الدال على حرمة النقض الصادق عليه حقيقه رافع لموضوعه أيضاً في غاية الجودة بناءاً على عموم دليل القرعة وقد حققناه بما لا مزيد عليه إلا ان الأظهر ما ذكرناه من عدم صدق الاشتباه والجهل والاشكال على المستصحب المشكوك البقاء لانصرافها الى اشتباه الموضوع بين فردين أو أفراد كما هو الظاهر جداً من رواية القطيع فلا بأس برفع اليد عن دليلها عند دوران الأمر بينه وبين رفع اليد عن دليله بل لا محيص عن ذلك لما عرفت من عدم الدوران بلا رفع لليد حقيقة بل دليلها بنفسه مرتفع لتغاير موضوعه مع موضوع الاستصحاب لا لوهن عمومها وقوة عمومه وان كان الأمر كذلك بناءاً عليه كما أشرنا اليه آنفاً والحمد لله أولًا وآخراً وصلى الله على محمد وآله باطناً وظاهراً.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقصد الثامن من تعارض الأدلة والامارات
اقتطفناه من شرح الكفاية للكاظمي (ره) قال ():
فصل
التعارض هو تنافي الدليلين أو الأدلة بحسب الدلالة ومقام الاثبات على وجه التناقض حقيقة وهو واضح وعرضاً وذلك بأن علم بكذب أحدهما اجمالًا مع عدم امتناع اجتماعهما بحسب الذات وعليه فلا تعارض بينهما بمجرد تنافي مدلولهما في بادئ النظر كما إذا بينهما حكومة رافعة للتعارض والخصومة بل هما مندفعان بها والمراد بالحكومة كون الدليل الحاكم مما يترتب على تحقق موضوعه عدم موضوع المحكوم عرفاً بحيث ان أهل العرف يفهمون هذا المعنى بمجرد الصدور كما عرفت في دليل الطرق ودليل الاصول ونصب الأولى طريقاً للواقع والثانية لفاقد طريقه والشاك فيه واما تفسيرها بأن يكون أحدهما قد سبق ناظراً بلسانه الى بيان كمية ما اريد بالآخر مقدماً كان أو مؤخراً كما اختاره صاحب الكفاية وفاقاً لشيخنا العلامة فلا دليل يقتضيه ولم ينزل وحي فيه بل حقيقتها
ما ذكرنا وما ذكر من النظر فهو موجود فيها أيضاً بالمعنى الذي ذكرناه لكن بالبصيرة لا بالبصر كما ذكروه واشترطوه وتحقيق ذلك ان دليل حجية الامارة قد دل على وجوب تصديق العادل فيما أخبر به فإذا أخبر العادل بأن حكم شرب الخمر واقعاً هو الحرمة أو أخبر ان حكم مشكوك الحلية أو الحرمة واقعاً هو الحلية كان معنى الأمر بتصديقه في الاول هو البناء على ثبوت الواقع والغاء احتمال خلافه ومن الواضح استحالة الالغاء الحقيقي والمتصور هو الالغاء التعبدي ولا معنى له إلا الغاء حكم الاحتمال وأثره وقد كان حكمه وأثره بنص الخبر الثاني هو الحلية فلا محالة يسقط موضوع الحلية التي هي الأصل في المشكوك بنص دليل الامارة وأي نظر أقوى من هذا النظر فإنه لولا هذا الأثر للغي الأمر بالغاء احتمال الخلاف المستفاد باللزوم البين من الآمر بالتصديق وكان معنى الأمر بتصديقه في الثاني البناء على ان الحكم الواقعي للمشكوك هو الحلية والغاء احتمال خلافه فان مشكوك الحلية والحرمة أيضاً موضوع من الموضوعات المشكوك حكمها ويكون حكمه أيضاً الحلية التي دل عليها اما بالشمول لتعليق الحكم على الطبيعة أو بتنقيح المناط فمعنى الغاء احتمال خلافه الغاء أثره ومعناه في المقام ليس كما في المقام الأول من كونه غير محكوم به أصلًا بل بمعنى انه غير محكوم به فعلًا وان كان موافقاً لمؤدى الامارة لما عرفت من ان الدليل المتأخر موضوعه مرتبة عن موضوع الدليل الحاكم لا اعتبار بمؤداه موافقاً أو مخالفاً لأن المرتبة للدليل الحاكم
