كما مرّ في مثل المؤاخذة فيترتب عليها آثارها ولو كانت عقلية لما عرفت آنفاً بعد استصحابها لكنه يحتاج الى دليل غير منوط بها والظاهر كفاية الآية المتقدمة مع سائر الآيات مثل وجعلناه نبياً وغيرها مما اشبهها في ثبوت ذلك ودليليته القرآن غير منوطه بالنبوة بل هي منوطة به كما لا يخفى.
نعم لابد من كون الدليل غير موقوف على النبوة وإلا لدار لتوقفه على ثبوتها حسب الفرض فكيف يتوقف ثبوتها عليه كما هو معنى الاستصحاب فكل ما ورد من النبي ومن بعده مما يفيد كونها مجعوله لا يكون دليلًا وبعبارة أخرى ثبوت النبوة حال الشك موقوف على جعلها في هذا الحال وهو موقوف على جعلها حال اليقين فلو توقف جعلها حال اليقين على ثبوتها قبل الجعل كان دوراً كما لا يخفى وبالجملة فالملاك وجود الأثر الشرعي وقد اطال صاحب الكفاية في المقام بما لم ينتج ثمرة معتداً بها فلو قال قائل ان وجوب اطاعة البي والامام (ع) أثر شرعي كوجوب طاعة الوالد والسيد والزوج ومع الشك يستصحب الموضوع بلحاظ ترتب هذا الأثر كما لو شكت الزوجة في بقاء الزوجية لطلاق وقع لا يعلم تأثيره أو العبد في بقاء السيدية لتحرير لم يعلم تأثيره فلا اشكال في وجوب الاطاعة للاستصحاب فكذا في المقام اللهم إلا ان يقال ان الواجب الطاعة معلوم النبوة والامامة على ان يكون القطع جزء موضوع على نحو الصفة الخاصة أو ولو على نحو الطريقية بناءاً على غير
مذهب صاحب الكفاية واما استصحابها بمعنى استصحاب بعض احكام شريعة من اتصف بها فلا اشكال فيها كما مرّ ولو قطع بعدمها حال الشك بالنسبة الى الشاك بمعنى عدم كونه مرسلًا اليه ويجب عليه امتثال احكامه والتدين بها واما استصحابها بمعنى استصحاب بعض احكام من اتصف بها للشاك الذي هو من قوم المتصف في زمانه فالكلام فيه كالكلام في استصحابها بنفسها كما لا يخفى على من له أدنى تأمل.
ثم لا يخفى ان الاستصحاب بناءاً على جريانه لوجود أثر شرعي مهم لا يكاد يلزم به الخصم إلا إذا اعترف بأنه على يقين فشك فيما صح هناك التعبد والتنزيل ودل عليه الدليل كما لا يصح ان يقنع به إلا مع اليقين والشك والدليل على التنزيل.
نعم يلزم به الخصم إذا كان بصدد اثبات ان مقابله باق على الالتزام بنبوة ذلك النبي بلا طريق شرعي ولا عقلي فللمقابل حينئذ بلا شك وشبهة ان يقول لخصمه ان الاستصحاب عندكم طريق شرعي يترتب عليه الحكم واني متيقن بنبوة هذا النبي الخاص وشاك في نبوة غيره الموجب هذا الشك للشك في بقاء نبوة النبي الخاص فاستصحبها فعليك ابطال هذا الاستصحاب اما بازالة يقيني أو بازالة شكي أو ببيان عدم كون المقام مورداً للاستصحاب ومنه انقدح انه لا موقع لما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) من عدم الموقع لتشبث الكتابي باستصحاب نبوة موسى أصلًا لا الزاماً للمسلم لعدم
الشك من المسلم في بقائها قائمة بنفسه المقدسة واليقين بنسخ شريعته وإلا لم يكن بمسلم وفي عدم بقائها بمعنى وجوب العمل عليه بشريعته كما عرفت مع انه لا يكاد يلزم به إذا لم يعترف بانه على يقين وشك ولا اقناعاً مع الشك للزوم معرفة النبي بالنظر الى حالاته ومعجزاته عقلًا وعدم الدليل على التعبد بشريعته لا عقلًا ولا شرعاً والا تكال على قيامه في شريعتنا لا يكاد يجديه إلا على نحو محال لتوقف نبوة نبيه حينئذ على صحة الاستصحاب المتوقفة على ثبوت شريعتنا المتوقف على عدم بقاء شريعته فيكون مما يستلزم وجوده عدمه هذا ما أفاده (قدس سره) في نفي موقع التشبث وقد عرفت موقعه وانه الزام للخصم بما يعتقده فان الاستصحاب عند الخصم أيضاً طريق فهو يتشبث بهذا الطريقاً المسلم بينه وبين الخصم في بقاء نبوة موسى فعلى الخصم أحد الامور التي قدمناها ولا وجه لنفي الدليل عل حجية الاستصحاب في شريعة الكتابي فان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود لا سيما إذا قلنا بان مدركه بناء العقلاء فانه لا فرق فيه حينئذ بين جمع الشرائع وانقدح أيضاً مما ذكره صاحب الكفاية من عدم الموقع لتشبث الكتابي بالاستصحاب وجوب العمل عليه بالاحتياط عقلًا في حال عدم المعرفة بمراعاة احكام الشريعتين ما لم يلزم منه الاختلال المخل بالنظام للعلم الحاصل له بثبوت احد بهما على الاجمال إلا إذا علم بلزوم البناء على الشريعة السابقة ما لم يعلم الحال ولكن قد انقدح لك مما ذكرنا ان هذا العلم الاجمالي غير
حاصل للكتابي بل ليس عنده إلا العلم التفصيلي بثبوت شريعته واقعاً حدوثاً وتعبداً او ظناً معتبراً بقاءاً ولو سلم العلم الاجمالي فهو لاأثر له مع هذا الأصل في جانب شريعته لانحلاله الى العلم التفصيلي بلزوم العمل بشريعته والشك البدوى في غيرها.
