في الوجوب لو سلم تحقق الظهور موجباً لتخصيصه بالواجب لما مرّ من ان تعقب العام بضمير يرجع الى بعض ما يتناوله لا يوجب تخصيصه لو لم يكن ظهوره أي ظهور الموصول في الأعم قرينة على ارادة خصوص الكراهة أو مطلق المرجوحية من النفي فكون عموم العام قرينة على ارادة خلاف الظاهر في الخاص أولى من كون الخاص الظاهر في قرينة على ارادة خلاف العام في مثل المقام كما لا يخفى على ذي الذوق السليم وكيف كان فليس النفي ظاهراً في الحرمة بالنسبة الى الترك واللزوم بالنسبة الى فعل الباقي ههنا للقرينة التي عرفتها ولو قيل بظهوره فيه في غير المقام فصار الحاصل عدم دلالة الروايات الثلاث على وجوب الباقي لظهور الأولى في التبعيض بحسب الافراد والثانية والثالثة في عدم اللزوم وقد اطنب شيخنا استاذ المحققين المرتضى في بيان دلالتها ورد ما نوقش به فيها والانصاف قوة ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) بل لو قيل بظهور الروايتين في عدم اللزوم واختصاصهما بالمندوبات لم يكن بعيداً ضرورة ظهورهما جداً في كون الموضوع الذي له ميسور ومعسور والذي لا يدرك ويترك مما كان بيد المكلف فعل ميسوره وعدم ترك كله المتولد هذا الظهور من ظهورهما في كون الغرض منهما بيان انه لا ينبغي للمكلف ان يجعل عسر المعسور وعدم ادراك الكل عذراً في ترك الميسور المتحقق به ترك الكل أيضاً فيترك صلة الرحم رأساً لعدم قدرته على المناسب منها ويترك صلوة الليل رأساً لعدم قدرته على
ادائها بوظائف كمالها وهكذا ولذا نرى أغلب المشترعة لا يستدلون بها إلا في امثال هذه الموارد ويؤيد ذلك بل يدل عليه ان ظاهر الروايتين ظهوراً لا ينكره إلا مكابر كون الفائدة بهما تامة من غير ان تكون فيهما شائبة الاجمال مع إنهما بناءاً على شمولهما للواجبات يكونان في غاية الاجمال إذ لا يعرف المكلف من نفسه ميسور الركوع من معسوره مثلًا وكذلك سائر اجزاء العبادة لا سيما في مثل الصلاة والحج ولا يعلم كيفية اداء الميسور وهكذا في سائر الواجبات فالانصاف ان اختصاصهما بالمندوب قريب جداً بل عمومها لغيره في غاية البعد ولا نبالي بوحشة الانفراد إذا ساعدنا ظهور اللفظ في استكشاف المراد. هذا حال الجزء ثم انك من ذلك تعرف حال الشرط وتعلم انه حيث كان الملاك في قاعدة الميسور هو صدق الميسور على الباقي عرفاً كانت القاعدة جارية مع تعذر الشرط أيضاً كل على مذهبه لصدقه حقيقة عليه مع تعذره عرفاً كصدقه عليه كذلك مع تعذر الجزء في الجملة وان كان فاقد الشرط مبايناً للواجد عقلًا وذلك كما في الرقبة والرقبة المؤمنة فإن الاولى ميسور الثانية عرفاً مع تباينهما وجوداً فالمناط والملاك هو الصدق العرفي ومن أجل ذلك ربما لا يكون الباقي الفاقد لمعظم الاجزاء إلا الاركان أو لركنها الاعظم المؤثر ما لا يؤثره المعظم مما يصدق عليه الميسور ويكون مورداً لها فلا تجري أصلًا فيما إذا لم يصدق عليه الميسور عرفاً وان كان غير مباين للواجد عقلًا كالصلاة الكاملة والصلاة بلا سجود
وبلا طهارة نعم ربما يلحق به شرعاً ما لا يدخل في موضوعه ولا يعد بميسور له عرفاً وذلك بكشف الشارع للحال وبتخطئته للعرف وبيان ان عدم العد إنما كان لعدم الاطلاع على ما في الواجد وما هو عليه وعلى ما عليه الفاقد من قيامه في هذا الحال وهو حال كونه فاقداً بتمام ما قام به وكان عليه الواجد أو قيامه بمعظمه لا بتمامه في غير الحال وهو حال الوجدان المغاير لحال الفقدان وإلا فلو انه اطلع العرف لعد انه ميسوره كما ربما حكم الشارع وكشف عن العكس وذلك حيث يقوم الدليل على سقوط ميسور عرفي لذلك أي لتخطئة العرف في اعتقادهم قيامه مقام الواجد وبيانه لهم انه لا يقوم بشيء من ذلك لا بتمام ما فيه ولا بمعظمه ومن موارد الالحاق