باطل لأن استصحاب الحدث في حال الصلاة بعدما التفت بعدها يقتضي أيضاً فسادها لسراية الشك؟ فإنه يقال نعم ذلك يقتضي الفساد لولا حكومة قاعدة الفراغ المقتضية لصحتها المقدمة بحكومتها على أصالة فسادها ويظهر من حكمهم بصحة الصلاة لو شك بعدها في انه أحدث قبلها أو لا مع سبق يقين الطهارة واستنادهم فيه الى قاعدة الشك بعد الفراغ دون الاستصحاب ان اشتراط فعلية الشك من المسلمات إذ لولا ذلك لكان الاستناد الى الاستصحاب متعيناً لحكومته على القاعدة كما لا يخفى، اللهم إلا أن يكون مبنياً على ما أفاده شيخنا العلامة استاذ المحققين في غير مورد من رسائله بأنه مع القاعدة لا مجرى للاستصحاب وان جزم بخلافه في طهارته بالنسبة الى قاعدة طهارة الماء واستصحابها وعليه فلا شهادة في ذلك على ما ذكرنا.
الثاني من التنبيهات: انه هل يكفي في صحة الاستصحاب الشك في بقاء شيء فعلًا كونه متيقناً على تقدير ثبوته وان لم يحرز ثبوته وذلك فيما رتب عليه أثر شرعاً أو عقلًا أو لا يكفي إلا تيقن ثبوته فعلًا اشكال ينشأ من عدم احراز الثبوت فلا يقين ولا بد منه لأنه أحد ركني الاستصحاب بل ولا شك لتفرع فعليته وثبوته على فعلية اليقين وثبوته فلا يكون فعلياً فانه معلق على تقدير لم يثبت وهو تقدير ثبوت ما شك في بقاءه ومن ان اعتبار اليقين إنما هو من أجل ان التعبد والتنزيل شرعاً إنما هو في البقاء لا في الحدوث فيكفي
الشك فيه على تقدير الثبوت فيتعبد به على هذا التقدير فيترتب عليه الاثر فعلًا فيما كان أثراً مهماً والظاهر ان مبنى المسألة أن اليقين بشيء والشك في بقاءه المأخوذين في موضوع الاستصحاب هل أخذا على نحو الطريقية أو الموضوعية؟ وتظهر الثمرة فيما لو انكشف فساد أحدهما فانه بناءاً على الطريقية ينكشف معه فساد الاستصحاب وانه كان استصحاباً ظاهريا، وبناءاً على الموضوعية فالاستصحاب على حاله إلا أن المستصحب لا يكفي إذا انكشف فساد اليقين ولا حاجة إليه إذا انكشف فساد الظن فالشاك في بقاء طهارته بعد اليقين بثبوتها إذا صلى ثم تبين له فساد يقينه فالحكم بفساد صلاته تارة لعدم الطريق وذلك بناءاً على الأول وأخرى لعدم كفاية مؤداه بعد الإنكشاف وتظهر الثمرة أيضاً فيما لو قامت الحجة الظنية بناءاً على أنها في صورة الخطأ عذر ليس غير على حكم واقعي فإنها لا توجب اليقين بثبوته وإنما توجب احتماله فلو شك في بقاء ذلك الحكم على تقدير ثبوته بإصابة الحجة فبناءاً على أنهما موضوعان لاطريقان فلا موضوع للاستصحاب لعدم وجودهما واما بناءاً على أنهما طريقان فالاستصحاب لا مانع منه لعدم الحاجة الى فعلية الطريق بعد ان كان الشك إنما هو على تقدير الثبوت لعدم الحاجة مع التقدير والغرض الى الإحراز فعلًا ليحتاج الى الطريق فعلًا مع ان الحجة على الثبوت تعبداً حجة على البقاء تعبداً قطعاً فيكون البقاء كالثبوت في إصابة الحجة خطاها فإذا شك فيه وكان هناك أثر استصحب ورتب. ولعل هذا هو الأظهر بعد التأمل في أخبار الباب وفاقاً
