المقام الثاني: في دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين والظاهر ان محل الكلام ما إذا كان الشك في الجزء غير المقوم من غير فرق بين القول بالصحيح أو القول بالأعم في وضع الفاظ العبادات ضرورة أن الشك في الجزء المقوم شك في صدق لفظ العبادة على المأتي به فلا يعقل اجزاءه ولو دل على الاجزاء فيه دليل كان كاشفاً عن عدم كون الجزء مقوماً فيما يمكن ذلك فيه أو عن رفع اليد عن التكليف بالأول رأساً وتوهم ان كل جزء يكون مفتوحاً على القول بالصحيح مدفوع بعدم الملازمة بين الوضع لجميع الاجزاء وكون كل جزء مقوماً لما حققناه في مسألة الصحيح والأعم من الجزء الأول من الكتاب بما لا مزيد عليه فلاحظ. والظاهر ان من تتبع كلمات الاصحاب في هذا الباب يشرف على القطع بما ذكرناه وقد صرح بذلك شيخنا استاذ المحققين المرتضى (قدس سره) ويخطر بالبال ان ممن صرح بذلك أيضاً المحقق القمي (أعلى الله مقامه) إذا عرفت ذلك فالحق وفاقاً للاستاذ المصنف ان العلم الاجمالي بثبوت التكليف بالعبادة المردد أمرها بينهما أيضاً يوجب الاحتياط عقلًا بإتيان الأكثر لأن العلم بالتكليف المردد بينه وبين الأقل موجب لتنجزه به حيث تعلق بثبوته وهو موجب لعدم اليقين بالفراغ إلا بالإتيان بالأكثر وتحقيق المقام موقوف على تقديم مقدمه وهي انه قد تقدم في باب المقدمة ان الوجوب النفسي المتعلق بالمركبات معنى بسيط منبسط على جميع اجزاء ذلك المركب فكل جزء من ذلك المركب واجب نفساً بذلك
الوجوب وإلا لم يكن المركب واجباً وقد عرفت أيضاً ان الاجزاء بلحاظ ضم بعضها الى بعض واجبة بالوجوب الغيري أيضاً على ما قدمنا تحقيقه في تصوير معقولية تحقق الوجوبين وان هذا الوجوب الغيري لا يعقل تحققه إلا بعد وجوب ذلك الغير وإلا لم يكن غيرياً. إذا عرفت ذلك فاعلم انه إذا شك في المركب في كونه ذا اجزاء عشرة أو تسعة مثلًا وكانت الأجزاء ارتباطية فالذي يقضي بعدم تأثير هذا العلم أحد أمور سبق الكلام عليها وكلها مفقودة في المقام بلا خلاف ولا كلام إلا توهم أمر واحد وهو انحلال العلم الاجمالي الى علم تفصيلي وشك بدوي وتوهم انحلاله الى العلم بوجوب الأقل تفصيلًا والشك في وجوب الأكثر بدوا ضرورة لزوم الإتيان بالأقل أما لنفسه شرعاً إذا كان هو الواجب لا غير أو لغيره شرعاً بناءاً على وجوب المقدمة بوجوب ذيها أو عقلًا بناءاً على عدمه ومعه يكون الأقل معلوم الوجوب تفصيلًا ولا موجب لتنجزه لو كان متعلقاً فالأكثر فاسد قطعاً لما عرفت من ان الوجوب الغيري موقوف على وجوب غيره فالعلم بوجوب الأقل النفسي من آثار تعلق التكليف في الواقع بالأقل دون الأكثر بحيث لو علم به فعلًا لتنجز وبوجوبه الغيري من آثار تعلقه بالأكثر دون الأقل بحيث لو علم به فعلًا لتنجز اذ لا يعقل تقدير وجود المعلول إلا بتقدير وجود علته وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامة وحينئذ فلا يعقل تحقق الانحلال لاستلزام الانحلال الخلف المحال بداهة توقف لزوم الأقل فعلًا أما لنفسه أو لغيره على
تنجز التكليف مطلقاً ولو كان متعلقاً بالأكثر كما عرفت تقديره فلو كان لزومه كذلك الموجب للانحلال مستلزماً لعدم تنجزه إلا إذا كان متعلقاً بالأقل كما هو المدعي كان خلفاً وبعبارة أخرى الوجوب المقدمي الفعلي من آثار وجوب الأكثر النفسي الفعلي ووجوب امتثال المقدمي واستحقاق العقاب على مخالفته من آثار وجوب الأكثر النفسي الفعلي ووجوب امتثال المقدمي واستحقاق العقاب على مخالفته من آثار وجوب امتثال النفسي واستحقاق العقاب على مخالفته فيتوقف تأثير العلم بوجوب الأقل تفصيلًا لنفسه أو لغيره على كون التكليف بذلك الغير لو علم لكان منجزاً مستحقاً على مخالفته العقاب وإلا لم يكن الغيري أحد طرفي العلم في الأقل فصار وجوب الأقل الموجب للانحلال موقوفاً على تنجز التكليف لو كان متعلقاً في الواقع بالأكثر وقد كان المدعي ان الانحلال موجب لعدم تنجزه إلا إذا كان متعلقاً بالأقل فتجري البراءة في الأكثر وهل هذا إلا الخلف المحال هذا مع انه قد اتضح لك بأوضح البيان ان الانحلال المدعى مما يلزم من وجوده عدمه ضرورة توقفه حسب الفرض على تنجز التكليف لو كان متعلقاً بالأكثر وتنجزه كذلك موجب لعدم الانحلال بالضرورة لان تحقق الانحلال موجب لكون الشك في الطرف الأكثر بدوياً فدعوى تحققه مع الاعتراف بالتنجز جمع بين المتناقضين فيدور الأمر بين دعوى الانحلال مع الاعتراف بالتنجز فيلزم مضافاً الى كونه جمعاً بين المتناقضين من وجود الانحلال عدمه لما عرفت، أو
