة من باقي الاحكام او حرمته وغير الوجوب وقد عرفت الحكم بما لا مزيد عليه.
فصل
إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته فأما ان يكون ذلك لتعارض الادلة والحكم فيه التخيير واقعياً بناءاً على الموضوعية وظاهرياً بناءاً على الطريقية وكيف كان فهو خارج عن محل الكلام لوجود الحجة كما عرفت ذلك في أول المسألة وأما ان يكون لاجماله حكما كما لو تردد الأمر بين كونه الموجب او للتهديد او موضوعاً كما لو شك في كون متعلقه الفعل او الترك، وأما ان يكون لعدم نهوض حجة على احدهما تفصيلًا بعد نهوضها عليه اجمالًا كما لو اختلفت الامة على قولين بحيث علم عدم الثالث وأما ان يكون الاشتباه للموضوع كما لو وجب اكرام العدول وحرم اكرام الفساق واشتبه حال شخص والحكم في هذه الصور الثلاثة يعلم من بيان حكم الصورة الثالثة فاعلم انه إذا دار الأمر بينهما كذلك ففيه وجوه أحدهما هو الحكم بالبراءة من كل منهما عقلا ونقلا أما الثاني فلعموم النقل كحديث الرفع وما أشبهه لكل حكم لم يعلم ولم تقم حجة ومن الواضح ان خصوص الوجوب وخصوص الحرمة مما لم يعلم ولم تقع عليه حجة.
وأماالأول:فلما عرفت أيضاً من حكم العقل بقبح العقاب والمؤاخذة بلا بيان ومن المعلوم ان العقاب والمؤاخذة على خصوص
الوجوب او خصوص الحرمة عقاب ومؤاخذة بلا برهان للجهل به والعلم بجنسه لا يكون بياناً ولا برهاناً.
وثانيها: وجوب الأخذ بأحدهما تعييناً كما ذهب العلامة في المحكي عنه الى تعيين الحرمة لوجوه مرت عليك اجمالًا في مسألة اجتماع الوجوب والحرمة وعرفت ما فيها وستعرف بعضها اجمالًا في آخر الفصل أو تخييراً لعدم مزية لأحدهما على الآخر وامكان عموم ما ورد من دليل التخيير بين الخبرين المتعارضين للمقام.
وثالثها: التخيير بين الترك والفعل عقلًا كما لابد منه عملًا مع التوقف عن الحكم به رأساً فلا يحكم بشيء على المقام غير انه يختار في مقام العمل أحدهما المعين اذ لا محيص عن غير المعين أو ذلك لكن مع الحكم عليه بالاباحة شرعاً فيكون العمل مطابقاً للحكم. ولا يخفى عليك ان هذه الوجوه أقواها وأوجهها هو الأخير عند صاحب الكفاية وفاقاً لشيخنا العلامة أعلى الله مقامه، وثانيها عندنا وفاقاً للعلامة قدس الله تعالى نفسه وأسكنه فردوسه وانما استوجه صاحب الكفاية الأخير لعدم الترجيح بين الفعل والترك اذ هو انما يكون بالمزيد ولم تثبت في واحد منهما هذا بالنسبة الى التخيير وأما الحكم بالاباحة فمن أجل شمول مثل (كل شيء لك حلال حتى تعرف انه حرام) له ولا مانع منه عقلًا لأن العلم الاجمالي بجنس الحكم لا ينجز شخصه ولا يمنع من شمول ذلك له وكما لا يمنع من شمول الاصول اللفظية كذلك لا يمنع جريان الاصول العلمية فيه
ضرورة ان المانع عن جريانها أما لزوم المخالفة العملية وهو غير لازم لعدم انفكاك المكلف عن الفعل الموافق للوجوب أو الترك الموافق للحرمة وأما لزوم المخالفة الالتزامية وهو غير لازم أيضاً لأنه فرع وجوب الموافقة ولا نقلًا لعدم دليل مخصص لهذا العموم بغير هذه الصورة وقد عرفت فيما سبق انه لا يجب موافقة الاحكام التزاماً ولو وجب فاللازم منها غير مانع والمانع منها غير لازم ضرورة ان الالتزام انما يجب على قدر ما يقتضيه دليل الوجوب وهو لم يدل إلا على وجوب الالتزام باحكام الله بما هي احكامٌ لا بما هي خصوص الوجوب أو الحرمة أو غيرهما فلو دار الأمر بينهما لكان الواجب هو الالتزام اجمالًا بما هو الواقع لأنه في صورة الاجمال هو الذي يكون معه ممكناً بل لا يجب غيره لأن الواجب إذا