فنقول لا شبهة في ان مستند الاستصحاب هو اخبار الباب فلا يتجاوز به أكثر مما تدل عليه وقضية اخبار الباب إنما هو انشاء حكم مماثل للمستصحب في استصحاب الاحكام فمعنى لا تنقض الوجوب الذي كان انشاء وجوب مثله حال الشك وانشأ حكم مماثل لأحكامه أي احكام المستصحب في استصحاب الموضوعات فمعنى لا تنقض اليقين بعدالة زيد انشاء جواز قبول شهادته أو الاقتداء به مثل جوازهما السابق حال اليقين كما لا شبهة في لزوم ترتيب ما للحكم المنشأ بالاستصحاب وهو الحكم المماثل على ما عرفت من الآثار الشرعية العقلية لوجوب المقدمة والامتثال وغير ذلك وإنما الاشكال في ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على المستصحب بواسطة غير شرعية عادية كانت كما في الآثار المترتبة على طول اللحية فيما إذا اريد اثباتها باستصحاب حيوة زيد أو عقلية كالآثار المترتبة على الحيض إذا اريد اثباتها باستصحاب عدم لااستحاضة وسبب الاشكال ومنشأه هو التردد في ان مفاد الاخبار الآمرة بعدم نقض اليقين بالشك هل هو تنزيل المستصحب والتعبدية وحده بلحاظ خصوص ماله من الآثار المترتب عليه بلا واسطة فلا يثبت غيره قطعاً أو ان مفادها تنزيله بلوازمه العقلية والعادية كما هو الحال في تنزيل مؤديات الطرق والامارات المعتبرة من باب الظن فان الظن بالشيء ظن بلوازمه ولا يعقل اجتماع الظن به مع الظن بعد لازمه أو ان مفادها تنزيله بلحاظ مطلق ماله من الآثار ولو بالواسطة بناءاً على
صحة التنزيل بلحاظ أثر الواسطة أيضاً وان لم يكن تنزيل للواسطة من أجل ان أثر الأثر أثر، فهذه وجوه ثلاثة للاخبار لا يمكن ان يكون مفادها أحد هذه الوجوه ولا يتفرع ما نحن فيه عليه وذلك لأن مفادها لو كان هو الوجه الأول وهو تنزيل الشيء وحده بلحاظ أثر نفسه لم يعقل ان يترتب عليه ما كان من آثار الواسطة ومترتباً عليها لعدم احرازها حقيقة وهو واضح ولا تعبد العدم تنزيلها حسب الغرض ولا يكون تنزيله أي المستصحب بلحاظه أي بلحاظ أثر الواسطة وهذا بخلاف ما لو كان مفادها هو الوجه الثاني وهو تنزيله بلوازمه أو الوجه الثالث وهو تنزيله بلحاظ ما يعم من آثارها فانه يترتب باستصحابه ما كان بواسطتها هذا كله في مقام الثبوت واما في مقام الاثبات فالتحقيق ان مفاد الاخبار إنما هو الوجه الأول لأنها إنما تدل على التعبد بما كان على يقين منه فشك بلحاظ ما لنفسه من آثاره واحكامه ولا دلالة لها بوجه على الوجه الثاني وهو تنزيله بلوازمه التي لا تكون كذلك كما هي محل ثمرة الخلاف ولا على الوجه الثالث وهو تنزيله بلحاظ ماله مطلقاً ولو بالواسطة فان الدليل مطلق المتيقن منه إنما هو لحاظ آثار نفسه واما ثار لوازمه فلا دلالة هناك على لحاظها أصلًا وما لم يثبت لحاظها بوجه من الوجوه أيضاً كلحاظ ملزومها لما كان وجه لترتيبها عليه باستصحاب كما لا يخفى.
نعم لا يبعد ان يستفاد من الاخبار ان التنزيل بلحاظ ما يعم أثر الواسطة لكن إذا كانت خفية بحيث يعد أثرها أثراً المستصحب
نفسه فيلزم ترتيب خصوص ما كان منها محسوباً بنظر العرف انه من آثار نفسه لخفاء ما بواسطته ثبت بدعوى ان مفاد الاخبار عرفاً ما يعمه حقيقة كما عرفت فافهم كما لا يبعد ان يستفاد من الاخبار تنزيل المتلازمين معاً من تنزيل واحد منهما فيلزم ترتيب ما كان من الأثر بواسطة ما يكون ملازماً بحيث لا يمكن التفكيك عرفاً بينه وبين المستصحب تنزيلًا كما لا تفكيك بينهما واقعاً فيكون التلازم وعدم الانفكاك قرينة على تنزيل المتلازمين معاً فيثبت لكل أثره بالاستصحاب فيثبت باستصحاب بقاء بنوة زيد آثارها وآثار أبوة عمر له أو ترتيب ما كان بواسطة ما يكون من أجل وضوح لزومه له أو ملازمته معه بمثابة بها عد أثره أثراً لهما بحيث لا أثر للمستصحب غير هذا الأثر المعدود بسبب وضوح اللزوم أثراً لهما فان عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً كما لو شك في بقاء الامام حياً بلحاظ وجوب الرجوع اليه لا الى الامام بعده فانه لا اشكال في لزوم ترتيب الأثر على المستصحب وفي عد عدمه نقضاً مع ان وجوب الرجوع من آثار عصمته لكن لوضوح لزوم عصمته لبقاءه وعد أثرها أثراً لهما كان مفاد الاخبار التنزيل بلحاظ هذا الأثر.
