ما لا يضر بصدق المركب وبقاء حكمه عرفاً وما يضر بذلك فيكون حجة في الأول دون الثاني. وتحقيق المقام ان بقاء الموضوع المستصحب مبنى على المسامحة العرفية وإلا لسقط أكثر الاستصحابات فان الماء المسبوق بالكرية إذا نقص منه شيء قيل عرفاً هذا كان كراً مع ان المشار اليه لم يكن كذلك ابداً ففي المقام إذا فقد بعض اجزاء المركب على وجه يقال هذا كان واجباً فلا ينبغي الشك في جريان الاستصحاب فيه والتفرقة بينه وبين مشكوك الكرية تحكم بحت بل يمكن جريانه حتى مع فقد ما يضر بالصدق وذلك لما عرفت في بحث المقدمة من ان الاجزاء واجبة بأجمعها بذلك الوجوب النفسي البسيط المتعلق بالمركب إذ لولا كون الاجزاء كذلك لم يكن وجوب المركب نفسياً فيقال هذا كان واجباً نفسياً في ضمن الكل ولم يعلم ان ارتفاع هذا الجزء رافع لوجوبه النفسي أولًا فيستصحب ويستأنس لذلك بما ثبت في الصلاة من ان فقد ما عدا الاركان منها سهواً غير رافع للوجوب النفسي وكذا عجزاً ففي غيرها من سائر المركبات لا يكون تعذر الجزء موجباً للقطع بارتفاع الوجوب النفسي ومتى كان كذلك جرى الاستصحاب بلا ارتياب اللهم إلا ان يكون دليل الجزئية والشرطية ظاهراً في الركنية فتدبر.
السادس عشر من التنبيهات: قد سبقت الاشارة الى ان الاستصحاب من الاصول الواردة في حكم الشاك فموضوعه مقيد بالشك فيكون الدليل القطعي وارداً عليه لزوال موضوعه به حقيقة
والدليل الظني حاكماً لزوال موضوعه به تعبداً فلا يعقل ان يكون في مرتبة الدليل فلا يمكن ان يخصص به العام أو يقيد به المطلق أو يعارض به المساوي وهذا واضح وسيأتي له تتمه في التممة إن شاء الله. وزعم بعض الفحول في المحكى عنه كونه دليلًا على الحكم في مورده يترتب عليه ما يترتب على سائر الأدلة من الآثار معارضة وتخصيصاً وتقييداً وغير ذلك حاسباً ان لا تنقض اليقين بالشك وما بمضمونه مثل: [إنْ جائَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَينّوا] في كون كل منهما دليلًا على الدليل وقد عرفت انه لا ينبغي صدور ذلك من غير الفحل فضلًا عمن له الفضل مع البناء على اعتباره من باب التعبد فان معنى لا تنقض اليقين بالشك هو معنى كل شيء لك حلال أو طاهر في انشاء حكم فرعي للمشكوك غاية الأمر عموم الأول لكل مورد واختصاص الثاني بالحلية والطهارة اللهم إلا ان يكون اعتبار الاستصحاب عنده من باب الظن ويكون قوله لا تنقض اليقين بالشك دليلًا على اعتبار هذا الظن كما يظهر ذلك من ذكرى الشهيد وليس عندي بالبعيد لعدم خلو هذه الاخبار عن الاشعار في ان الجعل فيها على نحو الجعل فيما دل على حجية خبر الواحد وغيره من الظنون الخاصة لا على نحو القاعدة الفرعية فتأمل جداً. وكيف كان فبناءاً على انه من الاصول لا يبعد تقديم بعض الاصول على بعض كالاستصحاب فلا على القاعدة لظهور دليله جداً في عدم قطع النظر عن الواقع ورفضه بالمرة.
نعم ربما يشكل الأمر في مثل ما لو قال: (أكرم العلماء العدول) ثم شك في بقاء عدالة فرد من افراد العام بعد اليقين بها فانه لا شك في جريان استصحابها وهل ذلك يوجب دخوله تحت العام أو عدم خروجه أو انه بمجرد الشك خرج وإنما يثبت له بالاستصحاب مثل حكم العام والمتعين عندي هو الثاني لما عرفت وكما ان استصحاب بقاء الخاص في الزمان الثاني لا يوجب كون الخاص مخصصاً للعام في الزمانين كذلك استصحاب بقاء موضوع العام لا يوجب عموم العام له في الحالتين غاية الأمر ان الاستصحاب يكون في حكم المتمم للعام والخاص في ثبوت الحكم في الزمان الثاني.
