قضاء أدلتها بشرط آخر أو مانع آخر يوجب عدم جريانها واما عدم استحقاق العقوبة الثابت بالبراءة العقلية التي ملاكها قبح العقاب بلا بيان والاباحة ورفع التكليف الثابت كل منهما بالبراءة النقلية فهما مترتبان عليها حيث تجري ولو كان أحدهما أو كلاهما موضوعاً لحكم شرعي أو ملازماً له فلا محيص عن ترتبه عليه بعد احرازه وإلا لزم تخلف الحكم عن موضوعه بلا سبب وليس في أدلة البراءة ما يتوهم منه اشتراط عدم كون ما يحرز بهما من عدم استحقاق العقاب أو اباحة الفعل أو رفع التكليف موضوعاً لحكم آخر وحينئذ فان كان الحكم الاخر مرتباً على مثل هذا العدم ترتب بمجرد جريان الأصل وان لم يكن مترتباً عليه بل على نفي التكليف واقعاً فهي أي البراءة وان كانت جارية إلا ان ذاك الحكم لا يترتب لعدم ثبوت ما يترتب عليه بها لعدم احراز الواقع ولا ما هو طريق اليه فان البراءة لا طريقية فيها الى الواقع وهذا الترتيب المذكور على النحو الأول وعدمه على النحو الثاني ليس بالاشتراط وعدمه وبالجملة فالمطلب من الواضحات ولا يحسن حمل كلمات الاعلام على مثل هذه الأوهام.
واما الشرط الثاني وهو اعتبار ان لا يكون جريانها موجباً للضرر فان كانت عبارة المشترط هذه ليس غير فيمكن ان يكون المراد اشتراط الفحص في بعض الشبهات الموضوعية وان جريانها في ذلك البعض مشروط بالفحص وإلا فالاحتياط ومنها المورد الذي يوجب
جريان البراءة فيه ضرراً على الآخر كما لو ادعى شخص ديناً على رجل وكان المدعي عليه شاكاً فان إجراء البراءة عن ذلك الدين قبل الفحص موجب لضرر صاحب المال وموارد ذلك كثيرة وان كانت العبارة كما في كلام شيخنا العلامة حيث حكاها مذيلة بالتمثيل بفتح انسان قفص طائر فطار وحبس دابة فمات ولدها وامساك رجل فهربت دابته فيمكن ان يكون المراد ذلك أيضاً بتقريب ان الفتح والحبس والامساك مما يشك في دخولها في موضوع الاتلاف فلا يجوز اجراء البراءة فيها قبل الفحص بل اللازم الاحتياط ولو بالصلح ومن المعلوم ان الفحص في كل مورد بحسبه وهذا المعنى وان كان خلاف ظاهر العبارة جداً إلا ان ارادة غيره مما لا ينبغي صدوره من مثل هذا الفاضل لا لفساده بل لوضوح اشتراط جميع الأدلة والاصول بعدم كون موردها من موارد الضرر وإلا فكل مقام من تلك المقامات تعمه قاعدة نفي الضرر لحكومتها بل ورودها عليها على تقدير ان يستفاد من أدلتها المتواترة تقييد موضوعات الاحكام الأولية أو الثانوية أو الواقعية أو الظاهرية بعدم كونها مما فيها الضرر فهي جارية ورافعة الموضوع ولن لم يكن هناك مجال فيه لاصالة البراءة ولا خصوصية للبراءة بذلك كما هو حالها مع سائر القواعد الثابتة بالادلة الاجتهادية إلا انه إذا لوحظت مع هذه القاعدة حقيقة لا يبقى لها مورد كما عرفت ولا معنى لتسمية ذلك اشتراطاً بداهة ان ملاكها قبح العقاب بلا بيان والدليل الاجتهادي يكون بياناً وموجباً
للتكليف ولو ظاهراً فالورود بالنسبة الى الأدلة الاجتهادية من جهة واحدة وهي تقييد موضوعها بعدم الضرر وبالنسبة الى البراءة من جهتين تقييد الموضوع الذي يوجب تحقق الضرر ارتفاعه وكون الملاك بنحو يزول بمجرد قيام هذه القاعدة بلحاظ دليلها فان كان المراد من الاشتراط ذلك فلابد من اشتراط ان لا يكون على خلافها دليل اجتهادي لا خصوص قاعدة الضرر لعدم مزية توجب تخصيصها إلا انك عرفت ان حمل هذا الشرط على هذا المعنى بعيد من مثل الفاضل المذكور فتدبر والحمد لله على كل حال.