ما في رواية مولى آل سام من الحكم بوجوب المسح على المرارة مع ان العرف لا يعد ذلك ميسور الأصل المسح ومن موارد الأخراج حكم الشارع بعدم اجزاء الكافرة عن المؤمنة مع انه ميسور لها عرفاً وما نحن فيه من تخطئة الشارع للعرف الحاقاً في مورد واخراجاً في آخر نظير ما عليه البيع حيث حكمنا بكونه اسماً للصحيح إلا ان الشارع قد يحكم بفساد ما كان عند العرف صحيحاً تخطئة لهم فيما اعتقدوه وقد يحكم بصحة ما كان عندهم فاسداً كذلك مثل حكمه بصحة نكاح الفضولي وغيره وبالجملة فان دل دليل على الالحاق أو الاخراج فالعمل عليه وما لم يكن دليل على الأخراج أو الاحاق كان المرجع هو اصالة الاطلاق فيؤخذ به في الباقي ويستكشف منه ان الباقي قائم
بما يكون المأمور به قائماً بتمامه أو لا بتمامه بل بمقدار يوجب ايجابه أي ايجاب الباقي في الواجب أو استحبابه في المستحب وإذا قام دليل على أحدهما اخراجاً فيخرج أو الحاقاً فيلحق ويدرج تخطئته لهم في اعتقادهم انه الميسور فيكون خروجه تخصصاً أو في شمول الحكم فيكون تخصيصاً في الأول وهو ما قام الدليل على اخراجه مع الصدق العرفي القاضي بدخوله وتشريكاً في الحكم من دون الاندراج في الموضوع لعدم الصدق في الثاني فافهم لعلك تغنم.
تذنيب:
لا يخفى عليك انه إذا دار الأمر بين جزئية شيء أو شرطيته وبين مانعيته أو قاطعيته وبعبارة أخرى إذا علم اجمالًا دخل شيء في الموضوع اما وجوداً بأن يكون جزءاً أو شرطاً أو عدماً بأن يكون مانعاً أو قاطعاً فلو لم يكن هناك ما يعين أحدهما كان الأصل هو الاشتغال ضرورة إنه من قبيل الدوران بين المتباينين ولا يكاد يكون من الدوران بين المحذورين لامكان الاحتياط باتيان العمل مرتين فيؤتى به مع ذاك الشيء مرة لاحتمال دخل وجوده جزءاً أو شرطاً ومن دونه أخرى لاحتمال دخل عدمه مانعاً أو قاطعاً ولا يعقل تحقق الدوران بين المحذورين إلا مع عدم امكان الاحتياط مطلقاً ولزوم مقارنة العمل لأحدهما ليس غير كما هو أوضح من ان يخفى.
نعم يكون من هذا القبيل إذا تحقق الدوران في العبادة مع البناء على عدم جواز تكرارها احتياطاً كما ذهب اليه جمع.
شرائط العمل بالاصول
ان بيان شرائط العمل بجميع الاصول من دون خصوصية لبعضها يقتضي الكلام في كل واحد منها:
اما الاحتياط فلا يعتبر في حسنه شيء أصلًا بل يحسن على كل حال إلا إذا كان موجباً لاختلال النظام ولا تفاوت فيه بين المعاملات والعبادات مطلقاً ولو كان موجباً للتكرار فيها مع التمكن من عدمه أولًا وتوهم عدم جوازه مع التمكن من عدمه لما هو الواضح من كون التكرار حينئذ يعد عبثاً ولعباً بأمر المولى وهو ينافي قصد الامتثال المعتبر في العبادة فاسد جداً لوضوح عدم كونه كذلك دائماً ضرورة ان التكرار ربما يكون بداعي صحيح عقلائي مع أنه لو لم يكن بهذا الداعي وكان أصل اتيانه إنما هو بداعي أمر مولاه بلا داعٍ له سواه لما كان العبث به واللعب فيه ينافي قصد الامتثال وان كان يصدق عليه كونه لعباً في كيفية امتثاله وهذا الصدق محقق للامتثال لا مناف له. وفيه ان غرض المتوهم ان داعي التكرار في مثل ذلك إنما يكون هو العبث واللعب لا أن العبث واللعب بعد حصول الداعي اليه وهو الأمر، وبالجملة فالغرض ان ظاهر الحال ممن كرر العبادة مع التمكن من عدمه بسهولة جداً انه لا داعي له الى التكرار إلا اللعب فغرض كون التكرار امتثالًا وداعيه الأمر وكون اللعب إنما
هو في الكيفية خلاف ظاهر الحال وان كان لو علم بذلك صح بلا اشكال. وكيف كان فالاحتياط حسن حتى بتكرار العبادة على وجه لا ينافي قصد الامتثال بل يحسن الاحتياط أيضاً فيما قامت الحجة على البراءة من التكليف لئلا يقع المكلف فيما كان في مخالفته على تقدير ثبوته واقعاً من المفسدة وفوت المصلحة.
