والوجه الأتم واما الحكم باستحقاق العقوبة مع التمكن من الاعادة فلعدم محل لها بعد اداء تلك الصلاة فإنها بلا فائدة إذ مع استيفاء تلك المصلحة لا يبقى مجال لاستيفاء المصلحة التي كانت في الصلاة المأمور بها ولذا لو أتى بها في موضع الآخر جهلًا مع تمكنه من التعلم فقد قصر ولو علم بعده وقد وسع الوقت، فانقدح ان عدم الاعادة في جهة لانه لا يتمكن من صلاة القصر صحيحه بعد فعل صلاة الاتمام ولا من الجهر كذلك بعد فعل صلوات الاخفات وان كان الوقت باقياً.
ان قلت: على هذا لابد من الحكم بفساد كل منهما ضرورة أنه يكون حينئذ كل منهما في موضع الآخر سبباً لتفويت ذي المصلحة الكاملة وهو الواجب فعلًا وما هو سبب لتفويت الواجب كذلك حرام ومن المعلوم ان حرمة العبادة موجبة لفسادها بل كلام؟
قلت: ان من الواضح ان كلًا منهما ليس سبباً لذلك بل غايته انه يكون مضاداً له وقد حققنا في محله عدم المقدمية في الضدين وان الضد وعدم ضده متلازمان ليس بينهما توقف أصلًا فلا مقتضى للفساد. لا يقال على هذا الذي ذكرت من اشتمال المأتي به على المصلحة التامة الموجبة لعدم التمكن من استيفاء مصلحة المأمور به فلو صلى تماماً أو صلى اخفاتاً في موضع القصر والجهر مع العلم بوجهيهما في موضعهما لكانت صلواته صحيحة وان عوقب على مخالفة الأمر بالقصر أو الجهر؟ فانه يقال لا مانع من الالتزام بذلك
ولا بأس بالقول به لو دل دليل على انها تجزي مع العلم أيضاً ليستكشف منه انها تكون مشتملة على المصلحة ولو مع العلم لاحتمال اختصاص ان يكون كذلك في اشتماله على المصلحة في صورة الجهل خاصة ولا بعد أصلًا في اختلاف الحال فيها باختلاف حالتي العلم والجهل ومن هنا كان القول بالموضوعية في الاحكام الظاهرية بالمعنى الذي ذكرناه في محله قريباً جداً وان ما أدى اليه الطريق أو الأصل حال الجهل مشتملًا على مصلحة مساوية لمصلحة الواقع تكون هي المدار ما دام الجهل وتحقيقه قد تقدم مستوفي كما لا يخفى. هذا وقد صار بعض الفحول وهو جدنا كاشف الغطاء بصدد بيان امكان كون المأتي به في غير موضعه مأموراً به بنحو الترتب وقد حققنا في مبحث الضد قوة هذا القول جداً وضعف ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) من امتناع الأمر بالضدين مطلقاً ولو بنحو الترتب بما لا مزيد عليه فلا نعيد، كما حققنا أيضاً هناك امكان كونه مأموراً به لا بنحو الترتب بل بجعل الحكم الفعلي في حق الجاهل بالقصر هو الإتمام والثاني هو القصر وان الشرط في فعلية وجوب القصر العلم بالموضوع وهو كون صلاة السفر ركعتين فيكون الحكم بالاتمام كالحكم الظاهري بناءاً على الموضوعية وقد أوضحنا ذلك هناك فراجع ثم انه ذكر لأصل البراءة شرطان آخران محكيان عن الفاضل التوني:
أحدهما: ان لا يكون موجباً لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى.