لصاحب الكفاية (قدس سره) وبه يمكن ان يثبت كما عرفت عما قيل في استصحاب الأحكام التي قامت الامارات المعتبرة على مجرد ثبوتها وقد شك في بقائها على تقدير ثبوتها من الإشكال على من قال بجريانه بانه لا يقين بالحكم الواقعي ولا يكون هناك حكم آخر فعلي بناءاً على ما هو التحقيق عند صاحب الكفاية من أن قضية حجية الامارة ليس إلا تنجز التكاليف المؤدية إليها مع الاصابة والعذر مع المخالفة كما هو قضية الحجة المعتبرة عقلًا كالقطع والظن في حال الإنسداد بناءاً على تقدير الحكومة فتكون الحجة الشرعية كالحجة العقلية اصابة وخطأ لا ان قضيتها انشاء أحكام فعلية شرعية ظاهرية كما هو ظاهر الأصحاب وتوضيح وجه الذب بذلك أن الحكم الواقعي الذي هو مؤدى الطريق حينئذ محكوم بالبقاء بدليل الاستصحاب فتكون الحجة على ثبوته تعبدا هي حجة على امكان بقاءه على تقدير الثبوت تعبداً للملازمة بينه أي بين بقاءه وبين ثبوته واقعا. لا يقال ان المتيقن حين قيام الامارة هو الحكم الواقعي ظاهرا فيحكم ببقاءه عند الشك فيه بالاستصحاب تعبداً؟ لأنا نقول بناءاً على العذرية لا يقين بالحكم الواقعي ظاهراً بل بقيام الامارة وكيف يحصل اليقين مع احتمال العذرية.
فإن قلت كيف يجري الاستصحاب على فرض اليقين وقد اخذ اليقين بالشيء فعلًا في التعبد ببقاءه في الأخبار ولا يقين في فرض تقدير الثبوت؟
قلت: نعم قد اخذ كذلك ولكن الظاهر ما ذكرنا من عدم
أخذه على جهة الموضوعية وانه إنما أخذ على جهة الطريقية كشفاً عنه ومرآتاً لثبوته ليكون التعبد في بقاءه والتعبد مع فرض ثبوته إنما يكون في بقائه فلا يحتاج الى فعلية اليقين بالثبوت.
فإن قلت ما ذكرته من جهتي الموضوعية والطريقية في اليقين واضح فما بال الشك؟
قلت: المقصود واضح فإن الغرض من طريقية الشك عدم موضوعيته الموجبة للزوم تحققه فعلًا المستلزم لتحقق اليقين فعلًا في جريان الاستصحاب لا الطريقية بالمعنى الظاهر كما لا يخفى على الماهر فافهم هذا واما بناءاً على ما هو المشهور من كون المؤديان اما حقيقة ظاهرية كما اشتهر من أن ظنية الطريق لا تنافي قطعية الحكم ففي المقام تفصيل وهو أنه أرادوا من كون المؤديات احكاماً كونها كذلك في صورتي اصابة الطريق وخطأه فالاستصحاب جار بلا اشكال لوجود حكم ظاهري مقطوع به الشك في بقاءه إلا أنا قد حققنا في رسالة كنز التحقيق أنه لم يقل بذلك أحد وان محل الكلام إنما هو صورة الخطأ وفي صورة الاصابة لا حكم إلا الواقع وان أرادوا هذا الذي ذكرنا فالاستصحاب أيضاً جاري لأن الذي شك في بقاءه هو مدلول الامارة ومؤداها المقطوع بثبوته ظاهراً فإن كانت الامارة مصيبة كان الموضوع هو الحكم الواقعي وكان التعبد ببقاءه بالنسبة إليه وان كان غيره كان غيره فالحكم الواقعي مع احتمال اصابة الامارة محتمل البقاء فيتعبد ببقاءه لا يقال الاحكام المستصحبة
هي ما كانت فعلية حدوثاً وبقاءا فإذا قطع بعدم فعليتها بالنسبة الى أحد الأمرين فضلًا عن كليهما فلا استصحاب والمفروض في المقام القطع بعدم فعلية الحكم الواقعي بقاءاً ضرورة ان الفعلية إنما تتحقق بقيام الامارة والامارة إنما قامت على مجرد الثبوت فلو كان باقياً في الواقع فليس بفعلي؟ لأنا نقول انه إذا ثبتت فعليته حدوثاً بقيام الأمارة ثبتت فعلية بقاءاً بلا تنقض هكذا ينبغي أن يقال في توضيح المرام.
