وجنانه عن صفة الجبن الردية رأيت ما ذكرناه مطابقاً للوجدان والبرهان وان قل فيه الأتباع والأعوان فان المتبع ما يقضي به الدليل لا ما يقال أو قيل والله الهادي الى سواء السبيل.
نعم لا يبعد أن يكون الموضوع مع كون الزمان قيداً يكون بحسبه متحداً فيما إذا كان الشك في بقاء حكمه من جهة الشك في أنه بنحو التعدد المطلوبي وان حكمه بتلك المرتبة التي كان فيها مع ذاك الوقت المأخوذ قيداً فيه وان لم يكن باقياً بعده قطعاً إلا انه يحتمل بقاءه بما دون تلك المرتبة من مراتبه فيستصحب كما قيل من ان القضاء تابع للاداء وان تقييد الوجوب بالوقت إنما هو بمرتبة من مراتبه وفي خارج الوقت بمرتبة أخرى وعليه فلا محل للبراءة كما هو واضح فتأمل جيداً.
ازاحة وهم:
لا يخفى ان الطهارة الحدثية والخبثية وما يقابلهما كالحدث بقسميه في الأولى والنجاسة في الثانية يكون الشك فيها من جهة الرافع لا من جهة المقتضى لأنها مما إذا وجدت بأسبابها كالوضوء والغسل بالنسبة الى الأولى والحدث بقسميه بالنسبة الى ما يقابلها واستعمال المطهر في الثانية وملاقاة سائر النجاسات فيما يقابلها لا يكاد يشك في بقائها إلا من قبل الشك في الرافع لها لا من قبل الشك في مقدار تأثير أسبابها ضرورة انها بمقتضى دليلها إذا وجدت
بها كانت تبقى ما لم يحدث رافع لها سواء كانت الطهارة والنجاسة من الأمور الخارجية أو من الاحكام الوضعية المعدودة من الامور الاعتبارية التي كانت لها آثار شرعية فلا أصل لأصالة عدم جعل الوضوء سبباً للطهارة بعد المذي وكذا أصالة عدم جعل الملاقاة سبباً للنجاسة بعد الغسل مرة كما حكي عن بعض الأفاضل من اجراء هذين الأصلين لأثبات وجوب الوضوء بعد المذي وكفاية المرء في غسل النجاسات والتطهير منها وقد عرفت أنهما أصلان غير أصلين وأنه لا يكون ههنا إلا أصالة الطهارة في الأول أو النجاسة في الثاني كما لا يخفى.
الخامس من التنبيهات: لا يخفى انه كما لا اشكال في جريان الاستصحاب فيما إذا كان المتيقن حكماً فعلياً مطلقاً لا ينبغي الاشكال في جريانه فيما إذا كان مشروطاً معلقاً ضرورة ان الملاك فعلية اليقين والشك حدوثاً وبقاءاً وهو موجود وكون المتيقن الحدوث على أي نحو يكون حدوثه لا يوجب خللًا في ركيته وملاكه أصلًا فلو شك في مورد من أجل طرو بعض الحالات عليه في بقاء أحكامه ففيما صح استصحاب أحكامه المطلقة صح استصحاب أحكامه المعلقة ولعدم الاختلال بذلك فيما اعتبر في قوام الاستصحاب من اليقين ثبوتاً والشك بقاءاً وأما توهم أنه لا وجود للمعلق قبل وجود ما علق عليه فاختل بذلك أحد ركنيه وهو اليقين ثبوتاً فاسد جداً فإن المعلق قبله أي قبل وجود المعلق عليه إنما
لا يكون موجوداً فعلًا لا أنه لا يكون موجوداً أصلًا بل المتيقن ثبوته وهو الحرمة المعلقة موجود فعلًا ضرورة ان المتيقن هو الحكم بما هو معلق لا مطلق الحكم وهو بهذا الوصف موجود فعلًا ولذا يصح الحمل عليه فتقول الحكم المعلق ثابت واما غير الموجود فعلًا أو الموجود بعد وجود المعلق عليه فلا حاجة في الاستصحاب إليه، فتسليم صاحب الكفاية عدم وجود الفعلي لا وجه له على انه ربما يضر بالاستصحاب فيما أريد ترتيب آثار البقاء فعلًا كما لا يخفى، على انه لا وجه لتسليم عدم الوجود فعلًا مع الاعتراف بأن المتيقن هو وجوده ولو بنحو التعليق قال (قدس سره): كيف والمفروض انه مورد فعلًا للخطاب بالتحريم مثلًا أو الايجاب فكان على يقين منه؟ قيل طرو الحالة فيشك فيه بعده.
