أفادت هذه الامارة الظن وما إذا لم تفد بداهة انها لو لم تكن مفيدة له دائماً لكانت مفيدة له أحياناً وذلك كاف في لزوم الاستفصال على الامام لو كان بين المقامين فرق يوجب اختلاف الحكم على عموم النفي لصورة الافادة ودلالة الاطلاق على ذلك واضحة وكذا قوله (ع): (بعده لا تنقض اليقين بالشك) الدال على ان الحكم في المغيا مطلقاً هو عدم نقض اليقين بالشك كما لا يخفى. هذا وقد استدل عليه أيضاً بوجهين آخرين:
الأول: الاجماع القطعي على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف على تقدير اعتباره من باب الاخبار. وفيه انه لا وجه لدعواه بمعناه الكاشف عن رأي المعصوم ولو سلم تحقق اتفاق الاصحاب على اعتبار لاحتمال ان يكون ذلك من جهة ظهور دلالة الاخبار عليه بل للقطع بذلك فضلًا عن الظن والاحتمال ومع احتمال كون المستند ذلك لا يكون كاشفاً قطعياً.
الثاني: ان الظن غير المعتبر ان علم بعدم اعتباره بالدليل فمعناه ان وجوده كعدمه عند الشارع وان كلما يترتب شرعاً على تقدير عدمه فهو يترتب على تقدير وجوده وهذا واضح ويكون خروج مثله للدليل وان كان مما شك في اعتباره آل الظن المشكوك الاعتبار الى الشك فمرجع رفع اليد عن اليقين بالحكم الفعلي السابق بسببه الى النقض اليقين بالشك فتأمل جيداً. هذا كلامه وفيه ان قضية عدم اعتباره اما لألغائه حيث يقوم الدليل على ذلك أو
لعدم الدليل عليه ولابد في اعتباره والعمل عليه من دليل لا يكاد حالياً يكون إلا عدم اثبات مظنونه به تعبداً ليترتب عليه آثاره شرعاً لا ترتيب آثار الشك عليه بل لابد حينئذ في تعيين ان الوظيفة مع عدم ثبوت المظنون به لعدم اعتباره أي أصل من الاصول العملية من الدليل المعين فلو فرض عدم دلالة الاخبار معه على اعتبار الاستصحاب فلابد من الانتهاء الى سائر الاصول بلا شبهة ولا ارتياب ولعله اشير اليه بالامر بالتأمل فتأمل جيداً. وفيه ان المستدل جعل وجود الظن الذي قام الدليل على عدم اعتباره وعدمه سواء ولا معنى للتسوية إلا في عدم ثبوت المظنون به وهو ما أفاده صاحب الكفاية بعينه ولم يزد شيئاً على ذلك واما مشكوك الاعتبار فلا معنى لكون عدم ثبوت المظنون به من باب التعبد إذ لا تعبد بذلك من الشارع لعدم توقف مشكوك الاعتبار على التعبد بعدم اعتباره في عدم اعتباره وان جاز التعبد وإنما الحاكم بعدم اعتبار المشكوك وعدم ثبوت متعلقه به هو العقل والعقل كما يحكم بذلك يحكم أيضاً باعطاءه حكم الشك إذ لا معنى لكونه مشكوكاً إلا كونه بالنسبة الى متعلقه بمنزلة الشك في عدم ثبوته به ولعله الى ما ذكرنا أشار صاحب الكفاية بالتأمل.
نعم الظاهر ان منشأ تأمل المستدل هو ظهور الاخبار جداً في ان المراد من الشك هو الشك الفعلي لا الأولي فلا ينافي أول الظن المشكوك الاعتبار الى الشك عدم شمول الشك في الاخبار له فانه
بالوجدان من نقض اليقين بالظن لا بالشك وان آل اليه ويمكن ان يقال بشمول الدليل للشك الاولي واليقين الاولي بتنقيح المناط فيكفي حينئذ عن اليقين بالحكم الظن به إذا كان متيقن الاعتبار فيقوم مقام الركن الاول في الاستصحاب كما يكفي عن الشك فيه الظن به إذا كان مشكوك الاعتبار فيقوم الظن مقام الركن الثاني ويرجع معنى (لا تنقض اليقين بالشك) في مثل هذا الظن الى عدم جواز نقض متيقن الاعتبار بمشكوكه حيث يجتمعان ولا معنى لذلك إلا وجوب ترتيب آثار اليقين بالاعتبار وهي ثبوت متعلق الظن المتيقن الاعتبار حدوثاً وبقاء بنفسه إذا كان حكماً وبأثره إذا كان موضوعاً هذا إذا اجتمعا بأن ظن بظن متيقن الاعتبار بحكم ثم ظن بظن مشكوك الاعتبار ببقاءه ومنه يعلم صورة الافتراق واجتماع المشكوك الاعتبار مع اليقين الواقعي والمقطوع الاعتبار مع الشك الواقعي فافهم واغتنم وتأمل واستقم فانه جداً دقيق وبذلك حقيق ..
