الشك في المكلف به
لو شك في المكلف به بحسب ظاهر الحال مع العلم بالتكليف من الايجاب أو التحريم فهو على نحوين فتارة يقع الشك في المكلف به لتردده بين المتباينين كما لو شك في ان الواجب يوم الجمعة هو الظهر أو الجمعة ويقع تارة أخرى لتردده بين الأقل والأكثر الارتباطين وثالثة لتردده بين غير الارتباطيين فيقع الكلام في مقامين يعلم من ثانيهما حكم الثالث.
المقام الأول: في دوران الأمر بين المتباينين ولا بد من تقديم مقدمة بها يتضح المقصود وهي انه لا يخفى انا قد حققنا لك في صدر الكتاب في مسألة العلم الاجمالي ان العلم إنما يوصف بالتفصيل والاجمال بالعرض والمجاز بلحاظ حال المتعلق وإلا فهو أمر بسيط له شأن من الشأن لا يجمل ولا يفصل وان متعلق العلم إذا كان حكماً شرعياً له مراتب منها مرتبة الشأنية ومنها مرتبة الفعلية الشرعية وهي المرتبة التي ينشأ عنها الخطاب بعثاً وزجراً وان تعلقه بالحكم في المرتبة الأولى لا يوجب من حيث هو تنجز إلا إذا دل الدليل على ذلك ومن آثارها صحة منع الشارع من العلم بما علم كما وقع ذلك من جملة من الأئمة مع جملة من الأصحاب وفي المرتبة الفعلية يوجب تنجزه ومن آثارها عدم صحة منع الشارع من العمل بما علم لادائه الى التناقض وغيره مما بين في مبحث القطع وله مرتبة أخرى وهي
مرتبة الفعلية العقلية وهي المرتبة التي من آثارها وجوب الطاعة وحرمة المعصية واستحقاق المطيع للثواب والعاصي للعقاب ولا ينافي ذلك استحقاق من صادف عمله الحكم الفعلي مع عدم العلم به للثواب أيضاً لعدم ايجاب مصادفة مخالفته للعقاب وهي العمدة في هذا الأثر وان تعلقه بالحكم في مرتبة الشأنية غير منجز مطلقاً كما ان تعلقه به في الأخرى منجزاً من غير فرق بين التفصيل والاجمال وان ظاهر أدلة الأصول والطرق المغيا فيها الحكم الظاهري بمحض العلم بالحكم الواقعي ان تعلق العلم كاشف عن بلوغ الحكم الى المرتبة الفعلية أما بنفسه أو بسبب تعلق العلم به فإذا عرفت ذلك فاعلم ان العلم التفصيلي إذا تعلق بالحكم كان فعلياً ولزم امتثاله فلو دل دليل على كونه لم يبلغ بعد الى تلك المرتبة كما لو أخبر الصادق الأمين بذلك لم يجب امتثاله وقد وقع ذلك في زمن الأئمة (ع) كما عرفت وفي هذه الصورة فلا يعقل ان يحكم على الموضوع الذي تعلق بحكمه العلم بحكم ظاهري مغاير أو مماثل لعدم معقولية ذلك فان الحكم الظاهري طريق للواقعي ومع انكشافه وعدم فعلية فكيف يعقل جعل حكم آخر في مورده وهذا من البديهيات الأولية فيكون هذا الدليل مخصصاً للأدلة الدالة على ان تعلقه كاشف مطلقاً وأما إذا تعلق العلم الاجمالي به فهو كالتفصيل في كونه كاشفاً عن الفعلية لعموم الأدلة إلا ان الدليل المخصص الدال على عدم الفعلية هو جعل الحكم الظاهري في أحد الطرفين كما لو رخص الشارع في الاقدام عليه ولا يجوز جعله في كلا الطرفين في هذه الصورة لأوله الى
ما ذكرناه في صورة العلم الاجمالي وتحقيق ذلك ان كون الحكم في المرتبة الشأنية له أنحاء ثلاثة:
النحو الأول: ان يكون ذلك لعدم المقتضى لبلوغه الى المرتبة الفعلية.
النحو الثاني: ان يكون ذلك لوجود المانع وهو على نحوين:
أحدهما:ان يكون المانع جهل المكلف بالتعلق وعدم انكشافه تفصيلًا.