نعم كون مطلق التلازم قرينه محل نظر بل منع وأي تلازم أقوى من التلازم الموجود فيمن توضأ بمائع مردد بين الماء والبول مع انهم حكموا باستصحاب طهارة بدنه وبقاء حدثه مع تلازم الأثرين
على كلا التقديرين من الطهارة حدثاً وخبثاً على تقدير والنجاسة كذلك على آخر فاما ان يترتب على استصحاب طهارة البدن الطهارة من الحدث أو على استصحاب بقاء الحدث نجاسة البدن مع انه لم يحتمل أحد ممن تعرض لهذا الفرع.
ثم لا يخفى عليك وضوح الفرق بين الاستصحاب وما اشبهه من سائر الامور التعبدية وبين الطرق والامارات في مقام التنزيل التعبدي فان الطريق أو الامارة حيث انه كما يحكى عن المؤدى ويشير اليه كذلك يحكي عن اطرافه من ملزومه ولوازمه وملازماته ويشير اليها وكان الظن به ظناً بلوازمه والظن باللوازم ظناً بالملزوم وكلاهما لم يعتبر إلا من باب الظن كان مقتضى اطلاق دليل اعتبارها لزوم تصديقها في حكايتها وقضيته حجية المثبت منها لعموم التنزيل كما لا يخفى بخلاف مثل الاستصحاب الذي هو حكم عملي في مورد الشك ولا حكاية فيه عن الواقع فانه لابد من الاقتصار مما فيه من الدلالة على التعبد بثبوته خاصة ولا دلالة له إلا على التعبد بثبوت المشكوك بلحاظ أثره حسبما عرفت فلا دلالة له على اعتبار المثبت منه كسائر الاصول التعبدية إلا فيما عد أثراً لواسطة أثراً له لخفائها أو شدة وضوحها وجلاها حسبما حققناه وينقدح من اقتصار صاحب الكفاية هنا على هذين الاعراض كما ذكره في المتلازمين وهو حسن كما عرفت.
الثامن من التنبيهات: لا يخفى عليك ان الأحكام الشرعية إنما
وردت معلقة على الموضوعات الكلية لأن بيان الجزئيات ليس من وظيفة الشارع فالحرمة الجزئية المتعلقة بالموضوع الجزئي إنما تنشأ من تلك الحرمة الكلية المتعلقة بالموضوع الكلي وهلم جرا في سائر الاحكام بالنسبة الى سائر الموضوعات وحيث استلزم هذا المعنى ان يكون استصحاب بقاء الموضوع الجزئي إنما يترتب عليه الأثر بواسطة انطباق الكلي عليه كاستصحاب خمرية هذا الخمر الخاص بالنسبة الى حرمة شرب الخمر فانها إنما تثبت له بواسطة انطباق كلي الخمر على المستصحب ظن بعضهم ان ذلك من طور الاصول المثبتة وهو توهم كاسد جداً كتوهم آخر في مثل ما لو نذر ان يتصدق بدرهم ما دام زيد حياً ثم شك في حياته ان استصحاب حيوته إنما يترتب عليه وجوب التصدق بواسطة تحقق عنوان الوفاء بالنذر بمعنى ان بقاءه حياً من آثاره لزوم الوفاء بالنذر المترتب عليه وجوب التصدق إذا لم يكن وجوب التصدق من آثار مطلق حياة زيد بل من آثار الوفاء بالنذر اللازم للحيوة فيكون مثبتاً وأوضح منه استصحاب بقاء زيد في اثبات وجوب الانفاق على زوجته أو وجوب عزل سهمه من الوقف أو غير ذلك فان وجوب الانفاق والعزل من آثار كونه زوجاً وموقوفاً عليه فيكون الأصل بالنسبة اليهما مثبتاً وهذا الوهم كسابقه والتحقيق انه لا تفاوت في الأثر المترتب على المستصحب بين ان يكون مرتباً عليه بلا واسطة شيء أو بواسطة عنوان كلي ينطبق ويحمل عليه بالحمل الشائع ويتحد معه وجوداً فيما كان الحكم
الكلي مرتباً على ذلك العنوان الكلي شرعاً سواء ذلك العنوان منتزعاً عن مرتبة ذاته كالخمرية الكلية في افراد الخمر وكذلك المفهوم الكلي المنتزع عن الافراد بحسب ذاتياتها أو بملاحظة بعض عَوارضهُ مما هو خارج المحمول بمعنى انه لا مصداق له في الخارج زائداً على وجود الموضوع كالوفاء بالنذر المنطبق على التصدق فانه لا مصداق له في الخارج غير محل انتزاعه وهو التصدق نفسه وكذلك مثل الملكية والغصبية والزوجية والموقوفية لا المحمول بالضميمة المغاير للموضوع مصداقاً بمنشأ الانتزاع كاسود وأبيض المنتزعين من سواد زيد وبياضه فان الأثر في الصورتين صورة الانتزاع