واما البراءة العقلية فلا يجوز اجرائها إلا بعد الفحص واليأس عن الظفر بالحجة على التكليف لما مرت الاشارة اليه من عدم استقلال العقل بها إلا بعدهما. هذا حال العقلية واما النقلية فقضية اطلاق أدلتها وان كان هو عدم اعتبار الفحص في جريانها كما هو حالها في الشبهات الموضوعية فانها تجري بلا فحص إلا في بعض مواردها مما يعلم فيه ان اجراء البراءة مناف لغرض الشارع كما لو أجرى المكلف البراءة دائماً عن وجوب الزكاة عليه أو الحج أو غير ذلك فتحتاج في مثل ذلك من الموضوعية الى الفحص أيضاً كالحكمية إلا انه لا ينفع الاطلاق بعدما استدل على اعتباره وبالاجماع وبالعقل اما الاجماع فواضح واما العقل فانه لا يحكم بجريانها إلا بعد الفحص ولا مجال لها عنده من دونه حيث إنه يعلم المكلف اجمالًا بثبوت التكليف بين موارد الشبهات بحيث لو تفحص عنه لظفر به ومع هذا العلم كيف يستقل بها قبل الفحص هذا غاية ما استدل به على لزوم الفحص المقيد لتلك الاطلاقات. ولا يخفى عليك ما فيه ضرورة ان الاجماع المحصل ههنا غير حاصل والمنقول
ليس بحجة فيكون نقله لوهنه وعدم الجدوى به بلا طائل وأنى لك بالمحصل الذي لا يكون حجة إلا بكشفه عن رأي المعصوم فإن تحصيله في مثل هذه المسئلة مما للعقل اليه سبيل صعب لم يكن عادة بمستحيل وذلك لقوة احتمال ان يكون المستند للجل من المجمعين لولا الكل هو ما ذكر من حكم العقل فلا يكون من الاجماع الكاشف هذا بالنسبة الى الاستناد الى الاجماع واما الاستناد الى حكم العقل، ففيه ان الكلام في البراءة إنما هو فيما لم يكن هناك علم موجب للتنجز فلا حكم للعقل لعدم تحقق ملاكه ولا ينافي ذلك ثبوت العلم لما عرفت من انه ليس كل علم بمنجز ومنه ما نحن فيه فإن العلم بالتكليف بين موارد الشبهات حاصل إلا انه لا ينجز شيئاً على المكلف اما لانحلال العلم الاجمالي بالظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال أو لعدم الابتلاء إلا بما لا يكون بينها علم بالتكليف من موارد الشبهات ولو كان عدم الابتلاء لعدم الالتفات اليها فان عدم الالتفات يكفي في ذلك فالأولى هو الاستدلال للوجوب بما دل من الآيات والاخبار على وجوب التفقه والتعلم وما دل على المؤاخذة على ترك التعلم الوارد في مقام الاعتذار عن عدم العمل بعدم العلم الذي قيل انه المقصود بقوله تعالى: [فلِلّهِ الحجّةِ البالِغَةِ] من انه يقال للعبد يوم القيامة كما في الخبر هلا علمت فان قال نعم قيل فهلّا عملت وان قال لا قيل له هلا تعلمت حتى تعمل فيقيد بها اطلاقات أخبار البراءة لقوة ظهورها في ان المؤاخذة والاحتجاج بترك التعلم