بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 326

الحكم في مرتبة الشأنية لا عقاب عليه فلا معنى لاجراء البراءة عنه فهي إنما تجري حيث يكون الحكم فعلياً فلا ترتفع البراءة إلا مرتبته التنجزية وتبقى المرتبة البعثية التي من آثارها في الواقع وجوب المقدمة بعثاً ومتى علم الوجوب بهذه المرتبة انحل العلم قطعاً للعلم التفصيلي بوجوب الأقل فعلًا لنفسه أو لغيره مع الشك في وجوب الأكثر والأصل براءة الذمة عنه؟ لأنا نقول كل ذلك مسلم إلا انه لا يجدي نفعاً في الانحلال ضرورة ان الموجب للانحلال هو العلم بالوجوب النفسي أو الغيري في الأقل الموجب كل منهما لاستحقاق العقاب على تقدير المخالفة لا مطلق العلم بالوجوب وان كان فعلياً بعثياً لان المقام مقام الاحتياط والبراءة الذين هما من آثار مرتبة التنجز لا من آثار خصوص مرتبة البعث اذ لا خوف بمجردهما ليحتاج الى المؤمن ومن المعلوم ان العلم بالوجوب على هذا النحو مستلزم لتنجزه لو كان متعلقا بالاكثر اذ لا يعقل ان يتفرع عن الوجوب البعثي المحض الوجوب البعثي التنجزي بل الفرع تابع للأصل وجودا ومرتبة وإذا كان كذلك لزم جميع ما مر من ضروب المحال هذا مضافا الى ما يعطيه كلام المستدل من الخلط بين الانحلال الموجب لعدم تأثير العلم وغيره فأن الانحلال الموجب لذلك هو ما لو كان التكليف في أحد الطرفين ثابتا قبل العلم الاجمالي وكان المنجز بالعلم الاجمالي ذاك التكليف بعينه كما لو وقعت قطرة بول مثلا في احد إناءين أحدهما بول فإن وجوب الاجتناب عن البول لا ينجز بالعلم لو


صفحه 327

كانت القطره قد اصابت اناءه لوجوب اجتناب هذا الاناء قبل العلم فيبقى الإناء الآخر كالمشكوك في نجاسته ابتداء في عدم احراز تنجز التكليف وهذا معنى الانحلال الموجب لذلك أما لو وقع مقدار من الخمر في أحد الإناءين أحدهما بول فإن لوحظ من حيث النجاسة كان العلم منحلا ولا يجب اجتناب الآخر من هذه الجهة أما من جهة شربه وما اشبهه مما هو مختص بخصوص الخمر فلا اشكال في عدم انحلال العلم بالنسبة اليه بل يجب اجتناب الطرفين معا فالشرط في تحقق الانحلال أمران ثبوت التكليف في احد الطرفين قبل حدوث العلم وكون الثابت هو التكليف المعلوم عينه وما نحن فيه فاقد لهما معاً.

أماالأول‌فلان لزوم الإتيان بالأقل إنما حدث بالعلم لا قبله وحدوثه بالعلم موقوف على تنجزه في أي الطرفين كان لتفرع أحد جهتي وجوب الأقل على تنجزه في الأكثر وإلا فلا يعقل فأين الانحلال الموجب لتخصيص أحد الطرفين بالامتثال ولعمري انه توهم لاينبغي ان يمر في وهم أو خيال.

