بعنوان كلي كما عرفت في عموم خطاب المشافهة فاحتمال العموم لمن يوجد مع كون الحكم متعلقاً بالافراد لو كان صحيحاً لجرى في عموم خطاب المشافهة للمعدومين مع انه (قدس سره) لم يشر الى هذا الوجه ولا احتمله ولو سلم فلا أقل من كفاية كلا الطريقين فافهم واغنم. هذا واما النسخ فالانصاف إن ظاهر ما ورد في نسخ شريعة النبي اللاحق لشريعة النبي السابق هو الارتفاع كلياً لا لعدم البقاء كلياً بل ظاهره انه لو ثبت في هذه الشريعة ما كان ثابتاً في السابقة فهو من باب تماثل الحكمين لابقاء الحكم الأول ولو سلم فلا اقل من توقف عدم كون الحكم المشكوك بقاءه منسوخاً على دليل لما عرفت من ان مقتضى الأصل الثانوي نسخ الجميع إلا ما خرج واما ما أفاده شيخنا العلامة من الوجه الأول في الجواب عن تغاير الموضوع من فرض كون الشاك ممن ادرك الشريعتين فإذا جرى في حقه جرى في حق غيره من أهل شريعته للاجماع على اشتراك أهل الشريعة الواحدة في الحكم الثابت لبعضهم فهو وان كان وجيهاً بالنسبة الى جريان الاستصحاب في حق خصوصي المدرك للشريعتين إلا انه غير مجد في حق غيره من المعدومين عند المصنف ولا يكاد يتم الحكم فيهم بضرورة اشتراك أهل الشريعة الواحدة أيضاً كما استند اليه ضرورة ان قضية الاشتراك ليس إلا ان الاستصحاب حكم كل من كان على يقين فشك لا انه يكون المستصحب لو أحد حكم الكل ولو من لم يكن كذلك بل يختص بمن كان على يقين فشك بلا شك وهذا واضح، وفيه ان المجتهد إذا ثبت عنده حرمة العصير الزبيبي
بالاستصحاب كانت الحرمة حكم كل من قلده في هذا الحكم وان لم يكن على يقين ولا شك إذ لا ربط لها بيقينه وشكه فإذا كان مدرك الشريعتين مجتهداً كفى استصحابه في ثبوت الحكم لغيره ممن رجع اليه ويكفى هذا الغرض في رد السائل هذا مع ان الكلام إنما هو في اثبات الحكم الثابت في الشريعة السابقة في هذه الشريعة وجعل طريق ثبوت الاستصحاب فلو كان واحد من أهل الشريعة ممن يجري في حقه الاستصحاب ثبت الحكم للجميع بضرورة الاشتراك بداهة عدم خصوصية ليقينه وشكه ولا لنفسه في ثبوت هذا الحكم وإنما الغرض اثباته ولو في حق شخص واحد بهذا الطريق ليعم انه ثابت للجميع لقاعدة الاشتراك من غير حاجة في ثبوته لهم الى ان يكون كل منهم ممن يجري الاستصحاب في حقه إذ لا يعقل اختصاص الحكم بالمستصحب مع القطع بعدم الخصوصية فثبوته في حقه دليله الاستصحاب وهو دليل ثبوته للباقين للقطع بعدم الخصوصية حتى كان المستصحب منهم قد ناب مناب الجميع في يقينه وشكه فيقينه وشكه مع القطع بعدم الخصوصية طريق مثبت للحكم على الجميع بعد القطع وقيام الضرورة على عدم اختصاصه بحكم دون غيره من أهل شريعته ولعمري انه أوضح من ان يخفى على مثل المصنف فما أفاده شيخنا استاذ المحققين في غاية الجودة.