وثانيهما:ان يكون المانع غير ذلك بل من الأمور الخارجية العائدة الى الموضوع نفسه أو المكلف ذاته فان كان عدم البلوغ لعدم المقتضى امكن ان يحكم على الموضوع فعلًا بحكم واقعي مغاير للحكم الواقعي الشأني ولا معنى لجعل الحكم الظاهري في مثله اذ لا واقع فعلياً غيره كي يصيبه تارة ويخطأ عنه أخرى وذلك كسائر الاحكام المطلقة في صدر الاسلام التي صارت مقيدة في زمن الصادقين فان الحكم بالمقيد كان في حق الأولين شأنياً لا مقتضى لبلوغه الى المرتبة الفعلية وكان الحكم الواقعي الفعلي هو الحكم المتعلق بالمطلق وكذا حال العمومات والتخصيصات الواردة بعد ولا ينبغي الإصغاء الى كلام من يزعم انها احكام ظاهرية في حقهم كيف وقد كان من حكمهم انهم لو علموا بالمقيد ما وجب عليهم العمل به ولعمري انه في غاية الوضوح وان كان لوجود المانع
الخارجي فهو كالأول أيضاً ومنه قوله (ص) لولا ان اشق على امتي لأمرتهم بالسواك فان وجوب السواك حكم شأني لا يكون فعلياً أبداً لوجود المانع مستمراً وهو المشقة والعسر والحرج فكان حكمه الواقعي الفعلي هو الاستحباب وعلى هذا النهج سائر المستحبات التي وردفي ثوابها ما يزيد على ثواب الواجبات أضعافاً مضاعفة كزيارة الحسين (ع) وأشباهها فانه لولا الموانع من وجوبها لوجبت فمصلحتها لو لم تزد على المصلحة القاضية بالوجوب لم تنقص عنها ولا يستقيم عقلًا أفضلية النقل من الغرض الموجبة لأفضلية الثواب ولكن وجود المانع من انشاء الوجوب أوجب جعل الاستحباب في مورده هذا فيما استمر على مرتبة الشأنية وأما ما لم يستمر فكالاحكام التي بينها النبي (ص) أول البعثة ثم نسخت الى غيرها فقد ذهب جماعة من المحققين الى ثبوت ما هو في معنى النسخ في زمن النبي (ص) فان الحكم الثاني كان شأنياً مادام المانع فلما ارتفع صار فعلياً وان كان عدم البلوغ لعدم الانكشاف فان كان لعدمه أصلًا كان المقام مقام جعل الحكم الظاهري ولم يكن عدم الانكشاف مانعاً اذ لا مانع من كونه فعلياً حال الجهل بل المانع جعل الحكم الظاهري الفعلي في مورده سواء كان مؤدى طريق أو مؤدى أصل كالحلية والطهارة لمشكوكهما وان كان لعدمه في الجملة كما في صورة العلم الاجمالي كان المانع أو الكاشف عن المانع جعل الحكم الظاهري في أحد الاطراف ولا يجوز
في كلها ضرورة ان الاجمال إنما يكون مانعاً بقدره فإذا رخص الشارع في ارتكاب الطرفين كما لو رخص مع العلم التفصيلي بالحرمة فكما لا يجوز لعدم موضوع للحكم الظاهري كما عرفت فلا يجوز في الاجمال إذا أدى الى مثله، نعم الترخيص في بعضها لا مانع منه عقلًا لتجويز العقل كون الاجمال مانعاً من الفعلية بهذا المقدار وكون الطرف المرخص فيه غير متعلق الحكم الواقعي فالعقل في مرحلة الظاهر لا مانع له من تصديق هذا الخطاب الترخيص هذا غاية ما يقال في طرفي العلم الاجمالي على سبيل الاجمال، وحاصله ملخصاً وموضحاً ان التكليف المعلوم بينهما مطلقاً ولو كانا غير متحدي المتعلق بل هما فعل أمر وترك آخر إن كان فعلياً من جميع الجهات بان يكون واجداً لما هو العلة التامة للبعث والزجر الفعلي مع ما هو عليه من الاجمال والتردد والاحتمال فلا محيص عن تنجزه وصحة العقوبة على مخالفته وعدم امكان جعل حكم آخر في مورده واقعياً كان أو ظاهرياً لاستلزامه المحالات التي عرفتها سابقاً وحينئذ لا محالة يكون ما دل بعمومه على عدم ترتب أثر الفعلية العقلية التنجزية وهي صحة العقاب أو البعثية الشرعية وهي عدم صحة المنع من العمل أو جعل حكم آخر في مورده كحديث الرفع أو الوضع أو السعة بالنسبة الى الأول أو الاباحة أو الطهارة بالنسبة الى الثاني وغير ذلك مما يعم أطراف العلم بالنظر الى محض كل منها من حيث ذاته مخصصاً عقلًا من أجل مناقضتها معه لو عمت الاطراف في هذا