قاعدة الضرر
ثم إنه حيث انجر الكلام الى ذلك فلا بأس بصرف عنان الكلام الى بيان قاعدة نفي الضرروالضرار على نحو الاقتصار وتوضيح مدركها وشرح مفادها وإيضاح نسبتها مع الأدلة المثبتة للاحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية أو الثانوية وهي وان كانت أجنبية عن مقاصد الرسالة إلا ان صاحب الكفاية (قدس سره) تعرض لها اجابة لالتماس بعض الاحبة فلا بأس بالاقتداء به في ذلك، فأقول مستمداً من الله تعالى وبه أستعين: لا يخفى عليك انه قد استدل الاصحاب رضوان الله عليهم بهذه القاعدة في موارد كثيرة وقد استدل عليها بأخبار كثيرة أيضاً منها موثقة زرارة عن أبي جعفر (ع) ان سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب بستان وكان سمرة يمر الى نخلته ولا يستأذن فكلمه الانصاري ان يستأذن إذا جاء فأبى سمرة فجاء الانصاري الى النبي (ص) فشكى اليه فاخبر بالخبر فأرسل رسول الله وأخبره بقول الانصاري وما شكاه فقال: (إذا أردت الدخول فاستأذن) فأبى فلما أبى فساومه حتى بلغ من الثمن ما شاء الله فأبى ان يبيعه فقال: (لك بها عذق في الجنة) فأبى ان يقبل فقال رسول الله (ص) للانصاري: (اذهب فاقلعها وارم بها إليه فانه لا ضرر
ولاضرار) وفي رواية الحداء عن أبي جعفر (ع) مثل ذلك إلا انه فيها بعد الاباء: (ما أراك يا سمرة إلا مضاراً اذهب يا فلان فاقلعها وارم بها وجهه) الى غير ذلك من الروايات الواردة في قصة سمرة وغيرها وهي كثيرة وقد ادعى تواترها وهو مشكل مع اختلافها لفظاً ومورداً فليكن المراد به تواترها اجمالًا بمعنى القطع بصدور بعضها والانصاف إنه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف بل ولا في دعواه بالمعنى الأول ضرورة ان اختلاف موارد ذكرها لفظاً ومورداً لا يوجب اختلافها بنفسها والمدعي تواترها معنى لا تواتر مورد ذكرها واختلاف الفاظها بحسب التأدية مع اتفاقها بحسب المعنى لا ينافي ذلك قطعاً وهذا مع استناد المشهور اليها موجب لكمال الوثوق بها وانجبار ضعفها مع ان بعضها يعد رواية موثوقة فلا مجال للاشكال فيها من جهة سندها كما لا يخفى، واما دلالتها فالظاهر ان الضرر هو ما يقابل النفع من النقص في النفس أو في الطرف أو العرض أو المال لا مطلق النقص بل النقص الذي لا ينشأ عن سبب عقلاني موافق للغرض يقتضيه وإلا فاعطاء المال احساناً نقص فيه وليس بضرر وتقليم الاظافر بل والختان نقص في الطرف وليس بضرر وهذا واضح وبينهما تقابل العدم والمكله فالضرر هو نقص ما يقبل الاتصاف بالنفع كما ان الأظهر ان يكون الضرار ادخال الضرر على غيره ويكون المعنى والله أعلم لا شيء في دين الاسلام مما شرع ضرر على المكلف لا ابتداءاً ولا توليداً بما شرع في حق غيره
وبعبارة أخرى لم يشرع حكم ضرري متعلق بالمكلف ابتداءاً ولا بواسطة مشروعيه في حق غيره والمناسب للمقام وهو الثاني الذي هو الضرار فانه لو جاز شرعاً ابقاء سمرة للعذق لدخل منه الضرر على الانصاري ومن المعلوم ان نفي هذا لا ينبغي وجوب الوضوء إذا توقف على دفع المال الضار وكذا نفي الضرر وحده لا ينفي الضرر المتولد من مشروعية حكم في حق غيره لا ضرر فيه على ذلك الغير لظهوره جداً في نفي المتعلق ابتداءاً والمناسب في مورد الرواية ان يكون الضرار بهذا المعنى لا بمعنى الضرر جيء به تأكيداً خلافاً لصاحب الكفاية كما يشهد به اطلاق المضار على سمرة فانه قرينة على ان المراد بالضرار ادخال سمرة للضرر على الانصاري ولا شهادة له بما ذكره صاحب الكفاية من تساويهما معنى وانه لا فائدة في التكرار إلا التأكيد كما لا يخفى على ذي الرأي السديد. وحكي