فالغاء حكم الاحتمال المخالف في صورة مخالفة مؤدى دليل الأصل لمؤدى الامارة من جهتين كونه ليس في مرتبته وكونه مخالفاً وفي صورة موافقته من جهة واحدة وهي الأولى فهذا معنى الحكومة وهذا معنى الظن الحاكم الى المحكوم لا ما ذكر من النظر التفسيري الشارح لكمية مدلول المحكوم سعةً وضيقاً فظهر لك بهذا التحقيق ان شمول دليل حجية الامارة للأمارة الدالة على الحكم الثابت للموضوع الواقعي وللامارة الدالة على الحكم الثابت لموضوع المشكوك حكمه الواقعي في عرض واحد ويكون دليل الأصل بالنسبة الى ثبوت مؤداه وهو الأصل امارة وفي مرتبة الامارة نفسها الدالة على حكم الموضوع الواقعي فإذا كانت الامارة بمنزلة دليل الأصل مرتبة كان مدلول دليل الأصل وهو الأصل متأخراً عنه بحسب المرتبة بضرورة العقل فاحفظ ذلك ولا تلتفت الى بعض ما ذكرناه في معنى الحكومة فيما علقناه على رسالة البراءة وتأمل فيه فانه دقيق متين وخذ ما اتيناك وكن من الشاكرين. فانقدح لك أنه لا فرق في الحاكم والمحكوم بعد ان كان ملاك الحكومة ما عرفت بين ما كانا على نحو دليل الامارة والأصل أو كانا على نحو إذا عرضنا على العرف وفق بينهما بالتصرف في خصوص أحدهما كما هو مطرد في مثل الأدلة المتكفلة لبيان أحكام الموضوعات بعناوينها الأولية مع مثل الأدلة النافية للعسر والحرج والضرر والاكراه والاضطرار مما يتكفل لاحكامها بعناوينها الثانوية حيث يقدم في مثلهما الأدلة النافية ولا
تلاحظ النسبة بينهما أصلًا ويتفق ذلك في غيرهما أيضاً إذا كان على هذا النحو كما لا يخفى لرجوع هذا التوفيق إلا ما ذكرنا من ترتب الموضوع المستفاد من الدليلين ضرورة ان الأدلة النافية عرفاً بمنزلة الأستثناء من عموم الأدلة المثبتة المنوع للمستثنى منه الى نوعين فيكون مدلول الأدلة المثبتة هو ثبوت الحكم غير العسر أو المضر أو غير ذلك ومن المعلوم ان الموضوع إذا أخذ مقيداً بهذا القيد كان تحقق نقيض القيد وهو العسر والضرر وغيرهما وأفعاله حقيقة إذا ثبت بالعلم وحكماً إذا ثبت بالعلمي وأين ذلك من التخصيص فالحكومة لم تزل ولا تزال هي رفع الدليل الحاكم بموضوعه لموضوع الدليل المحكوم والوجدان شاهد على ان العرف يفهمون من الأدلة النافية تقييد موضوع الأدلة المثبتة بنقيض موضوعها فيلزم بالضرورة من تحقق احد النقيضين ارتفاع الآخر فان أراد صاحب الكفاية من التوفيق العرفي بينهما الحاصل بمجرد العرض هذا المعنى فنعم الوفاق وان أراد غيره فأنت وانصافك في قبوله ورده. وكيف كان فعدم تحقق التعارض الحقيقي عرفاً اما بسبب فهمهم للحكومة المتحققة بالتصرف في أحدهما فقط على ما عرفت أو ان عدم التعارض عندهم بالتصرف فيهما معاً يكون صدور مجموعهما مع تنافيهما قرينة على التصرف فيهما أو في أحدهما المعين ولو كان الآخر أظهر وسيأتي بيان الصغرى ومما حققنا ظهر لك بأوضح البيان ما في قول صاحب الكفاية (قدس سره).