الثالث من التنبيهات: لا يخفى انه لا فرق في المتيقن السابق بين كونه خصوص أحد الأحكام الخمسة كالوجوب والحرمة مثلًا أو ما يشترك بين الاثنين منها كطلب الفعل المشترك بين الوجوب والندب وطلب الترك المشترك بين الحرمة والكراهة أو بين الأزيد كجواز الفعل المشترك بين الأربعة والاشتراك لابد فيه من أمر عام يعم الأفراد الداخلة تحته وهو المعروف باستصحاب الكلي فان كان الشك في بقاء ذاك العام من جهة الشك في بقاء ذاك الخاص الذي كان في ضمنه وارتفاعه كان استصحابه أي العام كاستصحابه أي الخاص بلا كلام لبداهة عدم الفرق بين الشك في بقاء طلب الفعل من جهة بقاء خصوص الوجوب الذي هو في ضمنه والشك في بقاء خصوص الوجوب ابتداءاً في لزوم البناء على البقاء وان كان الشك فيه من جهة تردد الخاص الذي في ضمنه بين ما هو باق وما هو مرتفع قطعاً كما لو شك في بقاء طلب الفعل لتردده بين كون الخاص
الذي في ضمنه هو الندب الباقي جزماً أو الوجوب المرتفع جزماً فكذا لا اشكال في استصحابه لجمعه للشرائط فقده للموانع فيترتب عليه حال الشك كافة ما يترتب عليه حال اليقين عقلًا أو شرعاً من أحكامه ولوازمه.
نعم لا يترتب شيء من آثار خصوص كل واحد من الفردين لعدم إحرازه، أما بالنسبة الى المرتفع فواضح واما بالنسبة الى الباقي فلعدم حجية المثبت من الاستصحاب واما ما توهم من ان تردد ذاك الخاص الذي يكون الكلي موجوداً في ضمنه والذي يكون وجوده بعين وجوده بين متيقن الارتفاع فلا نقض بالنسبة إليه جزماً ومشكوك الحدوث المحكوم بعدم حدوثه للأصل فلا نقض أيضاً بالنسبة إليه تعبداً موجب لعدم محل لجريان الاستصحاب لعدم نقض اليقين فيه بالشك لو لم يرتب الأثر فهو ضعيف جداً ضرورة ان هذا التردد غير ضائر باستصحاب الكلي المتحقق في ضمنه مع عدم إخلاله باليقين والشك في حدوثه وبقاءه الذين هما ركنا الاستصحاب غاية الأمر أن منشأ الشك بعد اليقين بالحدوث هو هذا التردد وإنما توهم المتوهم لحسبانه ان هذا التردد قد كان هو التردد بين الفردين في كونه ضائراً باستصحاب أحد الخاصين قطعاً الذين كان أمره مردداً بينهما ووجه الضرر واضح لاخلاله باليقين الذي هو أحد ركني الاستصحاب إذ لا موضوع لليقين ببقاء المرتفع لارتفاعه ولا ببقاء الباقي لغرض الشك في حدوثه كما لا يخفى.