التاسع عشر من التنبيهات: لا يخفى انه لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن اما لبناء العقلاء أو لكون المستفاد من الاخبار ذلك فهل المعتبر هو الظن الشخصي أو يكفي النوعي؟ ظاهر المحكي عن شيخنا البهائي وشارح الدروس والشهيد في الذكرى هو الأول بل ظاهر الثالث ذلك مع كون دليله الاخبار وظاهر شيخنا العلامة وفاقاً لظاهر من تقدمه هو الثاني بل ظاهر بعض المتأخرين دعوى الاجماع عليه بناءاً على استفادته من الاخبار كما عرفت في
التنبيه السابق حيث ادعى الاجماع على اعتبار الاستصحاب مع الظن بالخلاف ممن قال باعتباره من الاخبار ولم يفرق بين القول به تعبداً أو من باب الظن والانصاف انه ان كان مدرك الاعتبار له كذلك بناء العقلاء فالمعتبر هو الظن الشخصي وان كان مدركه الاخبار ولو مع ضميمة بناء العقلاء فالمعتبر ليس إلا النوعي اما الأول فلشهادة الوجدان بان العقلاء إنما يعملون بما يحصل لهم من الظن بالبقاء ولا نرى واحداً منهم يعمل بذلك مع ظن الخلاف.
واما الثاني فلظهور الاخبار في انها على نهج ما دل على غير الاستصحاب من الظنون بل ظهور بعضها جداً في انها على ما ورد في تعليل قاعدة الفراغ من انه حين يتوضأ اذكر منه حين يشك ومن ذلك يعلم ان ارادة مطلق ما عدا اليقين من لفظ الشك في هذه الاخبار لا دلالة له على اعتبار الاستصحاب من باب التعبد ليس غير لعدم ارادة ذلك لاعتباره من باب الظن النوعي.
نعم هي صريحه في عدم اعتبار الظن الشخصي فالعجب مما يظهر من شيخنا الشهيد كما تقدم حيث اعتبر الشخصي مع تعبيره بما يظهر منه ان الدليل هو الاخبار فلاحظ.
العشرون من التنبيهات: لا يخفى انه ربما وقع التعبير باستصحاب الحال كما في محكي العدة أو باستصحاب حال الاجماع أو الشرع كما في محكي المعارج وغيره أو باستصحاب حال العقل والظاهر ان المراد من الحال في الأول هي الحالة السابقة كما هو
صريح عبارته واما المراد باستصحاب حال الاجماع فهو استصحاب الحال التي كان منشأ اليقين بالحكم فيها أو بالموضوع ذي الحكم هو الاجماع المقتصر في الآخذية على القدر المتيقن وحيث كان اليقين أحد ركني الاجماع ولا يقين إلا إذا كان الدليل هو الاجماع والعقل عبر باستصحاب حالهما ولما كان الغالب هو الاجماع وان القضية العقلية كعدم التكليف حال الصغر مثلًا إنما تستصحب على بعض الوجوه لا مطلقاً اقتصر بعضهم على التعبير باستصحاب حال الاجماع خاصة تنزيلًا للفرد النادر منزلية المعدوم وهذا واضح، ويحتمل بل لعله الأظهر ان يراد به استصحاب حال الحكم المختصة دلالة دليله عليه بالحال الأول وحيث كان أظهرها الاجماع عبر به.
الحادي والعشرون من التنبيهات: قد يطلق الاستصحاب ويراد به استصحاب عموم النص واطلاقه وربما جعله البعض قسماً برأسه وقال بحجيته وانكر حجية غيره حتى نسب اليه القول بالتفصيل في حجية الاستصحاب كالغزالي. والتحقيق ان الأخذ بعموم النص في مورد الشك في التخصيص أو باطلاقه في مورد الشك في التقييد ليس من الاستصحاب الحقيقي أصلًا وإنما هي قاعدة عقلية عليها استقر بناء العقلاء في محاوراتهم وفي كل مكان وإلا فلا يقين بالعموم والاطلاق إلا في نادر من الموارد لاحتمال سبق المخصص والمقيد صدوراً على صدور العام وهذا في غاية الوضوح ولا ينبغي اطالة الكلام فيه.