كان هو الالتزام بالحكم بما هو حكم كان وجوب الالتزام بخصوص كل حكم من الاحكام حكماً عقلياً ينشأ من تعلق وجوبه بكلى الحكم فلا تجب مراعاته في مقام الشك وانما تجب مراعاة الالتزام بكلى الحكم وهو ممكن كما عرفت، وقد ظهر لك بذلك ان الالتزام التفصيلي بأحدهما لو لم يكن تشريعاً محرماً لما نهض على وجوبه دليل قطعاً وقياسه بتعارض الخبرين الدال أحدهما على الحرمة والآخر على الوجوب حيث استفيد بما دل على التخيير فيه وعدم جواز رفع اليد عن الحكمين معاً ان الحكم في المقام التخيير أيضاً للقطع بأن التخيير هناك انما جاء من قبل المدلول لا من قبل الدال ولا خصوصية لكون
الحكمين مدلولي الدليلين في ذلك باطل للفرق الواضح بين المقامين فان التخيير بينهما على تقدير كون الأخبار حجة من باب السببية يكون على ما تقتضيه القاعدة لأنه بعد ما قضى الدليل بوجوب العمل بخبر العدل فهما حينئذ واجبان تزاحما ومن جهة ذلك كان التخيير مطابقاً القاعدة لحكم العقل بثوبت التخيير بين الواجبين المتزاحمين وعلى تقدير انها حجة من باب الطريقية فانه وان كان التخيير على خلاف القاعدة لقضائها بسقوط كل منهما إلا ما دل على حجية الأخبار لما كان قاضياً بحجية كل خبر جامع لشرائط الحجية ولم يخرج عن ذلك إلا ما دل الدليل العقلي أو النقلي على خروجه وجب تقدير الضرورة بقدرها والتعارض انما يمنع من حجيتهما معاً أما أحدهما تعييناً لوجود مزية فيه أو تخييراً لعدم وجودها فلا مانع من شمول دليل الحجية له أصلًا حيث انه كان واجداً لما هو المناط للطريقية من احتمال الاصابة مع اجتماع سائر الشرائط فهو حجة في هذه الصورة قطعاً بأدلة الترجيح مع المزية القاضية بوجوبه تعييناً أو أدلة التخيير مع عدمها القاضية بوجوبه تخييراً وأين ذلك مما نحن فيه فكيف يسري اليه حكم التخيير إذا لم يكن المطلوب فيه بحسب دليل وجوب الالتزام إلا الأخذ بخصوص ما صدر واقعاً من الحكم وان لم يعرف شخصه وهو حاصل والاخذ بخصوص أحدهما مع انه لا دليل يقتضيه ربما لا يكون اليه بموصل لاحتمال كون الواقع هو الآخر فلا تحصل إلا الموافقة الاحتمالية نعم
لو كان التخيير بين الخبرين من أجل ما ذكره المستدل من ابدائهما احتمال الوجوب والحرمة واحداثهما الترديد بينهما من غير خصوصية لدلالة الدليل ولا لمدلولية المدلول لكان القياس في محله بل لا يكون قياساً لدلالة الدليل الدال على التخيير بينهما على التخيير ههنا بالمطابقة لانه فرد من افراد موضوعه كما لا يخفى. هذا غاية ما أفاد صاحب الكفاية (قدس سره).
في الاستدلال على ما اختاره وفيه ان الحكم بالتخيير مبني على عدم وجود مزية تقتضي التعيين وستعرف ان شاء الله تعالى وجودها وأما الحكم بالاباحة فاعلم انه قد حققنا لك سابقاً ان محل الكلام في وجوب الالتزام هو انه هل يوجد دليل عقلي أو نقلي يدل على وجوب الالتزام بما دلت عليه الخطابات من الاحكام أو لا يوجد لا في دلالة نفس الادلة والخطابات على ذلك وعرفت أيضاً أنه على تقدير دلالة الدليل تكون مخالفته في ذلك مخالفة عملية وانها إذا نسبت الى الخطاب الدال على الحكم تكون التزامية وحينئذ نقول انه بناء على دلالة الدليل على وجوب الالتزام بالحكم بما هو حكم فهو دال بالمطابقة على وجوب الالتزام بخصوص الوجوب وخصوص الحرمة وهكذا ضرورة ان الوجوب بما هو خصوص الوجوب أو الحرمة بما هي خصوص الحرمة هو حكم الله تعالى عينه في الواقعة وليس فيه خصوصية زائدة على المعنى الكلي وليس خصوص كل واحد من الاحكام الخمسة بالنسبة الى كلي الحكم إلا