السابع عشر من التنبيهات: قد عرفت ان الاستصحاب إنما يكون عندنا حجة إذا كان الشك من جهة الرافع لا من جهة المقتضي وهذا فيما احرز ان المستصحب من أي القبيلتين واضح اما إذا شك في ذلك فهل هناك أصل يتعين به أحد الطرفين أولًا وهل احراز كونه من باب الشك في الرافع شرط أو العلم بانه من باب الشك في المقتضي مانع؟ والظاهر انه لا أصل يعين أحد الطرفين واحتمال ان غالب الموجودات من النحو الأول فيلحق به الفرد المشكوك ضعيف للقطع بكثرة افراد كلا النوعين واحتمال الاغلبية مسلم إلا انه لا يجدي.
نعم يمكن ان يقال ان ظاهر اطلاق الاخبار بل عمومها هو حرمة نقض كل يقين بكل شك خرج منه ما علم انه من الشك في
المقتضي ويبقى العام حجة في الباقي. لا يقال ان اشتراط كون الشك في الرافع إنما نشأ من أخذ مادة النقض في الاخبار حيث انها لا تصدق إلا في ذلك المورد ولا ريب في لزوم احراز موضوع النقض لترتيب حكمه وهو الحرمة وذلك هو كون احراز انه من النحو الأول شرط فأين العموم؟ لأنا نقول ان ذلك مسلم إلا انا ندعي صدق مادة النقض عرفاً في كل مورد إلا في مورد كان منشأ الشك فيه هو الشك في المقتضى على سبيل القطع فتأمل ولا تغفل.
الثامن عشر من التنبيهات: الظاهر ان المراد بالشك في أخبار الباب وكلمات الاصحاب هو خلاف اليقين فمع الظن بالخلاف فضلًا عن الظن بالوفاق يجري الاستصحاب ويدل عليه مضافاً الى انه كذلك لغة كما يظهر من قولهم في تفسيره الشك خلاف اليقين وكما في الصحاح الواردة في الباب تعارف استعماله في الأخبار في غير باب كما في باب الشك في الصلوة وكما في باب الشك بعد تجاوز المحل وغير ذلك قوله (ع) في أخبار الباب: (ولكن تنقضه بيقين آخر) حيث أن ظاهره بل صريحه انه في بيان تحديد ما ينقض به اليقين وانه ليس إلا اليقين بل وفي بيان تحديد ما لا ينقض اليقين من غير اليقين حيث جعل غايته الوصول الى اليقين وقوله أيضاً في أخبار الباب لا حتى يستيقن انه قد نام بعد السؤال عنه (ع) عما إذا حرك في جنبه شيء وهو لا يعلم وانه هل هو محقق للنوم أو لا حيث دل نفيه لذلك باطلاقه مع ترك الاستفصال عن الحال بين ما إذا
أفادت هذه الامارة الظن وما إذا لم تفد بداهة انها لو لم تكن مفيدة له دائماً لكانت مفيدة له أحياناً وذلك كاف في لزوم الاستفصال على الامام لو كان بين المقامين فرق يوجب اختلاف الحكم على عموم النفي لصورة الافادة ودلالة الاطلاق على ذلك واضحة وكذا قوله (ع): (بعده لا تنقض اليقين بالشك) الدال على ان الحكم في المغيا مطلقاً هو عدم نقض اليقين بالشك كما لا يخفى. هذا وقد استدل عليه أيضاً بوجهين آخرين:
الأول: الاجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الاخبار. وفيه انه لا وجه لدعواه بمعناه الكاشف عن رأي المعصوم ولو سلم تحقق اتفاق الاصحاب على اعتبار لاحتمال ان يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الاخبار عليه بل للقطع بذلك فضلًا عن الظن والاحتمال ومع احتمال كون المستند ذلك لا يكون كاشفاً قطعياً.
الثاني: ان الظن غير المعتبر ان علم بعدم اعتباره بالدليل فمعناه ان وجوده كعدمه عند الشارع وان كلما يترتب شرعاً على تقدير عدمه فهو يترتب على تقدير وجوده وهذا واضح ويكون خروج مثله للدليل وان كان مما شك في اعتباره آل الظن المشكوك الاعتبار الى الشك فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه الى النقض اليقين بالشك فتأمل جيداً. هذا كلامه وفيه ان قضية عدم اعتباره اما لألغائه حيث يقوم الدليل على ذلك أو
لعدم الدليل عليه ولابد في اعتباره والعمل عليه من دليل لا يكاد حالياً يكون إلا عدم اثبات مظنونه به تعبداً ليترتب عليه آثاره شرعاً لا ترتيب آثار الشك عليه بل لابد حينئذ في تعيين ان الوظيفة مع عدم ثبوت المظنون به لعدم اعتباره أي أصل من الاصول العملية من الدليل المعين فلو فرض عدم دلالة الاخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلابد من الانتهاء الى سائر الاصول بلا شبهة ولا ارتياب ولعله اشير اليه بالامر بالتأمل فتأمل جيداً. وفيه ان المستدل جعل وجود الظن الذي قام الدليل على عدم اعتباره وعدمه سواء ولا معنى للتسوية إلا في عدم ثبوت المظنون به وهو ما أفاده صاحب الكفاية بعينه ولم يزد شيئاً على ذلك واما مشكوك الاعتبار فلا معنى لكون عدم ثبوت المظنون به من باب التعبد إذ لا تعبد بذلك من الشارع لعدم توقف مشكوك الاعتبار على التعبد بعدم اعتباره في عدم اعتباره وان جاز التعبد وإنما الحاكم بعدم اعتبار المشكوك وعدم ثبوت متعلقه به هو العقل والعقل كما يحكم بذلك يحكم أيضاً باعطاءه حكم الشك إذ لا معنى لكونه مشكوكاً إلا كونه بالنسبة الى متعلقه بمنزلة الشك في عدم ثبوته به ولعله الى ما ذكرنا أشار صاحب الكفاية بالتأمل.
