نعم يشكل ذلك في الواجب المشروط والمؤقت ولو أدى تركهما قبل تحقق الشرط ومجيء الوقت الى المخالفة بعدهما فضلًا عما إذا لم يؤد اليها ووجه الاشكال واضح حيث لايكون حينئذ تكليف فعلي يكون اداء الترك الى مخالفته سبباً للاستحقاق أصلًا لا قبلهما وهو واضح لعدم تحقق شرط التكليف ومجيء وقته والمشروط عدم عند عدم شرطه فلا تكليف فلا استحقاق ولا بعدهما وهو كذلك في الوضوح لعدم التمكن منه بسبب الغفلة والتمكن شرط أيضاً فهو أبداً معدوم لعدم شرطه غاية الأمر اختلاف الشرط أولًا وآخراً ولذا التجأ المحقق الاردبيلي وصاحب المدارك قدس سرهما الى الالتزام بوجوب التفقه والتعلم نفسياً تهيئياً فيكون العقاب على ترك التعلم نفسه لا على ما أدى اليه من المخالفة في جميع الصور فلا يبقى حينئذ اشكال في المشروط والمؤقت ويسهل بذلك الأمر في غيرهما مما قلنا بان انتهاء المخالفة فيه الى الاختيار كاف في الاستحقاق لو صعب على أحد تصوره ولم تصدق كفاية الانتهاء الى الاختيار في استحقاق العقوبة على ما كان فعلًا مغفولًا عنه وليس وقوعه بالاختيار.
ولا يخفى عليك انه لا يكاد ينحل هذا الاشكال إلا بذلك أعني الالتزام بالوجوب النفسي المنجز أو الالتزام بكون المشروط والمؤقت مطلقاً معلقاً لكنه قد اعتبر على نحو لا تتصف مقدماته الوجودية عقلًا بالوجوب قبل الشرط أو الوقت غير المقدمة التي
لا محل لفعلها إلا قبل حصول الشرط ومجيء الوقت ومنها التعلم فيكون الايجاب حالياً فتجب مثل هذه المقدمة وان كان الواجب استقبالياً قد أخذ على نحو لا يكاد يتصف بالوجوب شرطه بحيث يكون اخذه في المادة كأخذه في الهيأة ولا غير التعلم أوما هو مثله من مقدماته الوجودية قبل شرطه أو وقته واما لو قيل بأن الوجوب المعلق لا معنى له أو لا يعقل، وان الشرط والوقت إنما هما من قيود الهيأة وراجعان اليها القاضي بعدم تحقق الايجاب حينئذ إلا بعد تحقق الشرط والوقت كما هو ظاهر الأدلة وفتاوى المشهور فلا محيص عن الالتزام بكون وجوب التعلم نفسياً لتكون العقوبة لو قيل بها على تركه لا على ما أدى اليه من المخالفة. ولا بأس به عند صاحب الكفاية كما لا يخفى وجهه ولا ينافيه ما يظهر من الاخبار من كون وجوب التعلم إنما هو لغيره لا لنفسه حيث ان غاية ما يستفاد كون وجوبه لغيره لا بغيره وبين الأمرين فرق واضح لأن الأول إنما يفيد كون وجوبه توصلياً وان الحكمة فيه ترتب ذلك الغير عليه ولا يوجب كونه واجباً غيرياً ضرورة ان الغيري ما يترشح وجوبه من وجوب غيره فيكون مقدمياً.
نعم لو كان المستفاد هو الثاني لأوجب ذلك ولكن ليس كذلك بل المستفاد هو الأول ويكون وجوبه للتهيأ لايجابه أي ايجاب ذلك الغير فافهم لتعلم حقيقة ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره). وما ذكرناه من ان ظاهر الاخبار هو الوجوب المقدمي وانه مع ذلك
لنا محيص عن اشكال الاستحقاق وهو الذي عرفته وأقوى الوجوه بل لا محيص عنه هو الوجوب المعلق كما أسلفنا لك تحقيق ذلك في محله بما لا مزيد عليه هذا كله فيما يعود الى التبعة واما الاحكام المترتبة على العمل بالبراءة قبل الفحص فلا إشكال في وجوب الاعادة لو صلي بلا سورة عملًا بالبراءة عن وجوبها أو بلا ساتر كذلك في صورة المخالفة وتبين الوجوب بل لا إشكال في الاعادة في صورة الموافقة أيضاً فيما لو عمل مع علمه بحرمته عليه قبل الفحص وعدم غفلته عن ذلك حين الاداء ضرورة انه حينئذ لا يتأتى منه قصد القربة وإنما وجبت الاعادة في ذلك لعدم الاتيان بالمأمورية مع عدم دليل على الصحة والاجزاء في مثل ذلك إلا في صورة واحدة وهي الاتمام في موضع القصر دون العكس أو الاجهار أو الاخفات كل في موضع الآخر فورد في الصحيح وقد أفتى به المشهور صحة الصلاة وتماميتها في الموضعين مع الجهل مطلقاً ولو كان عن تقصير موجب لاستحقاق العقوبة على ترك الصلاة المأمور بها وهي القصر حيث يتم والاجهار أوالاخفات حيث يخفت أو يجهر لأن ما أتى به المكلف عن الصلاة وان صحت وتمت إلا انها ليست بمأمور بها فلا محالة يستحق العقاب على ترك ما أمر به.