عن النهاية انه حكماً ما ذكره صاحب الكفاية في معنى اللفظين في الرواية عن بعض حيث قال في آخر كلامه ما هذا نصه: وقيل هما بمعنى والتكرار للتأكيد ولكنك عرفت ضعف هذا القول ولا أقل من ان الحمل على التأسيسي أولى من التأكيد فظهر لك ان ما يظهر من صاحب الكفاية من كون المحكي عن النهاية مساواتهما في غير محله لما عرفت من عدم كونه مذهباً له وإنما حكاه بلفظ القيل وكما لم يكن المراد منه ذلك لا يكون المراد به أيضاً فعل الاثنين وان كان هو الأصل في باب المفاعلة ولا الجزاء على الضرر لعدم تعاهده
بهذا المعنى في كل ما كان من باب المفاعلة وان ذكر هذين المعنيين للضرار جماعة من اللغويين وبالجملة لم يثبت له معنى آخر غير ما ذكرنا من ادخال غيره وما ذكره صاحب الكفاية من كونه هو الضرر أو لم يرد معنى آخر منه في هذا الحديث وان ثبت وكان صاحب الكفاية قصر نظره على ما ذكره بعض أهل اللغة فاقتصر على المعنى الذي استحسنه ولم يلتفت الى ما ذكرنا وأنت قد عرفت ما هو الظاهر من لفظ الحديث كما يلزم ان تعرف ان الظاهر ان يكون لا لنفي الحقيقة كما هو الأصل في هذا التركيب مما سلط النفي فيه على أصل الموضوع كالصلاة إلا بطهور ولا اله إلا الله غير ان نفي الحقيقة اما ان يكون حقيقة أو ادعاء ويكون النفي الادعائي كناية عن نفي الآثار كما هو الظاهر من مثل (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) وفي مثل (يا أشباه الرجال ولا رجال) فان قضية البلاغة في الكلام هو ارادة نفي الحقيقة ادعاء لأنه هو المطابق لمقتضى الحال من ترغيب المكلفين وحثهم على عدم ايقاع الصلاة إلا في المسجد ولا يناسب ذلك ارادة نفي الحكم أو الصفة بان يكون المعنى لا تستحب الصلاة أو لا صلاة كاملة كما لا يخفى ومن الواضح لدى البلغاء ان نفي الحقيقة ادعاءاً بلحاظ الحكم أو الصفة غير نفي أحدهما ابتداءاً مجازاً في التقدير كما عرفته أو في الكلمة بان يراد ذلك من لفظ الصلاة فان الفرق بينهما بحسب البلاغة. مما لا يخفى على من له أدنى معرفة بالبلاغة وقد انقدح بذلك قرب ارادة نفي
الحقيقة ادعاءاً في الرواية بعد ارادة نفي الحكم الضرري أو الضرر غير المتدارك أو ارادة النهي من النفي فان احتمال ارادة أحد هذه المعاني بعيد جداً ضرورة بشاعة استعمال الضرر وارادة خصوص سبب من أسبابه كالحكم أو خصوص غير المتدارك منه ومثله لو اريد نفي ذلك لكن بنحو التقييد لا بنحو المجاز وارادة الصفة فإنه وان لم يكن اعتباراً ببعيد إلا انه تقييد وهو بلا دلالة عليه غير سديد. واما ارادة النهي من النفي فهو وان كان ليس بعزيز إلا أنه لم يعهد من مثل هذا التركيب وذلك مما يوجب بعده جداً وعدم امكان ارادة نفي الحقيقة حقيقة لا يكاد يكون قرينه على ارادة واحد منها بعد امكان حمله على ما لا يعد فيه بل هو الظاهر من مثل هذا التركيب جداً وهو نفيها ادعاءاً بل كان هو الغالب في موارد استعماله، هذا ثم انه بناءاً على ارادة نفي الحكم أو على ارادة نفي الحقيقة ادعاء بلحاظ الحكم فيجب ان يعلم ان الحكم الذي اريد نفيه بنفي الضرر هو الحكم الثابت للافعال بعناوينها أو المتوهم ثبوته لها كذلك أي بعناوينها في حال الضرر فإذا لوحظ دليل نفي الضرر مع الأدلة المثبتة لتلك الاحكام كان بمنزلة استثناء الاضطرار في إلا ما اضطر ثم اليه فيكون ذلك الحكم الثابت للموضوع بعنوانه مرتفعاً عنه إذا تلبس بعنوان الضرر كما كان كذلك إذا تلبس بعنوان النسيان أو الخطأ وكما ان دليل رفع الخطأ على ما عرفت سابقاً إنما يرفع ذلك الحكم بعروضه ولا يعقل ان يرتفع به الحكم الثابت له بعنوانه كما في قتل