الاعتراف بالتنجز وعدم الانحلال وهو المطلوب فانقدح ان استلزام الانحلال عدم الانحلال إنما هو لاستلزامه عدم تنجز التكليف في كل حال المستلزم لعدم لزوم الأقل مطلقاً المستلزم لعدم الانحلال وكل ما يلزم من وجوده عدمه فهو محال أما استلزامه عدم التنجز في كل حال فلأنه هو المدعى لانه قد جعل سند العدم تنجزه في الأكثر واجراء البراءة فيه وأما استلزام عدم التنجز كذلك لعدم لزوم الأقل كذلك فلما عرفت من استناد لزوم الأقل الغيري الى لزوم الأكثر النفسي فعدمه موجب لعدمه قطعاً وأما استلزام عدمه لعدم الانحلال فهو في غاية الوضوح هذا لباب ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) في الاستدلال على لزوم الاحتياط وابطال ما جعل سند البراءة ولقد أجاد فيما أفاد بل جاء بما فوق المراد، وقد عرفت من تقريرنا وجه استلزام الانحلال للجمع بين المتناقضين وهو أيضاً ضرب من ضروب المحال. لا يقال ان ما ذكرت من كون الوجوب المقدمي في الأقل من آثار الوجوب النفسي في الأكثر مسلم إلا انه من آثار مرتبته الفعلية الشرعية لا من آثار خصوص الفعلية العقلية التنجزية فلا منافاة بين العلم بوجوبه الموقوف على فعلية الوجوب لو كان متعلقاً بالأكثر وايجابه للانحلال الموجب لعدم تنجزه إلا إذا كان متعلقاً بالأقل وجريان البراءة عنه في الأكثر لان مورد البراءة هو مرتبة الفعلية العقلية الموجبة لاستحقاق العقاب وملاك البراءة قبح العقاب بلا بيان وهذا جار في جميع موارد هذا الأصل بل لا مورد له غيره فان
الحكم في مرتبة الشأنية لا عقاب عليه فلا معنى لاجراء البراءة عنه فهي إنما تجري حيث يكون الحكم فعلياً فلا ترتفع البراءة إلا مرتبته التنجزية وتبقى المرتبة البعثية التي من آثارها في الواقع وجوب المقدمة بعثاً ومتى علم الوجوب بهذه المرتبة انحل العلم قطعاً للعلم التفصيلي بوجوب الأقل فعلًا لنفسه أو لغيره مع الشك في وجوب الأكثر والأصل براءة الذمة عنه؟ لأنا نقول كل ذلك مسلم إلا انه لا يجدي نفعاً في الانحلال ضرورة ان الموجب للانحلال هو العلم بالوجوب النفسي أو الغيري في الأقل الموجب كل منهما لاستحقاق العقاب على تقدير المخالفة لا مطلق العلم بالوجوب وان كان فعلياً بعثياً لان المقام مقام الاحتياط والبراءة الذين هما من آثار مرتبة التنجز لا من آثار خصوص مرتبة البعث اذ لا خوف بمجردهما ليحتاج الى المؤمن ومن المعلوم ان العلم بالوجوب على هذا النحو مستلزم لتنجزه لو كان متعلقا بالاكثر اذ لا يعقل ان يتفرع عن الوجوب البعثي المحض الوجوب البعثي التنجزي بل الفرع تابع للأصل وجودا ومرتبة وإذا كان كذلك لزم جميع ما مر من ضروب المحال هذا مضافا الى ما يعطيه كلام المستدل من الخلط بين الانحلال الموجب لعدم تأثير العلم وغيره فأن الانحلال الموجب لذلك هو ما لو كان التكليف في أحد الطرفين ثابتا قبل العلم الاجمالي وكان المنجز بالعلم الاجمالي ذاك التكليف بعينه كما لو وقعت قطرة بول مثلا في احد إناءين أحدهما بول فإن وجوب الاجتناب عن البول لا ينجز بالعلم لو
كانت القطره قد اصابت اناءه لوجوب اجتناب هذا الاناء قبل العلم فيبقى الإناء الآخر كالمشكوك في نجاسته ابتداء في عدم احراز تنجز التكليف وهذا معنى الانحلال الموجب لذلك أما لو وقع مقدار من الخمر في أحد الإناءين أحدهما بول فإن لوحظ من حيث النجاسة كان العلم منحلا ولا يجب اجتناب الآخر من هذه الجهة أما من جهة شربه وما اشبهه مما هو مختص بخصوص الخمر فلا اشكال في عدم انحلال العلم بالنسبة اليه بل يجب اجتناب الطرفين معا فالشرط في تحقق الانحلال أمران ثبوت التكليف في احد الطرفين قبل حدوث العلم وكون الثابت هو التكليف المعلوم عينه وما نحن فيه فاقد لهما معاً.