السابع من التنبيهات: لا يخفى عليك انه قد اشتهر على لسان أهل الفن عدم حجية الاصول المثبتة ولابد من تحقيق ما به يعرف المثبت من غيره وبيان ما هو الحجة مما ليس بحجة من الاصول،
فنقول لا شبهة في ان مستند الاستصحاب هو اخبار الباب فلا يتجاوز به أكثر مما تدل عليه وقضية اخبار الباب إنما هو انشاء حكم مماثل للمستصحب في استصحاب الاحكام فمعنى لا تنقض الوجوب الذي كان انشاء وجوب مثله حال الشك وانشأ حكم مماثل لأحكامه أي احكام المستصحب في استصحاب الموضوعات فمعنى لا تنقض اليقين بعدالة زيد انشاء جواز قبول شهادته أو الاقتداء به مثل جوازهما السابق حال اليقين كما لا شبهة في لزوم ترتيب ما للحكم المنشأ بالاستصحاب وهو الحكم المماثل على ما عرفت من الآثار الشرعية العقلية لوجوب المقدمة والامتثال وغير ذلك وإنما الاشكال في ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة غير شرعية عادية كانت كما في الآثار المترتبة على طول اللحية فيما إذا اريد اثباتها باستصحاب حيوة زيد أو عقلية كالآثار المترتبة على الحيض إذا اريد اثباتها باستصحاب عدم لااستحاضة وسبب الاشكال ومنشأه هو التردد في ان مفاد الاخبار الآمرة بعدم نقض اليقين بالشك هل هو تنزيل المستصحب والتعبدية وحده بلحاظ خصوص ماله من الآثار المترتب عليه بلا واسطة فلا يثبت غيره قطعاً أو ان مفادها تنزيله بلوازمه العقلية والعادية كما هو الحال في تنزيل مؤديات الطرق والامارات المعتبرة من باب الظن فان الظن بالشيء ظن بلوازمه ولا يعقل اجتماع الظن به مع الظن بعد لازمه أو ان مفادها تنزيله بلحاظ مطلق ماله من الآثار ولو بالواسطة بناءاً على
صحة التنزيل بلحاظ أثر الواسطة أيضاً وان لم يكن تنزيل للواسطة من أجل ان أثر الأثر أثر، فهذه وجوه ثلاثة للاخبار لا يمكن ان يكون مفادها أحد هذه الوجوه ولا يتفرع ما نحن فيه عليه وذلك لأن مفادها لو كان هو الوجه الأول وهو تنزيل الشيء وحده بلحاظ أثر نفسه لم يعقل ان يترتب عليه ما كان من آثار الواسطة ومترتباً عليها لعدم احرازها حقيقة وهو واضح ولا تعبد العدم تنزيلها حسب الغرض ولا يكون تنزيله أي المستصحب بلحاظه أي بلحاظ أثر الواسطة وهذا بخلاف ما لو كان مفادها هو الوجه الثاني وهو تنزيله بلوازمه أو الوجه الثالث وهو تنزيله بلحاظ ما يعم من آثارها فانه يترتب باستصحابه ما كان بواسطتها هذا كله في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات فالتحقيق ان مفاد الاخبار إنما هو الوجه الأول لأنها إنما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشك بلحاظ ما لنفسه من آثاره واحكامه ولا دلالة لها بوجه على الوجه الثاني وهو تنزيله بلوازمه التي لا تكون كذلك كما هي محل ثمرة الخلاف ولا على الوجه الثالث وهو تنزيله بلحاظ ماله مطلقاً ولو بالواسطة فان الدليل مطلق المتيقن منه إنما هو لحاظ آثار نفسه واما ثار لوازمه فلا دلالة هناك على لحاظها أصلًا وما لم يثبت لحاظها بوجه من الوجوه أيضاً كلحاظ ملزومها لما كان وجه لترتيبها عليه باستصحاب كما لا يخفى.
نعم لا يبعد ان يستفاد من الاخبار ان التنزيل بلحاظ ما يعم أثر الواسطة لكن إذا كانت خفية بحيث يعد أثرها أثراً المستصحب
نفسه فيلزم ترتيب خصوص ما كان منها محسوباً بنظر العرف انه من آثار نفسه لخفاء ما بواسطته ثبت بدعوى ان مفاد الاخبار عرفاً ما يعمه حقيقة كما عرفت فافهم كما لا يبعد ان يستفاد من الاخبار تنزيل المتلازمين معاً من تنزيل واحد منهما فيلزم ترتيب ما كان من الأثر بواسطة ما يكون ملازماً بحيث لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلًا كما لا تفكيك بينهما واقعاً فيكون التلازم وعدم الانفكاك قرينة على تنزيل المتلازمين معاً فيثبت لكل أثره بالاستصحاب فيثبت باستصحاب بقاء بنوة زيد آثارها وآثار أبوة عمر له أو ترتيب ما كان بواسطة ما يكون من أجل وضوح لزومه له أو ملازمته معه بمثابة بها عد أثره أثراً لهما بحيث لا أثر للمستصحب غير هذا الأثر المعدود بسبب وضوح اللزوم أثراً لهما فان عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً كما لو شك في بقاء الامام حياً بلحاظ وجوب الرجوع اليه لا الى الامام بعده فانه لا اشكال في لزوم ترتيب الأثر على المستصحب وفي عد عدمه نقضاً مع ان وجوب الرجوع من آثار عصمته لكن لوضوح لزوم عصمته لبقاءه وعد أثرها أثراً لهما كان مفاد الاخبار التنزيل بلحاظ هذا الأثر.
نعم كون مطلق التلازم قرينه محل نظر بل منع وأي تلازم أقوى من التلازم الموجود فيمن توضأ بمائع مردد بين الماء والبول مع انهم حكموا باستصحاب طهارة بدنه وبقاء حدثه مع تلازم الأثرين
على كلا التقديرين من الطهارة حدثاً وخبثاً على تقدير والنجاسة كذلك على آخر فاما ان يترتب على استصحاب طهارة البدن الطهارة من الحدث أو على استصحاب بقاء الحدث نجاسة البدن مع انه لم يحتمل أحد ممن تعرض لهذا الفرع.