ثانيهما: ان لا يكون موجباً للضرر على آخر، والظاهر ان المقصود من الشرط الأول عدم معارضته الأصل بمثله فان ظاهر العبارة كون المثبت للحكم الآخر هو اصالة البراءة في الطرف المقابل ومن المعلوم ان مثل هذا الحكم مع قطع النظر عن هذا الأصل مما يكون مورداً للبراءة في نفسه وإلا لم يثبت بمحض جريان الأصل في غيره فالغرض ان لا يكون أصل البراءة موجباً لثبوت حكم آخر كان الأصل فيه لولا هذا الأصل هو البراءة أيضاً إذ لو كان هذا الأصل حجة لزم من وجوده عدمه لجريانه في مورد الحكم الاخر أيضاً في نفسه القاضي بثبوت الحكم المنفي بأصل البراءة فلا يكون اصالة البراءة من وجوب اجتناب أحد الإنائين جارياً لاقتضاءه وجوب الاجتناب الاخر بعد العلم بوجوب اجتناب أحدهما ووجوب اجتناب الاخر أيضاً تجري فيه البراءة المقتضية لثبوت وجوب اجتناب ما كان مورداً للبراءة وهذا واضح والشرط المذكور وان كان شرطاً في مطلق الاصول بل الأدلة إلا ان كون المعارض حاصلًا بهذا النحو الناشيء من العلم بالتكليف وعدم العلم بالمكلف به مما يخص البراءة ضرورة انه في غيرها إنما ينشأ من العلم بجنس التكليف وعدم العلم بخصوصه لا من جهة المكلف به إلا في مثل تعارض البينات وبعض الاصول الموضوعية فتأمل. وكيف كان فالظاهر ارادة ما ذكرنا ولا ينبغي حمله على غير ذلك إذ لا يخفى عليك ان اصالة البراءة عقلًا ونقلًا في الشبهة البدوية بعد الفحص لا محالة تكون جارية لعدم
قضاء أدلتها بشرط آخر أو مانع آخر يوجب عدم جريانها واما عدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية التي ملاكها قبح العقاب بلا بيان والاباحة ورفع التكليف الثابت كل منهما بالبراءة النقلية فهما مترتبان عليها حيث تجري ولو كان أحدهما أو كلاهما موضوعاً لحكم شرعي أو ملازماً له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد احرازه وإلا لزم تخلف الحكم عن موضوعه بلا سبب وليس في أدلة البراءة ما يتوهم منه اشتراط عدم كون ما يحرز بهما من عدم استحقاق العقاب أو اباحة الفعل أو رفع التكليف موضوعاً لحكم آخر وحينئذ فان كان الحكم الاخر مرتباً على مثل هذا العدم ترتب بمجرد جريان الأصل وان لم يكن مترتباً عليه بل على نفي التكليف واقعاً فهي أي البراءة وان كانت جارية إلا ان ذاك الحكم لا يترتب لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها لعدم احراز الواقع ولا ما هو طريق اليه فان البراءة لا طريقية فيها الى الواقع وهذا الترتيب المذكور على النحو الأول وعدمه على النحو الثاني ليس بالاشتراط وعدمه وبالجملة فالمطلب من الواضحات ولا يحسن حمل كلمات الاعلام على مثل هذه الأوهام.
واما الشرط الثاني وهو اعتبار ان لا يكون جريانها موجباً للضرر فان كانت عبارة المشترط هذه ليس غير فيمكن ان يكون المراد اشتراط الفحص في بعض الشبهات الموضوعية وان جريانها في ذلك البعض مشروط بالفحص وإلا فالاحتياط ومنها المورد الذي يوجب
جريان البراءة فيه ضرراً على الآخر كما لو ادعى شخص ديناً على رجل وكان المدعي عليه شاكاً فان إجراء البراءة عن ذلك الدين قبل الفحص موجب لضرر صاحب المال وموارد ذلك كثيرة وان كانت العبارة كما في كلام شيخنا العلامة حيث حكاها مذيلة بالتمثيل بفتح انسان قفص طائر فطار وحبس دابة فمات ولدها وامساك رجل فهربت دابته فيمكن ان يكون المراد ذلك أيضاً بتقريب ان الفتح والحبس والامساك مما يشك في دخولها في موضوع الاتلاف فلا يجوز اجراء البراءة فيها قبل الفحص بل اللازم الاحتياط ولو بالصلح ومن المعلوم ان الفحص في كل مورد بحسبه وهذا المعنى وان كان خلاف ظاهر العبارة جداً إلا ان ارادة غيره مما لا ينبغي صدوره من مثل هذا الفاضل لا لفساده بل لوضوح اشتراط جميع الأدلة والاصول بعدم كون موردها من موارد الضرر وإلا فكل مقام من تلك المقامات تعمه قاعدة نفي الضرر لحكومتها بل ورودها عليها على تقدير ان يستفاد من أدلتها المتواترة تقييد موضوعات الاحكام الأولية أو الثانوية أو الواقعية أو الظاهرية بعدم كونها مما فيها الضرر فهي جارية ورافعة الموضوع ولن لم يكن هناك مجال فيه لاصالة البراءة ولا خصوصية للبراءة بذلك كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالادلة الاجتهادية إلا انه إذا لوحظت مع هذه القاعدة حقيقة لا يبقى لها مورد كما عرفت ولا معنى لتسمية ذلك اشتراطاً بداهة ان ملاكها قبح العقاب بلا بيان والدليل الاجتهادي يكون بياناً وموجباً
للتكليف ولو ظاهراً فالورود بالنسبة الى الأدلة الاجتهادية من جهة واحدة وهي تقييد موضوعها بعدم الضرر وبالنسبة الى البراءة من جهتين تقييد الموضوع الذي يوجب تحقق الضرر ارتفاعه وكون الملاك بنحو يزول بمجرد قيام هذه القاعدة بلحاظ دليلها فان كان المراد من الاشتراط ذلك فلابد من اشتراط ان لا يكون على خلافها دليل اجتهادي لا خصوص قاعدة الضرر لعدم مزية توجب تخصيصها إلا انك عرفت ان حمل هذا الشرط على هذا المعنى بعيد من مثل الفاضل المذكور فتدبر والحمد لله على كل حال.