نعم الظاهر ان منشأ تأمل المستدل هو ظهور الاخبار جداً في ان المراد من الشك هو الشك الفعلي لا الأولي فلا ينافي أول الظن المشكوك الاعتبار الى الشك عدم شمول الشك في الاخبار له فانه
بالوجدان من نقض اليقين بالظن لا بالشك وان آل اليه ويمكن ان يقال بشمول الدليل للشك الاولي واليقين الاولي بتنقيح المناط فيكفي حينئذ عن اليقين بالحكم الظن به إذا كان متيقن الاعتبار فيقوم مقام الركن الاول في الاستصحاب كما يكفي عن الشك فيه الظن به إذا كان مشكوك الاعتبار فيقوم الظن مقام الركن الثاني ويرجع معنى (لا تنقض اليقين بالشك) في مثل هذا الظن الى عدم جواز نقض متيقن الاعتبار بمشكوكه حيث يجتمعان ولا معنى لذلك إلا وجوب ترتيب آثار اليقين بالاعتبار وهي ثبوت متعلق الظن المتيقن الاعتبار حدوثاً وبقاء بنفسه إذا كان حكماً وبأثره إذا كان موضوعاً هذا إذا اجتمعا بأن ظن بظن متيقن الاعتبار بحكم ثم ظن بظن مشكوك الاعتبار ببقاءه ومنه يعلم صورة الافتراق واجتماع المشكوك الاعتبار مع اليقين الواقعي والمقطوع الاعتبار مع الشك الواقعي فافهم واغتنم وتأمل واستقم فانه جداً دقيق وبذلك حقيق ..
التاسع عشر من التنبيهات: لا يخفى انه لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن اما لبناء العقلاء أو لكون المستفاد من الاخبار ذلك فهل المعتبر هو الظن الشخصي أو يكفي النوعي؟ ظاهر المحكي عن شيخنا البهائي وشارح الدروس والشهيد في الذكرى هو الأول بل ظاهر الثالث ذلك مع كون دليله الاخبار وظاهر شيخنا العلامة وفاقاً لظاهر من تقدمه هو الثاني بل ظاهر بعض المتأخرين دعوى الاجماع عليه بناءاً على استفادته من الاخبار كما عرفت في
التنبيه السابق حيث ادعى الاجماع على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف ممن قال باعتباره من الاخبار ولم يفرق بين القول به تعبداً أو من باب الظن والانصاف انه ان كان مدرك الاعتبار له كذلك بناء العقلاء فالمعتبر هو الظن الشخصي وان كان مدركه الاخبار ولو مع ضميمة بناء العقلاء فالمعتبر ليس إلا النوعي اما الأول فلشهادة الوجدان بان العقلاء إنما يعملون بما يحصل لهم من الظن بالبقاء ولا نرى واحداً منهم يعمل بذلك مع ظن الخلاف.
واما الثاني فلظهور الاخبار في انها على نهج ما دل على غير الاستصحاب من الظنون بل ظهور بعضها جداً في انها على ما ورد في تعليل قاعدة الفراغ من انه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك ومن ذلك يعلم ان ارادة مطلق ما عدا اليقين من لفظ الشك في هذه الاخبار لا دلالة له على اعتبار الاستصحاب من باب التعبد ليس غير لعدم ارادة ذلك لاعتباره من باب الظن النوعي.
نعم هي صريحه في عدم اعتبار الظن الشخصي فالعجب مما يظهر من شيخنا الشهيد كما تقدم حيث اعتبر الشخصي مع تعبيره بما يظهر منه ان الدليل هو الاخبار فلاحظ.
العشرون من التنبيهات: لا يخفى انه ربما وقع التعبير باستصحاب الحال كما في محكي العدة أو باستصحاب حال الاجماع أو الشرع كما في محكي المعارج وغيره أو باستصحاب حال العقل والظاهر ان المراد من الحال في الأول هي الحالة السابقة كما هو