ثم لا يخفى عليك وضوح الفرق بين الاستصحاب وما اشبهه من سائر الامور التعبدية وبين الطرق والامارات في مقام التنزيل التعبدي فان الطريق أو الامارة حيث انه كما يحكى عن المؤدى ويشير اليه كذلك يحكي عن اطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير اليها وكان الظن به ظناً بلوازمه والظن باللوازم ظناً بالملزوم وكلاهما لم يعتبر إلا من باب الظن كان مقتضى اطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها وقضيته حجية المثبت منها لعموم التنزيل كما لا يخفى بخلاف مثل الاستصحاب الذي هو حكم عملي في مورد الشك ولا حكاية فيه عن الواقع فانه لابد من الاقتصار مما فيه من الدلالة على التعبد بثبوته خاصة ولا دلالة له إلا على التعبد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسبما عرفت فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الاصول التعبدية إلا فيما عد أثراً لواسطة أثراً له لخفائها أو شدة وضوحها وجلاها حسبما حققناه وينقدح من اقتصار صاحب الكفاية هنا على هذين الاعراض كما ذكره في المتلازمين وهو حسن كما عرفت.
الثامن من التنبيهات: لا يخفى عليك ان الأحكام الشرعية إنما
وردت معلقة على الموضوعات الكلية لأن بيان الجزئيات ليس من وظيفة الشارع فالحرمة الجزئية المتعلقة بالموضوع الجزئي إنما تنشأ من تلك الحرمة الكلية المتعلقة بالموضوع الكلي وهلم جرا في سائر الاحكام بالنسبة الى سائر الموضوعات وحيث استلزم هذا المعنى ان يكون استصحاب بقاء الموضوع الجزئي إنما يترتب عليه الأثر بواسطة انطباق الكلي عليه كاستصحاب خمرية هذا الخمر الخاص بالنسبة الى حرمة شرب الخمر فانها إنما تثبت له بواسطة انطباق كلي الخمر على المستصحب ظن بعضهم ان ذلك من طور الاصول المثبتة وهو توهم كاسد جداً كتوهم آخر في مثل ما لو نذر ان يتصدق بدرهم ما دام زيد حياً ثم شك في حياته ان استصحاب حيوته إنما يترتب عليه وجوب التصدق بواسطة تحقق عنوان الوفاء بالنذر بمعنى ان بقاءه حياً من آثاره لزوم الوفاء بالنذر المترتب عليه وجوب التصدق إذا لم يكن وجوب التصدق من آثار مطلق حياة زيد بل من آثار الوفاء بالنذر اللازم للحيوة فيكون مثبتاً وأوضح منه استصحاب بقاء زيد في اثبات وجوب الانفاق على زوجته أو وجوب عزل سهمه من الوقف أو غير ذلك فان وجوب الانفاق والعزل من آثار كونه زوجاً وموقوفاً عليه فيكون الأصل بالنسبة اليهما مثبتاً وهذا الوهم كسابقه والتحقيق انه لا تفاوت في الأثر المترتب على المستصحب بين ان يكون مرتباً عليه بلا واسطة شيء أو بواسطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع ويتحد معه وجوداً فيما كان الحكم
الكلي مرتباً على ذلك العنوان الكلي شرعاً سواء ذلك العنوان منتزعاً عن مرتبة ذاته كالخمرية الكلية في افراد الخمر وكذلك المفهوم الكلي المنتزع عن الافراد بحسب ذاتياتها أو بملاحظة بعض عَوارضهُ مما هو خارج المحمول بمعنى انه لا مصداق له في الخارج زائداً على وجود الموضوع كالوفاء بالنذر المنطبق على التصدق فانه لا مصداق له في الخارج غير محل انتزاعه وهو التصدق نفسه وكذلك مثل الملكية والغصبية والزوجية والموقوفية لا المحمول بالضميمة المغاير للموضوع مصداقاً بمنشأ الانتزاع كاسود وأبيض المنتزعين من سواد زيد وبياضه فان الأثر في الصورتين صورة الانتزاع عن مرتبة الذات والانتزاع بلحاظ بعض عوارضها إنما يكون له حقيقة حيث قد عرفت انه لا يكون بحذاء ذلك الكلي في الخارج سواه لتقع المغايرة لا ان ثبوته بهذه الواسطة يكون ثبوتاً لغيره مما كان مبايناً معه أو من اعراضه مما كان محمولًا عليه بالضميمة الموجبة للمغايرة كسواده مثلًا أو بياضه حيث تقول أسود وأبيض في مقام الحمل وإنما كان ذلك كذلك لان الطبيعي إنما يوجد بوجود فرده كما ان العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما مما تقدم من الاعتبار الذي لا وجود له إلا بمعنى وجود منشأ انتزاعه فالفرد بالنسبة الى الكلي أو منشأ الانتزاع بالنسبة الى العرضي الخارج المحمول هو ما رتب عليه الأثر لا شيء آخر فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت كما توهم وكذا لا تفاوت في الأثر المستصحب فيما لو كان غير الموضوع أو المرتب عليه فيما كان