الحال كما عرفت وان لم يكن الحكم المعلوم بينهما فعلياً كذلك ولو كان بحيث لا مانع من فعليته إلا الاجمال المتعلق حتى انه لو علم في هذا الحال تفصيلًا لصار فعلياً ولوجب امتثاله وصح العقاب على مخالفته لم يكن هناك مانع عقلًا ولا شرعاً من شمول أدلة البراءة الشرعية لبعض الاطراف لا للاطراف كلها خلافاً لصاحب الكفاية (قدس سره) لما عرفت من ان الضرورة تتقدر بقدرها فإذا كان الاجمال مانعاً من فعلية الحكم الواقعي فلا محالة يكون مانعاً عن فعلية ضده. وبعبارة أخرى بعد ما عرفت ان مع تعلق العلم التفصيلي بالحكم الشأني لا الفعلي لا يجوز جعل الحكم الظاهري في مورده لزوال موضوعه بعد انكشاف الواقع مع كونه طريقاً اليه كذلك إذا تعلق العلم الاجمالي ضرورة ان جعله في كلا الطرفين يوجب انكشاف مخالفته للواقع ومخالفة الواقع له فيزول موضوعه أيضاً، والحاصل المقدار المرتفع من الفعلية بالاجمال ما يصحح احتمال اصابة الحكم الظاهري للواقع واحتمال الخطأ لا ما يعلم معه المخالفة للواقع ومن العجب اعترافه بأنه مع العلم التفصيلي بالحكم الواقعي لا موضوع للحكم الظاهري وان كان الحكم المعلوم شأنياً وتجويزه الترخيص في طرفي العلم المؤدي الى العلم التفصيلي بما يزول معه موضوع الحكم الظاهري ومن هنا انقدح لك انه لا فرق بين العلم التفصيلي والاجمالي بما هو علم في كونه منجزاً مع فعلية المتعلق غير منجز مع عدمها إلا أنه لا مجال للحكم الظاهري مع
التفصيلي مطلقاً لانكشاف الواقع فلا ظاهر غيره يوصف به الحكم فإذا كان الحكم الواقعي فعلياً من سائر الجهات فحينئذ لا محاله يصير فعلياً معه أي مع العلم الاجمالي من جميع الجهات وله مجال مع الاجمالي فيمكن ان يكون الاجمال مانعاً من الفعلية ولا يصير الحكم فعلياً معه وحينئذ فيكون للجاعل مجال لامكان جعل الحكم الظاهري في بعض أطرافه لا في أطرافه كلها كما عرفت تحقيقه وإن كان الواقع فعلياً من غير هذه الجهة أي جهة الاجمال بمعنى كونه بحيث لو علم تفصيلًا لترتبت عليه آثاره الشرعية والعقلية فليس الاجمال كاشفاً إلا عن هذا المقدار من عدم الفعلية فافهم. ثم ان الظاهر الذي تقضي به المقدمات المذكورة انه لو فرض ان المعلوم بالاجمال كان فعلياً من جميع الجهات لوجب عقلًا موافقته مطلقاً ولو كانت أطرافه غير محصورة ان الحصر لم يكن هو المنجز للتكليف ليكون عدمه رافعاً وإنما المنجز هو تعلق العلم بالحكم الفعلي من كل جهة نعم ربما يتحقق التفاوت بين الشبهة المحصورة الأطراف وغيرها من وجه آخر وهو ان عدم الحصر ربما يلازم ما يمنع من فعلية المعلوم مع كونه أي المعلوم فعلياً لولاه أي لولا عدم الحصر من سائر الجهات فيكون الفرق بين العلم في المحصورة والعلم في غيره ان انكشاف عدم فعلية المتعلق في الأول موقوف على وصول دليل الرخصة في أحد الأطراف المخرج عن عموم والاشياء كلها على هذا حتى يستبين وعموم حتى تعلم انه حرام فتدعه وغير ذلك وغير موقوف على
ذلك في الثاني بل يكون عدم الحصر نفسه كاشفاً، وبالجملة لا يكاد يرى العقل تفاوتاً بين المحصورة وغيرها في التنجز وعدمه فيما كان الحكم المعلوم اجمالًا فعلياً بالنسبة الى موضوعه بحيث يبعث المولى نحوه أو يزجر عنه كذلك مع ما هو عليه من كثرة أطرافه والحاصل ان اختلاف الأطراف في الحصر وعدمه لا يوجب تفاوتاً في ناحية العلم ولو أوجب تفاوتاً في شيء فإنما هو في ناحية المعلوم وذلك في فعلية البعث أو الزجر مع الحصر وعدمها مع عدمه فلا يكاد يختلف العلم الاجمالي باختلاف الأطراف قلة وكثرة في ايجاب تعلقه التنجز وعدمه ما لم يختلف المعلوم في الفعلية وعدمها بذلك وقد عرفت أيضاً انه لا تفاوت بين التفصيلي والاجمالي في ذلك ما لم يكن تفاوت في طرف المعلوم أيضاً فتأمل ما ذكرناه مع ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) فبالتأمل تعرف مواقع الوفاق والخلاف. وقد انقدح لك من جميع ما ذكرنا معنى ما حققه شيخنا العلامة استاذ المحققين المرتضى من عدم اقتضاء العلم الاجمالي وجوب الموافقة القطعية وان اقتضى حرمة المخالفة القطعية لما عرفت من ان الاجمال إنما يمنع هذا المقدار من فعلية المعلوم فلا يترتب عليه إلا خصوص هذا الأثر وانه لا وجه لاحتمال امكان القول بغير ذلك بعدما كانت المقدمات السابق تحقيقها لا تنتج إلا كون تعلق العلم الاجمالي كاشفاً عن عدم الفعلية بمقدار يكون أثره عقلًا عدم وجوب الموافقة القطعية مع حرمة مخالفتها ضرورة ان حال جعل الحكم الظاهري