عن مرتبة الذات والانتزاع بلحاظ بعض عوارضها إنما يكون له حقيقة حيث قد عرفت انه لا يكون بحذاء ذلك الكلي في الخارج سواه لتقع المغايرة لا ان ثبوته بهذه الواسطة يكون ثبوتاً لغيره مما كان مبايناً معه أو من اعراضه مما كان محمولًا عليه بالضميمة الموجبة للمغايرة كسواده مثلًا أو بياضه حيث تقول أسود وأبيض في مقام الحمل وإنما كان ذلك كذلك لان الطبيعي إنما يوجد بوجود فرده كما ان العرضي كالملكية والغصبية ونحوهما مما تقدم من الاعتبار الذي لا وجود له إلا بمعنى وجود منشأ انتزاعه فالفرد بالنسبة الى الكلي أو منشأ الانتزاع بالنسبة الى العرضي الخارج المحمول هو ما رتب عليه الأثر لا شيء آخر فاستصحابه لترتيبه لا يكون بمثبت كما توهم وكذا لا تفاوت في الأثر المستصحب فيما لو كان غير الموضوع أو المرتب عليه فيما كان
المستصحب الموضوع بين ان يكون مجعولًا شرعاً بنفسه كالتكليف وبعض انحاء الوضع أو مجعولًا بمنشأ انتزاعه لا بنفسه كالجزئية والشرطية والمانعية من احكام الوضع مما تقدم تحقيق حال جعلها فانه أيضاً مما تناله يد الجعل شرعاً ويكون أمره بيد الشارع وضعاً ودفعاً ولو بوضع منشأ انتزاعه ورفعه ولا وجه لاعتبار ان يكون الأثر المترتب أو الأثر المستصحب مجعولًا مستقلًا كما لا يخفى فليس استصحاب الشرط والمانع لترتيب الشرطية والمانعية بمثبت كما ربما توهم بتخيل إن الشرطية أو المانعية ليست من الآثار الشرعية بل من الامور الانتزاعية فافهم، بل لا تفاوت بين ان يكون الأثر من الامور التشريعية أو التكوينية وإنما يشترط فيه ان يكون أمره بيد الشارع بما هو شارع وجوداً وعدماً اثباتاً ونفياً فيكفي في أثر الموضوع المستصحب ان يكون مثل المؤاخذة كما أشرنا سابقاً في الكلام على حديث الرفع من انه لا مانع من ابقاءه على ما هو الظاهر منه من رفع المؤاخذة فانها أثر يترتب على موضوعه من الشارع بما هو شارع وبيده ايجاده وعدمه والقول بوجوب كونه من سنخ الاحكام وان كانت وضعية تحكم لا دليل عليه وقد عثرنا على من وافقنا من كبار المتأخرين في حاشيته على رسائل شيخنا العلامة وهو شيخنا الاستاذ الملا رضا الهمداني على ذلك فلا يكون الأصل بالنسبة الى هذا الأثر مثبتاً أيضاً كما توهم وكذا لا تفاوت في المستصحب أو المترتب حسبما ظهر لك مما ذكرنا بين ان يكون هو ثبوت الأثر ووجوده أو
نفيه وعدمه ضرورة ان ما كان أمر نفيه بيد الشارع وثبوته يكون شرعياً وعدم اطلاق الحكم على عدمه غير ضائر إذ ليس هناك ما دل على لزوم كون الأثر حكماً واعتباره بعد تحقق الملاك من صدق نقض اليقين بالشك برفع اليد عنه كصدقه برفعها من طرف ثبوته كما هو واضح. ومن ذلك ينقدح لك ان جواز كون الأثر مثل المؤاخذة أولى من جواز كونه مثل الحكم الوضعي غير القابل للجعل إلا بمنشأ انتزاعه ومثل عدم الحكم كما لا يخفى على الفطن فلا وجه للاشكال في الاستدلال على البراءة باستصحاب البراءة من التكليف وعدم المنع من الفعل بما في الرسالة لشيخنا العلامة من ان عدم استحقاق العقاب في الآخرة المترتب على البراءة وعدم التكليف ليس من لوازم المجعولة الشرعية اما على ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) ووافقناه عليه فان عدم استحقاق العقوبة وان كان غير مجعول إلا انه قد عرفت انه لا حاجة الى ترتيب أثر مجعول في استصحاب ما كان بنفسه مجعولًا ومنه عدم المنع وترتب عدم الاستحقاق مع كونه عقلياً على استصحابه إنما هو لكونه مرتباً على موضوع عام لانه لازم مطلق عدم المنع ولو في الظاهر واما على ما حققنا فلانه لا يلزم ان يكون الأثر عدم الاستحقاق بل هو عدم العقاب وقد عرفت انه شرعي فلو كان عدم المنع ليس بشرعي كفى في أثره ان يكون ذلك فتأمل.