قلت: بعد الاعتراف بعدم وجود الحكم فعلًا فلا ينفع وجود الخطاب فعلًا بالتحريم غير العقلي إذ المتيقن هو المخاطب به وهو الحرمة لا الخطاب نفسه فينحصر الوجه فيما ذكرنا من كفاية فعلية المتيقن ولو بوصف كونه معلقاً ولا يعتبر في الاستصحاب إلا الشك في بقاء شيء كان على يقين من ثبوته واختلاف نحو ثبوته لا يكاد يوجب تفاوتاً في ذلك. وبالجملة إذا كان الدليل دالًا على ثبوت الحرمة على تقدير كذا ولم يعلم ثبوت الحرمة الموصوفة بكونها على تقدير كذا في حال كذا يكون الاستصحاب متمماً لدلالة الدليل على الحكم فيما أهمل وأجمل سواء كان الحكم مطلقاً أم معلقاً فببركته
يعم الحكم المختص بالحال الأولى للحالة الطارئة اللاحقة فتكون حكماً كالحالة السابقة فيحكم مثلًا بأن العصير الزبيبي يكون على ما كان عليه سابقاً في حال عنبيته من أحكامه المطلقة والمعلقة لو شك فيها فيقال عند غليان الزبيب والشك في نجاسته عند الغليان هذا في حال كونه عنباً كان ينجس إذا غلا فيثبت له هذا الحكم حال كونه زبيباً بالاستصحاب فالنجاسة المقيدة بالغليان موجودة فعلًا في حال العنبية فتثبت في حال الزبيبية فكما يحكم ببقاء ملكيته وهي حكم مطلق يحكم بحرمته على تقدير غليانه وهي حكم معلق إلا أن كليهما موجودان فعلًا على النهج الذي عرفت.
ان قلت نعم لا مانع من جريان الاستصحاب لخلل في اركانه ولكنه لا مجال لاستصحاب المعلق لمعارضته باستصحاب ضده وهو الحكم المطلق الفعلي فيعارض استصحاب الحرمة المعلقة للعصير باستصحاب حليته المطلقة المحققة قبل الغليان.
قلت: هذا السؤال ناشيء عن الغفلة عن حقيقة الحال فان عصير العنب حلال فعلًا الى أن يحصل الغليان وحرام إذا حصل وهذان الحكمان لا مضادة بينهما فإذا صار العنب زبيباً فاستصحاب حليته حال عنبيته الى أن يغلي وحرمته إذا غلى الموجبين لحرمته فعلًا بعد الغليان لحصول المعلق عليه في الحرمة والغاية في الحلية أي مضادة بينهما، وصاحب الكفاية حريصاً على بيان هذا المعنى أطنب في البيان حتى انعكس التوضيح الى الاغلاق ولكن حقيقة مقصوده
ما ذكرنا فإن الضد وهو الحلية لا يكاد يضر استصحابه حال كونه على نحو كان قبل عروض الحالة وهي الزبيبية التي شك بسببها في بقاء حكم المعلق بعده أي بعد العروض فان منشأ الشك في حرمته عند الغليان عروض الزبيبية عليه ضرورة أنه أي الضد كان مغيا بعدم ما علق عليه المعلق وهو الغليان فانه شرط للمعلق وغاية لضده وما كان كذلك لا يكاد يضر ثبوته بعده أي بعد العروض بالقطع فضلًا عن الاستصحاب لعدم المضادة بينهما إذ هو ليس بأكثر من ثبوته قبل العروض حين كان الزبيب عنباً وكان معاً مجتمعين بنحوي ثبوتهما فيكونا الحرمة المعلقة والحلية المطلقة المغيات بالغليان بعد عروضها أي عروض حالة الزبيبية ثابتين بالاستصحاب كما كانا معاً ثابتين بالقطع قبل العروض بلا منافاة أصلًا وقضية ذلك النحو من الثبوت قطعاً حال العنبية واستصحاباً حال الزبيبية انتفاء حكم المطلق وهو الحلية بمجرد ثبوت ما علق عليه الحكم المعلق وهو الحرمة ضرورة تحقق غاية ثبوته وهو الغليان الموجب لتحقق الحكم المعلق لحصول شرطه فالغليان في المثال كما كان شرطاً للحرمة كان غاية للحلية فإذا شك في حرمته المعلقة بعد عروض حالة عليه هي الزبيبية شك في حلية المغيات لا محالة أيضاً لتلازمهما في صورة القطع قبل العروض فيكون الشك في حليته أو حرمته فعلًا بعد عروضها أي عروض حالة الزبيبية متحداً خارجاً مع الشك في بقاءه على ما كان عليه من الحلية والحرمة بنحو كانتا عليه، وبعبارة أخرى كما أنه يمكن