قاعدة الضرر
ثم إنه حيث انجر الكلام الى ذلك فلا بأس بصرف عنان الكلام الى بيان قاعدة نفي الضرروالضرار على نحو الاقتصار وتوضيح مدركها وشرح مفادها وإيضاح نسبتها مع الأدلة المثبتة للاحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية أو الثانوية وهي وان كانت أجنبية عن مقاصد الرسالة إلا ان صاحب الكفاية (قدس سره) تعرض لها اجابة لالتماس بعض الاحبة فلا بأس بالاقتداء به في ذلك، فأقول مستمداً من الله تعالى وبه أستعين: لا يخفى عليك انه قد استدل الاصحاب رضوان الله عليهم بهذه القاعدة في موارد كثيرة وقد استدل عليها بأخبار كثيرة أيضاً منها موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب بستان وكان سمرة يمر الى نخلته ولا يستأذن فكلمه الانصاري ان يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فجاء الانصاري الى النبي (ص) فشكى اليه فاخبر بالخبر فأرسل رسول الله وأخبره بقول الانصاري وما شكاه فقال: (إذا أردت الدخول فاستأذن) فأبى فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله فأبى ان يبيعه فقال: (لك بها عذق في الجنة) فأبى ان يقبل فقال رسول الله (ص) للانصاري: (اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانه لا ضرر
ولاضرار) وفي رواية الحداء عن أبي جعفر (ع) مثل ذلك إلا انه فيها بعد الاباء: (ما أراك يا سمرة إلا مضاراً اذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه) الى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة وغيرها وهي كثيرة وقد ادعى تواترها وهو مشكل مع اختلافها لفظاً ومورداً فليكن المراد به تواترها اجمالًا بمعنى القطع بصدور بعضها والانصاف إنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف بل ولا في دعواه بالمعنى الأول ضرورة ان اختلاف موارد ذكرها لفظاً ومورداً لا يوجب اختلافها بنفسها والمدعي تواترها معنى لا تواتر مورد ذكرها واختلاف الفاظها بحسب التأدية مع اتفاقها بحسب المعنى لا ينافي ذلك قطعاً وهذا مع استناد المشهور اليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها مع ان بعضها يعد رواية موثوقة فلا مجال للاشكال فيها من جهة سندها كما لا يخفى، واما دلالتها فالظاهر ان الضرر هو ما يقابل النفع من النقص في النفس أو في الطرف أو العرض أو المال لا مطلق النقص بل النقص الذي لا ينشأ عن سبب عقلاني موافق للغرض يقتضيه وإلا فاعطاء المال احساناً نقص فيه وليس بضرر وتقليم الاظافر بل والختان نقص في الطرف وليس بضرر وهذا واضح وبينهما تقابل العدم والمكله فالضرر هو نقص ما يقبل الاتصاف بالنفع كما ان الأظهر ان يكون الضرار ادخال الضرر على غيره ويكون المعنى والله أعلم لا شيء في دين الاسلام مما شرع ضرر على المكلف لا ابتداءاً ولا توليداً بما شرع في حق غيره