وأماالثاني‌فلو تعقلنا معلومية وجوب الأقل قبل العلم وقلنا بأنه واجب لنفسه على كلا التقدير لانه على تقدير تعلق التكليف به في الواقع فواضح وعلى تقدير تعلق التكليف بالأكثر فوجوب الأقل أيضاً نفسي لما مر من انبساط وجوب المركبات على جميع اجزائها فالأقل قبل حدوث العلم يجب الإتيان به أما لوجوبه نفساً بنفسه أو


صفحه 328

لوجوبه كذلك بواسطة وجوب ما هو في ضمنه فلا ريب أولًا في مغايرة هذا الوجوب للوجوب المعلوم بالعلم الاجمالي لأن الذي يحدث بسببه في الأقل هو الوجوب الغيري على ما مر في تصويره وثانياً ان الوجوب المعلوم في جانب الأقل قبل العلم ليس مما يجب امتثاله لان ما كان من قبل تعلق التكليف بنفسه مشكوك حسب الفرض وما كان من قبل تعلق التكليف بغيره المنبسط عليه وهو في ضمنه فلا يجب امتثاله إلا بعد وجوب امتثال الأكثر فلا علم بلزوم الإتيان بالاقل قبل العلم للاجمالي ومنشأ الاشتباه توهم ان مجرد العلم بالوجوب موجب للعلم بلزوم الإتيان وهو واضح الفساد لما عرفت من عدم الملازمة بينهما إلا إذا تعلق بالوجوب المنجز على كل تقدير فلا يقع الانحلال ويبطل الاستدلال بحذافيره فتدبر ولا تكن من الغافلين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين نعم هناك صورة أخرى يتعقل فيها الانحلال إلا انها خارجة عن موضوع البحث ومهبط الاستدلال وذلك انه بعد ما عرفت من ان العلم انما ينحل إذا كان واجداً للشرطين السابقين فلا شك في انحلاله إذا كان الأقل ذا مصلحة ملزمة بمعنى ان ملاك الوجوب فيه مستقل على حد ملاك الوجوب في الأكثر فان وجوبه حينئذ يكون معلوماً له وإنما كان الترديد لاحتمال ان يكون الاكثر ذا مصلحتين أو مصلحة واحدة أقوى من مصلحة الأقل فالعقل في مثله وان حكم بلزوم الإتيان حينئذ بالأقل لانحلال العلم واستقل بالبراءة في الأكثر لعدم البيان‌


صفحه 329

المصحح للعقاب اذ ليس فيه إلا محض الشك بلا كلام إلا انه خارج عما هو محل النقض والابرام في المقام هذا مع أنك قد عرفت في مسألة ان الأصل في الأوامر التعبدية عدم سقوط الأمر إلا مع العلم بالإتيان بما يحصل معه الغرض الداعي لذاك الأمر ومن الواضح ان الغرض الداعي الى الأمر في ما نحن فيه لا يكاد يحرز إلا مع الإتيان بالأكثر فيجب بناءاً على ما ذهب اليه المشهور من العدلية من تبعية الأوامر والنواهي للمصالح والمفاسد في المأمور بها والمنهي عنها ومن كون الواجبات الشرعية الطافاً في الواجبات العقلية وقد مر في مسألة اصالة التعبد اعتبار موافقة الغرض وحصوله عقلًا في اطاعة الأمر وسقوطه فلابد من احرازه في احرازها ولا يكون ذلك إلا بذلك كما لا يخفى، ولا وجه بعد تسليم اعتبار ذلك في الاطاعة للتقصي عنه بما لا يسمن ولا يغني فيتخلص تارة بعد ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على ما ذهب اليه مشهور العدلية وجريانها على ما ذهب اليه الاشاعرة المنكرين لذلك أو ما ذهب اليه بعض العدلية المكتفين بكون المصلحة في نفس الأمر دون المأمور به فان ما ذكر من اعتبار موافقة الغرض في الاطاعة لا يتأتى على هذين المذهبين أصلًا أما على الأول فلعدمه من أصله وأما على الثاني فلعدم احراز كونه في المأمور به ليجب على المكلف تحصيله لاحتمال كونه في الأمر ويتخلص عنه تارة أخرى بان تحصيل الغرض لو سلم ابتناء المسألة على ما هو المشهور مستحيل فلا يعقل اعتباره في الموافقة ضرورة ان‌