الشك في حدوث الحلية والحرمة بعد عروض الحالة الزبيبية من دون تناف بينهما يمكن الشك في بقاء هذين الحكمين الثابتين قبل عروض تلك الحالة لاتحاد الشكين خارجاً فقضية استصحاب حرمته المعلقة على الغليان بعد عروضها أي عروض تلك الحلة الملازم ذلك الاستصحاب لاستصحاب حليته المغيات بالغليان لتلازمهما ثبوتاً حال القطع هي حرمته أي حرمة الزبيب فعلًا بعد غليانه وانتفاء حليته لتحقق الشرط المعلق عليه في الأول والغاية في الثاني فانه أي ثبوت الحرمة فعلًا هو قضية نحو ثبوتهما سواء أكان ثبوتهما بدليلهما كما في حال العنبية الثابت فيهما الحكمان بالقطع قبل الغليان والحرمة وحدها بعده لإنتهاء عمر الحلية بتحقق الغاية وتحقق الحرمة نفسها بحصول الشرط أم كان بدليل الاستصحاب فانه على نحو دليل الثبوت لا ينقص ولا يزيد وإنما الفرق في الثبوت من حيث القطع في الأول والتعبد في الثاني وكما كانت حليته المطلقة المغيات مجتمعة مع حرمته المعلقة في آن واحد شرعاً وعقلًا في حال ثبوتهما بالقطع كذلك يجتمعان في حال ثبوتهما بالاستصحاب من دون ترتب بينهما ولو ترتب السببية والمسببية إذ لو كان بينهما هذا الترتب لم يثبتا معاً حال القطع بالضرورة كما في اصابة الثوب النجس لماء طاهر مشكوك الكرية فانه كما كان استصحاب طهارته حاكماً على استصحاب نجاسة الثوب لكونه مسبباً عنه كذلك في صورة القطع لا يثبت إلا طهارة الماء فاحتمال حكومة استصحاب الحرمة المعلقة
على استصحاب الحلية المطلقة أوهن من بيت العنكبوت بعدم ثبوتها في صورة القطع أيضاً وقد عرفت القطع بثبوتهما معاً كما لا يخفى بأدنى التفات على ذي الألباب فالتفت ولا تغفل وانظر الى ما اطنب به صاحب الكفاية في المتن والحاشية مما لا حاجة إليه وتأمل.
السادس من التنبيهات: لا يخفى انه جزم المصنف وفاقاً لشيخنا العلامة وغيره بانه لا فرق أيضاً بين ان يكون المتيقن من احكام هذه الشريعة أو من احكام الشريعة السابقة إذا شك في بقاءه وارتفاعه بنسخه لعدم اختلال شيء من اركان الاستصحاب وفساد توهم اختلال أركانه فيما إذا كان المتيقن من احكام الشريعة السابقة لا محالة وذلك الاختلال أما لعدم اليقين بثبوتها في حقهم وان علم ثبوتها سابقاً في حق آخرين فإن الاستصحاب يحتاج الى يقين بالحدوث وثبوتها في حق السابقين لا يوجب العلم بثبوتها في حق اللاحقين حتى يوجب وجود الشيء الآخر الشك في بقائها فلا يحصل شك ببقائها أيضاً بل إنما يشك في ثبوت مثلها كما لا يخفى، وأما لليقين بارتفاعها بنسخ الشريعة السابقة بهذه الشريعة فلا يحصل شك في بقائها حينئذ إذ لا يجامع القطع بارتفاعها ولو سلم حصول اليقين بثبوتها في حقهم، هذا غاية ما قيل في عدم جريان الاستصحاب وهو واضح الفساد وذلك:
أما الأول فهو لأن الحكم الثابت في الشريعة السابقة حيث كان ثابتاً لافراد المكلف سواء كانت افراده محققة وجوداً أو مقدرة كما
هو قضية القضايا المتعارفة المتداولة وهي قضايا حقيقية لا إن المراد بها خصوص الافراد الخارجية كما هو قضية القضايا الخارجية وبالجملة فالقضية ضربان خارجية وغيرها والثانية أعم من الأولى فإذا قلت الانسان حيوان ناطق أو يجب عليه كذا كانت عامة للموجود ولمن يوجد وإلا لما صح الاستصحاب حتى في الأحكام الثابتة في هذه الشريعة ولا صح النسخ أيضاً بالنسبة الى غير الموجود في زمان ثبوتها فلا يقين بالحدوث لعدم شمول القضية له ولا يعمه الحكم فلا يعقل معنى للنسخ عنه فمن أجل ذلك كان الحكم في الشريعة السابقة ثابتاً لعامة أفراد المكلف ممن وجد أو يوجد وكان الشك فيه بقاء ممن هو في هذه الشريعة كالشك في بقاء الحكم الثابت في هذه الشريعة لغير من وجد في زمان ثبوته واما الثاني فلان الشريعة السابقة وان كانت منسوخة بهذه الشريعة يقيناً إلا انه لا يوجب اليقين بارتفاع أحكامها بتمامها إذ حقيقة النسخ لا تقتضي ذلك ضرورة ان قضية نسخ الشريعة ليس ارتفاعها كذلك بل هو عدم بقائها بتمامها والايجاب الجزئي لا ينافي السلب الكلي والعلم اجمالًا بارتفاع بعضها وان أوجب عدم جريان الاستصحاب في أطرافه إلا انه إنما يمنع من استصحاب ما شك في بقائه منها فيما إذا كان المشكوك بقائه من أطراف ما علم ارتفاعه اجمالًا لا فيما إذا لم يكن من اطرافه كما إذا علم بمقداره أي بمقدار المعلوم بالاجمال تفصيلًا أو انحصر في موارد ليس المشكوك منها وقد علم بارتفاع ما في موارد الاحكام الثابتة في هذه الشريعة ثم لا يخفى عليك انه لا فرق بين مقام