ان قلت: كيف يحكم بصحتها مع عدم الأمر بها وكيف ما لم يؤمر به عما أمر به وكيف يصح الحكم باستحقاق العقوبة على ترك الصلاة التي أمر بها حتى فيما إذا تمكن مما أمر بها كما هو ظاهر
اطلاقاتهم في الحكم بالصحة والاستحقاق ويتصور التمكن بان علم بوجوب القصر أو الجهر بعد الاتمام والاخفات وقد بقى من الوقت مقدار اعادتها قصراً أو جهراً وفي مثل ذلك لا ينبغي الحكم بالصحة ولا الاستحقاق ضرورة انه لا تقصير هنا يوجب استحقاق العقوبة بل اللازم الحكم عليه بلزوم الاعادة وعدم الاستحقاق مع انهم حكموا بعدم وجوبها بل بحرمتها، وبالجملة كيف يمكن ان يحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة لولا الحكم شرعاً بسقوطها وصحة ما أتى بها؟
قلت: اما على ما حققناه سابقاً في مسألة الضد فالمسألة في غاية الوضوح وقد ذكرنا ان ما أتى به هو المأمور به فعلًا وان ما لم يأت به قد علقت فعليته على العلم بالموضوع وان سقوط الاعادة حينئذ على طبق القاعدة حيث ان الاتيان بالمأمور به يقتضي الاجزاء وانه لو سلم فساد ذلك كله كفى مصححاً لذلك ما حققناه من كيفية الترتيب وان استحقاق العقاب إنما هو على ترك السؤال والفحص اللازمين في حقه فراجع ذلك الباب ففيه الكفاية لاولي الالباب، واما ما يراه صاحب الكفاية (قدس سره) فذلك لانه إنما حكم بالصحة فيما أتى به من الصلاة التامة أو الاخفاتية من أجل اشتمالها على مصلحة تامة لازمة الاستيفاء في نفسها مهمة في حد ذاتها وان كانت دون مصلحة الجهر والقصر وإنما لم يؤمر بها مع اشتمالها على هذه المصلحة من أجل إنه قد أمر بما كانت واجدة لتلك المصلحة على النحو الأكمل
والوجه الأتم واما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فلعدم محل لها بعد اداء تلك الصلاة فإنها بلا فائدة إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في الصلاة المأمور بها ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلًا مع تمكنه من التعلم فقد قصر ولو علم بعده وقد وسع الوقت، فانقدح ان عدم الاعادة في جهة لانه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحه بعد فعل صلاة الاتمام ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلوات الاخفات وان كان الوقت باقياً.
ان قلت: على هذا لابد من الحكم بفساد كل منهما ضرورة أنه يكون حينئذ كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت ذي المصلحة الكاملة وهو الواجب فعلًا وما هو سبب لتفويت الواجب كذلك حرام ومن المعلوم ان حرمة العبادة موجبة لفسادها بل كلام؟
قلت: ان من الواضح ان كلًا منهما ليس سبباً لذلك بل غايته انه يكون مضاداً له وقد حققنا في محله عدم المقدمية في الضدين وان الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلًا فلا مقتضى للفساد. لا يقال على هذا الذي ذكرت من اشتمال المأتي به على المصلحة التامة الموجبة لعدم التمكن من استيفاء مصلحة المأمور به فلو صلى تماماً أو صلى اخفاتاً في موضع القصر والجهر مع العلم بوجهيهما في موضعهما لكانت صلواته صحيحة وان عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر؟ فانه يقال لا مانع من الالتزام بذلك
ولا بأس بالقول به لو دل دليل على انها تجزي مع العلم أيضاً ليستكشف منه انها تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم لاحتمال اختصاص ان يكون كذلك في اشتماله على المصلحة في صورة الجهل خاصة ولا بعد أصلًا في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم والجهل ومن هنا كان القول بالموضوعية في الاحكام الظاهرية بالمعنى الذي ذكرناه في محله قريباً جداً وان ما أدى اليه الطريق أو الأصل حال الجهل مشتملًا على مصلحة مساوية لمصلحة الواقع تكون هي المدار ما دام الجهل وتحقيقه قد تقدم مستوفي كما لا يخفى. هذا وقد صار بعض الفحول وهو جدنا كاشف الغطاء بصدد بيان امكان كون المأتي به في غير موضعه مأموراً به بنحو الترتب وقد حققنا في مبحث الضد قوة هذا القول جداً وضعف ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) من امتناع الأمر بالضدين مطلقاً ولو بنحو الترتب بما لا مزيد عليه فلا نعيد، كما حققنا أيضاً هناك امكان كونه مأموراً به لا بنحو الترتب بل بجعل الحكم الفعلي في حق الجاهل بالقصر هو الإتمام والثاني هو القصر وان الشرط في فعلية وجوب القصر العلم بالموضوع وهو كون صلاة السفر ركعتين فيكون الحكم بالاتمام كالحكم الظاهري بناءاً على الموضوعية وقد أوضحنا ذلك هناك فراجع ثم انه ذكر لأصل البراءة شرطان آخران محكيان عن الفاضل التوني:
أحدهما: ان لا يكون موجباً لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى.