نعم يجب رعاية التكاليف المعلومة اجمالًا المترتبة على الخاصين فيما علم تكليف في البين لأن أصالة عدم تحقق آثار كل من الخصوصيتين إنما تجري حيث لا مانع كما في الشبهة المحصورة فلو علم وجوب اكرام زيد مثلًا على تقدير وجوب رؤية الهلال أو ندبه فأصالة عدم آثار كل منهما لا تجري بالنسبة الى هذا الأثر لمنافاته للعلم الاجمالي المنجز للتكليف بل تتساقط الأصول ويجب الاحتياط بالنسبة الى هذا الأثر كما هو واضح واما توهم عدم جريان استصحاب الكلي لمحكوميته باستصحاب عدم حدوث الفرد من جهة كون الشك في بقاء الكلي الذي في ضمن ذاك الفرد المردد مسبباً عن الشك في حدوث الخاص المشكوك حدوثه إذ لا منشأ لاحتمال بقائه بعد القطع بارتفاع الفرد الآخر إلا احتمال حدوث المشكوك المحكوم بعدم الحدوث بأصالة عدمه فهو فاسد قطعاً لعدم ملاك الحكومة وهو السببية والمسببية لوضوح كون بقاءه أي بقاء القدر المشترك وارتفاعه ليس من لوازم حدوثه أي حدوث الفرد المشكوك وعدم حدوثه بل ارتفاع القدر المشترك أو بقاءه من لوازم كون الحادث المتيقن هو ذاك الفرد المتيقن الارتفاع للقطع بانه لو كان هو الفرد المتيقن لم يبق القدر المشترك أو البقاء للقطع بانه لو كان الحادث هو متيقن البقاء لبقى القدر المشترك فلم يكن ارتفاعه من آثار عدم حدوث مشكوك الحدوث ليترتب على أصالة عدمه فلا يبقى موضوع حتى يستصحب بقاءه هذا مع ان بقاء القدر
المشترك إنما هو بعين بقاء الخاص الذي في ضمنه لا انه من لوازمه ليكون الشك سببياً ومسبباً كذا أفاد (قدس سره) وفيه انه إثبات لمطلب الخصم فانه إذا كان بقاء القدر المشترك بقاء الخاص عينه كان حدوثه حدوثه عينه وإذا كان بقاء الكلي الذي هو بقاء الخاص المتيقن للارتفاع مقطوع الارتفاع أيضاً لم يبق إلا بقاءه الذي هو بقاء الخاص المشكوك الحدوث فيكون الكلي مشكوك الحدوث أيضاً لما فرض من العينية بقاء المستلزمة عقلًا بالضرورة للعينة حدوثاً فاصالة عدم حدوثه اصالة عدم حدوث الكلي وتسميته ارتفاعاً لا معنى له بعد دعوى العينية والقطع بعدم بقاءه بالنسبة الى المتيقن الارتفاع فيؤل قولنا ان ارتفاعه من آثار عدم حدوث مشكوك الحدوث فيثبت باصالة عدمه الى ثبوت عدم حدوثه بنفسه بذلك الأصل لغرض العينية فالصواب هو ما سبق من الجواب مضافاً الى سيجيء منه (قدس سره) مما يقتضي بطلان دعوى العينية فانتظر. هذا على انه لو سلم انه أي البقاء من لوازم حدوث المشكوك فلا شبهة في كون هذا اللزوم عقلياً فيكون لزوم عدم بقاءه لعدم حدوثه أيضاً كذلك ولا يكاد يترتب بأصالة عدم الحدوث إلا ما هو من لوازمه واحكامه شرعاً وعدم بقاء القدر المشترك ليس كذلك بل من لوازمه عقلًا فلا يثبت به. هذا كله فيما إذا كان الشك في بقاء الكلي لتردده بين فردين مقطوع الارتفاع ومشكوك الحدوث واما إذا كان الشك في بقاءه من جهة الشك في قيام خاص آخر في مقام ذاك الخاص الذي