الثالث عشر من التنبيهات: لا يخفى انه لاشبهة في تأخر الاستصحاب مرتبة عن جميع الطرق والامارات فمع وجود الدليل لا مورد للاستصحاب موافقاً كان او مخالفاً لعدم كونه في مرتبته ومنه يعلم عدم جريان الاستصحاب في مقام مع دلالة مثل العام لكنه ربما يقع الاشكال والكلام فيما إذا خصص العام في زمان يقيناً ثم شك بعد ذاك الزمان في الحكم في ان المورد بعد هذا الزمان وهو زمان اليقين مورد الاستصحاب فيثبت حكم المخصص او مورد التمسك بالعام فيثبت له حكم العام والتحقيق ان يقال ان في المقام تفصيلًا وهو ان مفاد العام تارة يكون بملاحظة الزمان هو ثبوت حكمه لموضوعه على نحو الاستمرار والدوام فيكون مجموع الزمان فرداً واحدا مستمرا وأخرى يكون مفاده على نحو الاستمرار لكن على نحو جعل كل يوم من الايام فرد الموضوع ذلك العام وهكذا بالنسبة الى آنات الزمان فيكون معنى [أوُفُوا بالعقُودِ] على الاول ظرفه زمان واحد مستمر ومعناه اوفوا ابداً ودائماً وعلى الثاني يكون ظرفه أزمنة متعددة ومعناه اوفوا في كل آن من آنات الزمان فيكون العام ذا افراد مثل اكرم كل رجل وكذلك مفاد مخصصة تارة يكون على نحو اخذ
الزمان ظرف استمرار حكمه ودوامه وأخرى على نحو يكون مفرداً ومأخوذا في موضوعه هذا إذا كان المخصص من غير جنس الزمان بل كان الزمان ظرفه اما إذا كان من سنخ الزمان فلا يتصور فيه الوجهان كقوله: (لك الفسخ ما دمت في مجلس العقد) فان كان مفاد كل من العام والخاص على النحو الاول فلا محيص عن استصحاب حكم الخاص في غير مورد دلالته لعدم دلالة العام على حكمه ليرجع اليه لعدم دخوله على حدة في موضوعه ليكون هو داخلًا والخارج غيره وانقطاع الاستمرار بالخاص الدال على ثبوت الحكم له في الزمان السابق من دون دلالته على ثبوته في الزمان اللاحق فيكون أشبه شيء بما مر من استصحاب الزمانيات الذي قد عرفت انه على رأي صاحب الكفاية ومن قبله يرجع فيه الى استصحاب الوجود إذا اخذ الزمان ظرفاً لانقطاع العدم بمطلق الوجود فلا مجال إلا لاستصحابه كما لا مجال في المقام الا الاستصحاب الخاص.