ولذلك تقدم الامارات المعتبرة على الاصول الشرعية فانه لا يكاد يتحير أهل العرف في تقديمها عليها بعد ملاحظتها حيث لا يلزم منه محذور تخصيص أصلًا بخلاف العكس فانه يلزم منه محذور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر كما أشرنا اليه في أواخر الاستصحاب وليس وجه تقديمها حكومتها على أدلتها لعدم كونها ناظرة الى أدلتها بوجه وتعرضها لبيان حكم موردها لا يوجب كونها ناظرة الى أدلتها وشارحة لها وإلا كانت أدلتها أي أدلة الاصول أيضاً دالة ولو بالالتزام على ان حكم مورد الاجتماع فعلًا هو مقتضى الأصل لا الامارة وهو مستلزم عقلًا نفي ما هو قضية الامارة ولا مرجح لتقديم الأولى على الثانية، هذا كلامه وأنت خبير بما فيه وليت شعري من أين كان معنى الحكومة ذلك فانه لا يقضي به عرف ولا شرع ولا عقل ولم يلتزم في الدليل الوارد هذا المعنى فما بال الدليل الحاكم قد التزم له بذلك بل التحقيق ما عرفت من المعنى فانه كما ان معنى الورود اقتضاء الدليل الوارد زوال موضوع الدليل المورد حقيقه وواقعاً وان لم يكن فيه شائبة النظر كذلك يكون معنى الحكومة هو اقتضاء الدليل الحاكم زوال موضوع الدليل المحكوم حكماً وتعبداً من الشارع لا حقيقة واقعة وتسميتها حكومة لهذه المناسبة وإلا فملاكها معاً زوال الموضوع وكيف ساغ له قياس تعرض أدلة الاصول لبيان مورد الأمارات بالالتزام على تعرض أدلة الامارات لبيان مورد الأصول بما يشبه دلالة المطابقة في مورد
الاجتماع مع ما عرفت من عدم تصور العرف بعد نظرهم الى مفاد الدليلين إمكان تحقق مادة للاجتماع بعد ما فهموا من أدلة الامارات أنه ليس مقتضى حجيتها شرعاً المتضمنة للأمر بالبناء على ثبوت الواقع والقاء احتمال خلافة تعبداً إلا نفي موضوع أدلة الأصول وما هو قضيته عقلًا وشرعاً من انتفاء حكمه من دون دلالة عليه لفظاً ضرورة أن الامارة التي هي دليل الحكم الواقعي لا دلالة لها إلا على الحكم الواقعي وقضية حجيتها ليس إلا لزوم العمل على وفقها شرعاً المنافي عقلًا للزوم العمل على خلافه والواجب شرعاً الغاء احتمال خلافه وهو قضية الاصل أعني الحكم الثابت به وأنى للعرف تصور التخصيص بلا وجه أو بوجه دائر عند ارادة العمل بأحد الدليلين.
نعم ما ذكرناه من فهمهم ترتب موضوع أحد الدليلين على الآخر أمر يلتفت اليه أهل المحاورات بما تقتضيه الفطرة التي هي فيهم وهم عليها وهذا الذي ذكرناه في ملاك الحكومة جار مع البناء على ان المجعول في أدلة الطرق والامارات هو الاحكام الظاهرية أو انه محض الحجية للقطع بانه لا معنى لجعل الحجية تعبداً إلا الغاء احتمال خلاف ما تؤدي اليه الذي هو الامر بالبناء على كونها طريق الى الواقع تعبداً واما احتمال أن يقال انه ليس قضية الحجية شرعاً إلا لزوم العمل على وفق الحجة عقلًا وتنجز الواقع مع المصادفة وعدم تنجزه في صورة المخالفة وكيف كان مقتضاها فإنه ليس مفاد دليل
الاعتبار الغاء احتمال الخلاف تعبداً كي يختلف الحال ويكون مفاده في الامارة نفي حكم الأصل حيث انه هو حكم الاحتمال بخلاف مفاده فيه من أجل ان الحكم الواقعي ليس هوحكم احتمال خلافه كيف وهو أي مفاد الاصول حكم الشك فيه أي في الحكم الواقعي وحكم احتماله فهو في غاية الضعف لما عرفت من ان الحجية المجعولة إنما جعلت تعبداً لا كونت واقعاً ولا معنى للجعل التعبدي إلا البناء على طريقتها تعيد الذي هو الغاء احتمال خلافه المستلزم عقلًا لثبوت ذلك في موادها وكون المنجز في صورة الاصابة الواقع نفسه في صورة الخطأ ليس إلا العذر لا ربط له بما نحن فيه مما يهمنا وقد عرفت معنى حكم احتمال خلاف الأصل والغاءه فلا نعيد فافهم وتأمل جيداً فانقدح بذلك انه لا يكاد ترتفع غائلة المطاردة والمعارضة إلا بما أشرنا اليه سابقاً وآنفاً وأنت إذا تأملت ما ذكرناه وما أفاده صاحب الكفاية تعرف ان مرجع النزاع ربما يئول الى كونه لفظياً لا معنوياً إلا فيما أفاده اخيراً من الاحتمال فلا تغفل هذا، وقد عرفت انه لا تعارض أيضاً فيما إذا كان أحدهما قرينة على التصرف في الآخر كما في الظاهر مع النص فانه كالمورد مع الوارد أو الظاهر مع الأظهر فانه كالمحكوم والحاكم وذلك مثل ما دل بظاهره على الوجوب كالصيغة وما دل على جواز الترك فانه قرينة على استعمال الصيغة في الندب هذا في القسم الأول، واما الثاني فهو مثل العام والخاص والمطلق والمقيد او مثلهما مما كان أحدهما نصاً او اظهر حيث ان بناء