تتمة
لا يذهب عليك ان معنى الاستصحاب لما كان هو اثبات الحكم في مورد الشك فلابد فيه من بقاء الموضوع هذا بحسب مقومات ذاته واما بحسب مقام تحققه فقد عرفت تأخره مرتبة عما نصب طريقاً الى الواقع مزيلًا للشك حقيقة أو حكماً فلابد فيه من عدم امارة معتبرة هناك ولو على وفاقه فان الموافقة في المؤدى لا يلزمها الموافقة في المرتبة فههنا مقامان:
المقام الأول
في بقاء الموضوع
اعلم انه لا اشكال في اعتبار بقاء الموضوع بمعنى اتحاد القضية المشكوكة مع المتيقنة موضوعاً كاتحادهما حكماً ضرورة انه قد عرفت ان محل الاستصحاب هو الشك في البقاء ومن دونه أي من دون الاتحاد لا يكون الشك في البقاء بل في الحدوث ولا يكون أيضاً رفع اليد عن اليقين في محل الشك مع اختلاف متعلقهما وعدم اتحاده من نقض اليقين بالشك إذ لا ينتقض اليقين بوجوب الصلاة مثلًا بالشك في وجوب موضوع آخر إذا لم يرتب عليه فاعتبار البقاء بهذا المعنى
لا يحتاج الى زيادة بيان واقامة برهان المراد بالموضوع هو معروض المستصحب الذي تعتور عليه الحالتان اليقين والشك في القضية المتيقنة والمشكوكة فإذا حصل اليقين بحياة زيد ثم شك في بقائها فالموضوع المشترط بقائه هو زيد الذي هو معروض الحياة المتيقنة والمشكوكة لا حياة زيد إذ لا يعقل اشتراط بقائها مع كون الشك إنما هو في بقائها واما الاستدلال عليه باستحالة انتقال العرض من دون جوهرة الى موضوع آخر لتقومه بالموضوع وتشخصه به فهو غريب عند بداهة ان امتناعه عقلًا واستحالته حقيقة غير مستلزم لاستحالته تعبداً والالتزام بآثاره شرعاً وفيه انه غريب من مثل صاحب الكفاية ضرورة ان الحكم بالالتزام بآثاره تعبداً إنما يتصور إذا كان بلسان الحكم ببقاء موضوعه وجوهره تعبداً فالتعبد إنما هو بقاء الموضوع الراجع الى التعبد بالالتزام بآثاره في مورد الشك ولذا لم تجد أثراً ولا خبراً مما دل على التنزيل والتعبد إلا على هذا النهج واما الحكم بالالتزام تعبداً من دون تنزيل للموضوع فهو محال لاستلزامه تحقق الحكم والعرض بلا موضوع وجوهر وهو غير معقول ولا معنى للتعبد بغير المعقول وإلا لترتب على الحكم بامكان ذلك ما لا يرضى به الحاكم بالامكان واما الحكم بالالتزام بمثل تلك الآثار في مورد الشك فهو ممكن إلا انه خارج عن محل الكلام ضرورة ان محل الكلام ما يعطي لسان الدليل فيه ثبوت شخص ذلك الحكم في مورد الشك وإلا فلا يتصور معنى للنقض وعدمه لو أريد غيره هذا إذا
كان بقاء الموضوع بهذا المعنى واما إذا كان بمعنى احراز وجود الموضوع الفعلي خارجاً فلا يعتبر قطعاً في أصل جريانه لتحقق اركانه من دونه.
نعم ربما يكون مما لابد منه في بعض الآثار، والحاصل بقاء الموضوع واحرازه ولو بالاستصحاب شرط في الاستصحاب واما وجوده فليس بشرط ولكن يختلف الحال باختلاف الآثار ففي مثل استصحاب عدالة زيد بناءاً على جواز تقليد الميت إذا كان عدلًا لا يحتاج الى احراز وجود زيد في الخارج وحياته لجواز تقليده أو لقبول خبر يرويه وما اشبه ذلك وان كان محتاجاً اليه في آثار أخر مثل جواز الاقتداء به أو وجوب اكرامه أو الانفاق عليه أو استئجاره للعبادات نائباً وغير ذلك وإنما الاشكال كله في ان هذا الاتحاد ما الضابط فيه وانه هل هو بنظر العرف أو بحسب لسان دليل الحكم أو بنظر العقل؟ والفرق بين الانحاء الثلاثة يعلم من بيان حال كل واحد منها فلو كان مناط الاتحاد نظر العقل فلا مجال للاستصحاب في الاحكام لقيام احتمال تغير الموضوع في كل مقام شك في بقاء الحكم بزوال بعض خصوصيات موضوعه كزوال حالة العنبية وتبدلها بالزبيبية لاحتمال دخله فيه بل وكذا في الموضوعات إذا كان الشك لزوال بعض اجزائها كما لو أخذ شيء من متيقن الكرية ويختص بالموضوعات التي لا يكون منشأ الشك فيها ذلك كحياة زيد مثلًا بداهة انه إذا شك الانسان في بقاء حياة زيد فقد شك في ما كان على يقين منه حقيقة وهذا بخلاف ما لو كان مناط الاتحاد بنظر