نعم لو كان الخاص غير قاطع لحكمه كما إذا كان مخصصا له من الاول بمعنى انه انشاء الحكم على الموضوع العام في غير مورد التخصيص ما ضر به في غير مورد دلالته فيكون اول زمان استمرار حكمه بعد زمان دلالته كما كان اول فرد لعموم كل رجل عادل اكرمه هو الفرد بعد تقييده بالعادل فيصح التمسك بعموم اوفوا بالعقود ولو خصص بخيار المجلس ونحوه فلا بد من التمسك بالعام في مثل ذلك بلا كلام لكون موضوع الحكم بلحاظ هذا الزمان يكون
هذا الزمان من افراده فله الدلالة على حكمه والمفروض عدم دلالة الخاص على خلافه؟
قلت: ليس السر في ذلك ما أفاده من كون الخاص غير قاطع لحكم العام بل مخصصا له من الاول بل السر ما ذكرناه من ان التخصيص بالزمان لايتصور فيه الوجهان بالنسبة اليه وانما يتصور بالنسبة الى العام ولا نسلم دلالته على تفريد العام ولا دلالة العام في مثله على اخذ الزمان افراداً من غير فرق بين اتصاله بالعام او انفصاله هذا فيما إذا كان مفادهما معاً على النحو الاول وان كان مفادهما مختلفاً بان كان مفاد العام على النحو الاول ومفاد الخاص على النحو الثاني فلا مورد لللاستصحاب فانه وان لم يكن هناك دلالة للعام على الحكم في زمان الشك أصلًا الا ان انسحاب الحكم الخاص الى غير مورد دلالته من اسراء حكم موضوع الى آخر لا استصحاب حكم الموضوع ولا مجال أيضاً للتمسك بالعام لما مر انقاض كونه غير دال إذا كان على النحو الاول فإذا كان حكم الخاص ثابتاً في فرد من الزمان فلا مجال للاستصحاب ولابد من الرجوع الى سائر الاصول وان كان مفادهما على العكس بان كانا معاً على النحو الثاني او كان العام على النحو الثاني والخاص على الأول كان المرجع حكم العام بلا اشكال لان تخصيص العام بفرد لا يوجب سلب حجيته عن باقي الافراد للاقتصار في تخصيصه بمقدار دلالة الخاص ولكنه لولا دلالته لكان الاستصحاب مرجعاً
بناء على كونه على النحو الاول لما عرفت من ان الحكم في طرف الخاص قد أخذ على نحو صح استصحابه اما مع كونه على النحو الثاني كالعدم فقد عرفت انه لولا دلالة العام لوجب الرجوع الى سائر الاصول ولا مجال للاستصحاب لانه اثبات حكم موضوع لموضوع آخر لا استصحاب حكم الموضوع ومما ذكرنا يعلم ان مراد صاحب الكفاية من كونهما على العكس كون مفاد العام على النحو الثاني والخاص على النحو الاول الذي هو عكس الصورة الاخيرة فيسقط من كلامه بيان عكس الصورة الاولى وقد عرفته وعرفت حكمه فتأمل فانك إذا تأملت ما ذكرناه بقيوده تعرف ان اطلاق كلام شيخنا العلامة اعلى اللّه مقامه في المقام نفياً حيث نفى الرجوع الى الاستصحاب مع كون العام على النحو الثاني وقد عرفت جريانه لولا دلالة العام واثباتاً حيث اوجب الرجوع الى الاستصحاب مع كون العام على النحو الاول ولم يقيده بكون الخاص كذلك أيضاً وقد عرفت مع كون الخاص على النحو الثاني لا مجال للاستصحاب في جميع الصور في غير محله اللّهم إلا ان يقال ان اطلاقه للنفي من حيث عدم امكان الرجوع الى الاستصحاب وقوعاً لاستلزامه تقديمه على ما هو اعلى منه مرتبة وهو العام لا من حيث امكانه ذاتاً وان اطلاقه الاثبات من حيث اغلبية اتفاق العام والخاص في الدلالة على الزمان ومع كونه في العام على نحو لا يكون في الخاص على نحو آخر إذ لا دخل لخصوص الخاص او عموم العام في ذلك وانما الملاك ان
اخذ الزمان ظرفاً لحكم من الاحكام على أي نحو يكون فإذا ثبت انفهام أحد النحوين منه ثبت فيهما معاً فيكون حينئذ ما افاده في محله جداً كما لا يخفى.
الرابع عشر من التنبيهات: انه قد عرفت عدم الفرق في المستصحب بين حكمه تكليفياً او وضعياً إذا كان قابلًا للجعل ولو بمنشأ انتزاعه اما إذا كان غير قابل للجعل فلا معنى لاستصحابه الا استصحاب الحكم التكليفي نفسه وجوداً وعدماً ومنه استصحاب الصحة فانها غير قابلة للجعل ولا معنى لاستصحابها الا استصحاب سقوط الحكم التكليفي بموافقته. إذا عرفت ذلك فاعلم انه قد اشتهر بينهم استصحاب صحة العبادة عند الشك في فسادها لفقد جزء او شرط او وجود قاطع او مانع للشك في أصل مقدار اعتبارها في العبادة ولابد من تحقيق موضوع هذا المستصحب، فنقول اما صحة الاجزاء السابقة بمعنى موافقتها للأمر المتعلق بها فهي مقطوع بها حال الشك فلا شك فيها واما صحة مجموع العبادة فهي موقوفة على انضمام باقي الاجزاء فلا يقين بها هذا إذا كانت الصحة بمعنى موافقة الأمر واما إذا كانت بمعنى ترتب الآثار فالظاهر ان الاستصحاب لا مانع منه ضرورة ان المستفاد من مجموع الأخبار لا سيما مما ورد في بيان قاطعية بعض الأشياء ان للصلاة جزءاً آخر أو شرطاً وهو كونها متصلة الاجزاء فتكونت الهيئة الاتصالية معتبرة فإذا شك في بقاء الاجزاء السابقة على أهليتها لتحقق تلك الهيئة الاتصالية كان استصحابها حجة فينحصر مورد الاستصحاب فيما