أماالأولفلان لزوم الإتيان بالأقل إنما حدث بالعلم لا قبله وحدوثه بالعلم موقوف على تنجزه في أي الطرفين كان لتفرع أحد جهتي وجوب الأقل على تنجزه في الأكثر وإلا فلا يعقل فأين الانحلال الموجب لتخصيص أحد الطرفين بالامتثال ولعمري انه توهم لاينبغي ان يمر في وهم أو خيال.
وأماالثانيفلو تعقلنا معلومية وجوب الأقل قبل العلم وقلنا بأنه واجب لنفسه على كلا التقدير لانه على تقدير تعلق التكليف به في الواقع فواضح وعلى تقدير تعلق التكليف بالأكثر فوجوب الأقل أيضاً نفسي لما مر من انبساط وجوب المركبات على جميع اجزائها فالأقل قبل حدوث العلم يجب الإتيان به أما لوجوبه نفساً بنفسه أو
لوجوبه كذلك بواسطة وجوب ما هو في ضمنه فلا ريب أولًا في مغايرة هذا الوجوب للوجوب المعلوم بالعلم الاجمالي لأن الذي يحدث بسببه في الأقل هو الوجوب الغيري على ما مر في تصويره وثانياً ان الوجوب المعلوم في جانب الأقل قبل العلم ليس مما يجب امتثاله لان ما كان من قبل تعلق التكليف بنفسه مشكوك حسب الفرض وما كان من قبل تعلق التكليف بغيره المنبسط عليه وهو في ضمنه فلا يجب امتثاله إلا بعد وجوب امتثال الأكثر فلا علم بلزوم الإتيان بالاقل قبل العلم للاجمالي ومنشأ الاشتباه توهم ان مجرد العلم بالوجوب موجب للعلم بلزوم الإتيان وهو واضح الفساد لما عرفت من عدم الملازمة بينهما إلا إذا تعلق بالوجوب المنجز على كل تقدير فلا يقع الانحلال ويبطل الاستدلال بحذافيره فتدبر ولا تكن من الغافلين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين نعم هناك صورة أخرى يتعقل فيها الانحلال إلا انها خارجة عن موضوع البحث ومهبط الاستدلال وذلك انه بعد ما عرفت من ان العلم انما ينحل إذا كان واجداً للشرطين السابقين فلا شك في انحلاله إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة بمعنى ان ملاك الوجوب فيه مستقل على حد ملاك الوجوب في الأكثر فان وجوبه حينئذ يكون معلوماً له وإنما كان الترديد لاحتمال ان يكون الاكثر ذا مصلحتين أو مصلحة واحدة أقوى من مصلحة الأقل فالعقل في مثله وان حكم بلزوم الإتيان حينئذ بالأقل لانحلال العلم واستقل بالبراءة في الأكثر لعدم البيان
المصحح للعقاب اذ ليس فيه إلا محض الشك بلا كلام إلا انه خارج عما هو محل النقض والابرام في المقام هذا مع أنك قد عرفت في مسألة ان الأصل في الأوامر التعبدية عدم سقوط الأمر إلا مع العلم بالإتيان بما يحصل معه الغرض الداعي لذاك الأمر ومن الواضح ان الغرض الداعي الى الأمر في ما نحن فيه لا يكاد يحرز إلا مع الإتيان بالأكثر فيجب بناءاً على ما ذهب اليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهي عنها ومن كون الواجبات الشرعية الطافاً في الواجبات العقلية وقد مر في مسألة اصالة التعبد اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلًا في اطاعة الأمر وسقوطه فلابد من احرازه في احرازها ولا يكون ذلك إلا بذلك كما لا يخفى، ولا وجه بعد تسليم اعتبار ذلك في الاطاعة للتقصي عنه بما لا يسمن ولا يغني فيتخلص تارة بعد ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على ما ذهب اليه مشهور العدلية وجريانها على ما ذهب اليه الاشاعرة المنكرين لذلك أو ما ذهب اليه بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به فان ما ذكر من اعتبار موافقة الغرض في الاطاعة لا يتأتى على هذين المذهبين أصلًا أما على الأول فلعدمه من أصله وأما على الثاني فلعدم احراز كونه في المأمور به ليجب على المكلف تحصيله لاحتمال كونه في الأمر ويتخلص عنه تارة أخرى بان تحصيل الغرض لو سلم ابتناء المسألة على ما هو المشهور مستحيل فلا يعقل اعتباره في الموافقة ضرورة ان