صفحه 330

حصول المصلحة واللطف في العبارات لا يكاد يكون إلا بإتيانها على وجه الامتثال وحينئذ فمع لحاظ ما ذهب اليه الجل بل ربما حكي عليه اتفاق الكل من اعتبار قصد الوجه الموقوف في الجملة على تمييز الاجزاء المأتي بها كان لاحتمال اعتبار معرفة اجزائها تفصيلًا ليؤتي بها مع قصد الوجه مجال واسع ومعه لا يكاد يمكن ان يقطع بحصول اللطف والمصلحة الداعية الى الأمر بالإتيان بأي الطرفين كان، أما الأقل فلاحتمال نقصانه وأما الأكثر فلعدم تمييز اجزائه ومع استحالة تحصيله يسقط اعتباره في الموافقة لا محالة فلم يبق إلا التخلص عن تبعة مخالفته وهو ممكن بإتيان ما علم تعلقه به فانه واجب عقلًا وان لم يكن في المأمور به مصلحة ولطف رأساً وإنما وجب الإتيان به عقلًا لتنجزه بالعلم به اجمالًا، وأما الزائد عليه لو كان واجباً في الواقع فلا تبعة على مخالفته من جهته فان العقوبة عليه مع عدم تنجز التكليف به تكون بلا بيان هذا غاية ما قيل في مقام التقصي والتخلص وهو واضح البطلان. وتحقيق ذلك انه ان أراد هذا المتقصي بعدم ابتنائها على مذهب العدلية عدم وجود دليل على الاحتياط يعم سائر المذاهب فهو كما ترى فان الدليل الأول لا يشذ عنه مذهب وان أراد به عدم وفاء هذا الدليل المبني على اعتبار موافقة الغرض في الطاعة فهو وان كان له وجه إلا انه لا يلزم في الاستدلال موافقة جميع الأدلة لجميع المذاهب لا سيما إذا كان كل منها وافياً بالنسبة الى من هو العمدة في هذه المخاصمة ضرورة ان‌


صفحه 331

حكم العقل بالبراءة على مذهب الاشعري لعدم وجود غرض حتى يعتبر موافقته لا يجدي من ذهب الى ما عليه المشهور من العدلية من وجود الغرض بعد تسليمه اعتبار ذلك في الطاعة بل لا يجدي حتى من ذهب من غير العدلية الى ما عليه غير المشهور مما يوافق قول الاشعري ظاهراً من جهة عدم المصلحة في الواجب نفسه لاحتمال ان يكون الداعي الى الأمر ومصلحته على هذا المذهب أيضاً هو ما في الواجبات من المصلحة وكونها الطافاً ضرورة ان من ذهب الى الاكتفاء بكون المصلحة في الأمر لم يحصل له القطع بان الداعي للأمر ومصلحته غير ما في الواجبات بل يحتمل انها عينها ومع هذا الاحتمال فلا يقطع بحصول الطاعة لهذا الأمر إلا مع الإتيان بما يقطع معه بحصول الغرض لو كان فيه وهو الإتيان بالأكثر ليس غير اللهم إلا ان يقال ان احتمال كون الغرض كذلك لا يجدي ما لم يقطع بكونه مما يقدر على تحصيله لأن حكم العقل بلزوم تحصيله موقوف على العلم بكونه قد أمره الشارع بما يتضمن غرضه ولا يكفي احتمال الأمر بذلك فانه لا يكون بياناً مصححاً للعقوبة بعد الفحص وعدم وصول العقل الى ذلك. نعم هذا الاحتمال قبل الفحص يكون موجباً لذلك كالاحتمال في الشبهة الحكمية. هذا مضافاً الى ان القائل بذلك إنما قال بكفاية ذلك لا بوجوب كونها فيه عقلًا وذلك لا ينافي دلالة متواتر النقل على ما ذهب اليه المشهور من كون المصلحة الداعية إنما هي في نفس المأمور به نفسه والمنهي عنه وكونهما