ثانيهما: ان لا يكون موجباً للضرر على آخر، والظاهر ان المقصود من الشرط الأول عدم معارضته الأصل بمثله فان ظاهر العبارة كون المثبت للحكم الآخر هو اصالة البراءة في الطرف المقابل ومن المعلوم ان مثل هذا الحكم مع قطع النظر عن هذا الأصل مما يكون مورداً للبراءة في نفسه وإلا لم يثبت بمحض جريان الأصل في غيره فالغرض ان لا يكون أصل البراءة موجباً لثبوت حكم آخر كان الأصل فيه لولا هذا الأصل هو البراءة أيضاً إذ لو كان هذا الأصل حجة لزم من وجوده عدمه لجريانه في مورد الحكم الاخر أيضاً في نفسه القاضي بثبوت الحكم المنفي بأصل البراءة فلا يكون اصالة البراءة من وجوب اجتناب أحد الإنائين جارياً لاقتضاءه وجوب الاجتناب الاخر بعد العلم بوجوب اجتناب أحدهما ووجوب اجتناب الاخر أيضاً تجري فيه البراءة المقتضية لثبوت وجوب اجتناب ما كان مورداً للبراءة وهذا واضح والشرط المذكور وان كان شرطاً في مطلق الاصول بل الأدلة إلا ان كون المعارض حاصلًا بهذا النحو الناشيء من العلم بالتكليف وعدم العلم بالمكلف به مما يخص البراءة ضرورة انه في غيرها إنما ينشأ من العلم بجنس التكليف وعدم العلم بخصوصه لا من جهة المكلف به إلا في مثل تعارض البينات وبعض الاصول الموضوعية فتأمل. وكيف كان فالظاهر ارادة ما ذكرنا ولا ينبغي حمله على غير ذلك إذ لا يخفى عليك ان اصالة البراءة عقلًا ونقلًا في الشبهة البدوية بعد الفحص لا محالة تكون جارية لعدم
قضاء أدلتها بشرط آخر أو مانع آخر يوجب عدم جريانها واما عدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية التي ملاكها قبح العقاب بلا بيان والاباحة ورفع التكليف الثابت كل منهما بالبراءة النقلية فهما مترتبان عليها حيث تجري ولو كان أحدهما أو كلاهما موضوعاً لحكم شرعي أو ملازماً له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد احرازه وإلا لزم تخلف الحكم عن موضوعه بلا سبب وليس في أدلة البراءة ما يتوهم منه اشتراط عدم كون ما يحرز بهما من عدم استحقاق العقاب أو اباحة الفعل أو رفع التكليف موضوعاً لحكم آخر وحينئذ فان كان الحكم الاخر مرتباً على مثل هذا العدم ترتب بمجرد جريان الأصل وان لم يكن مترتباً عليه بل على نفي التكليف واقعاً فهي أي البراءة وان كانت جارية إلا ان ذاك الحكم لا يترتب لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها لعدم احراز الواقع ولا ما هو طريق اليه فان البراءة لا طريقية فيها الى الواقع وهذا الترتيب المذكور على النحو الأول وعدمه على النحو الثاني ليس بالاشتراط وعدمه وبالجملة فالمطلب من الواضحات ولا يحسن حمل كلمات الاعلام على مثل هذه الأوهام.
واما الشرط الثاني وهو اعتبار ان لا يكون جريانها موجباً للضرر فان كانت عبارة المشترط هذه ليس غير فيمكن ان يكون المراد اشتراط الفحص في بعض الشبهات الموضوعية وان جريانها في ذلك البعض مشروط بالفحص وإلا فالاحتياط ومنها المورد الذي يوجب