صفحه 332

الطافاً، ومن تتبع الآثار وجد ما ذكرناه كالشمس في رابعة النهار بل مصدق ما ذكرناه شواهد الاعتبار، وعليه فلم يجد هذا القائل ما ذهب اليه في رفع ما حكم به العقل بعد شهادة النقل. ثم ان بعد هذا كله يمكن ان يقال بجريان هذا الدليل وهو دليل لزوم تحصيل الغرض حتى على ظاهر هذين المذهبين وذلك أما على مذهب الاشعري فلأن محل الخلاف بين الاشعرية والعدلية هو كون مطلق التكاليف هل هي تابعة للحسن والقبح والمصلحة والمفسدة أو ليست بتابعة بل يأمر الشارع بالقبيح ذي المفسدة كأمره بالحسن ذي المصلحة وينهى على العكس لانه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وهذا القول لا يستلزم القول بان أمره ونهيه لا لغرض في المأمور به والمنهي عنه بل هو جزاف صرف يصدر عنه كصدور الفعل ممن لا يدركه فانه لا يحتمل ذلك في واحد منهم، فكلهم متفقون على ان أمره ونهيه لغرض غاية الأمر اختلافهم في تعينه وانه هل هو ما في الافعال نفسها أو لا بل هو تابع لا شائنة فربما كان غرضه في إتيان العبد للقبيح أو في تركه للحسن والاختلاف في الصغرى لا يرفع حكم الكبرى وهو لزوم تحصيل العبد غرض المولى بعد صدور الأمر والنهي واعتبار ذلك في تحقق الطاعة كما لا يخفى على ذي الفكر الثاقب. وأما على مذهب غير المشهور من العدلية فلأن ذهابهم الى كفاية كون المصلحة في الأمر لا يستلزم ان يكون سنخ تلك المصلحة مما لا يتعلق حصوله وتحصيله‌


صفحه 333

بالعبد بل الظاهر اتفاق الفريقين على أن إتيان المأمور به قصد الطاعة محصل له مطلقاً فيعلم من ذلك انه مما يعود أمر تحصيله ولو بواسطة ايجاد سببه الى العبد فإذا شك في ان الطاعة المحصلة له أي الطاعتين المتحققة بإتيان الأقل والمتحققة بإتيان الأكثر فلا اشكال في لزوم الثانية، فافهم وتأمل جيداً.

وأما ما ذكر من توقف حصول اللطف والمصلحة في العبادة على ما يستحيل معه القدرة على تحصيل الغرض فهو في غاية الوهن ضرورة انه وان كان يتوقف على الإتيان بها على وجه الامتثال إلا انه ممكن على كل حال أما أولًا فلأنه لا مجال لاحتمال اعتبار معرفة الاجزاء وإتيانها على وجهها وكيف يحتمل اعتباره ذلك وقد اتفقوا جازمين بأنه لا اشكال في امكان الاحتياط ههنا كما في المتباينين ولا يكاد يمكن الاحتياط مع اعتباره كما لا يخفى. هذا مع وضوح بطلان استلزام اعتبار قصد الوجه في أصل العبادة احتمال اعتبار قصد الوجه كذلك أعني في اجزائها ليتوقف على تمييزها ومنشأ الاشتباه عدم معرفة المراد بالوجه في كلام من صرح بوجوب ايقاع الواجب على وجهه فان الظاهر ان المراد به هو وجه نفسه من وجوبه النفسي لا وجه اجزائه من وجوبها الغيري الذاتي أو وجوبها النفسي العرض المنبسط عليها بتعلقه به وإتيان الواجب بهذا الشرط وهو كونه مقترناً بوجهه غايةً أو وصفاً بإتيان الأكثر بمكان من الامكان لانطباقه على الواجب ولو كان هو الأكثر الموجب لانطباق‌