فصل
لا يخفى عليك ان ما ذكر من قضية التعارض بين الامارات وانها تقتضي سقوطها معاً عن الحجية في موردهما إنما هو بملاحظة القاعدة في تعارضها وإلا فربما يدعى الاجماع على عدم سقوط كلا المتعارضين كما اتفقت عليه كلمة غير واحد من الأخبار الآمرة بالتخير وعرفت أيضاً ان ذلك من أقوى الشواهد على ما ذكرنا من عدم التعارض وانه من باب تزاحم الحجيتين الواجب العمل بهما فلا داعي الى ما تكلفوه من حمل التخيير فيها على كونه حكماً ظاهرياً عملياً في المسألة الاصولية زعماً منهم ان ظهور الاخبار في ان الملحوظ في نصبها الطريقية ينافي تحقق السببية وقد عرفت عدم المنافات أصلًا وعدم الخلاف في ان الملحوظ ذلك ولا يخفى ان اللازم فيما لو لم تنهض حجة على التعيين أو التخيير بينهما هو الاقتصار على الراجح منها من غير فرق بين القولين للقطع بحجيته اما نعينا بناءاً على العمل برجحانه أو تخييراً بناءاً على عدمه فالأخذ به هو القدر المتيقن ويبقى الآخر مشكوك الحجية والأصل عدم حجية ما لم يقطع بحجيته ولا يكفي حتى الظن الخاص بها إذ لابد من انتهاء الظن بها الى القطع بالحجية وإلا لدار أو تسلسل بل ربما يدعى الاجماع أيضاً على حجية خصوص الراجح وقد استدل عليه بوجوه
أخر أحسنها الاخبار وهي أي الاخبار مطلقاً لا خصوص ما استدل بها على طوائف لابد من ذكرها لتعرف ما يمكن ان يستدل به منها على وجوب العمل بالراجح الناشيء عن وجوب الترجيح.
منها ما دل على التخيير في مقام التعارض على الاطلاق من دون تفصيل بين وجود مرجح لأحدها على الآخر وعدمه كخبر الحسن بن الجهم عن الرضا (ع) قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة بحديثين مختلفين ولا يعلم أيهما المحق، قال: (فإذا لم يعلم فموسع عليك بأيهما أخذت). وخبر الحارث بن المعيرة عن أبي عبد الله (ع): (إذا سمعت من اصحابك الحديث وكلهم ثقة فموسع عليك حتى ترى القائم فترد عليه)، ومكاتبة عبد الله بن محمد الى أبي الحسن (ع): اختلف أصحابنا في رواياتهم عن أبي عبد الله (ع) في ركعتي الفجر فروى بعضهم صلِّ في المحمل وروى بعضهم لا تصلِّ إلا في الأرض فوقع (ع): (موسع عليك بآية عملت) ومكاتبة الحميري الى الحجة (ع) الى ان قال: (في الجواب عن ذلك حديثان) الى ان قال (ع): (وبأيهما أخذت من باب التسليم كان صواباً) الى غير ذلك من الاطلاقات ومنها ما دل على التوقف مطلقاً ومنها ما دل على وجوب أخذ ما هو الحائط منها ومنها ما دل على الترجيح بمزايا مخصوصه ومرجحات منصوصه من مخالفة القوم وموافقة الكتاب والسنة العائدة الى الرواية والا عدلية والا صدقية والافقهية والورعية والاوثقية العائدة
الى الراوي والشهرة العائدة الى الرواية أيضاً على اختلافها في الاقتصار على بعض المرجحات في بعض وذكر بعض آخر زائد على الأول في بعض أخر وكذا اختلافها في الترتيب بينهما كما قدم الترجيح بصفات الراوي على الترجيح بالشهرة في المقبولة وعكس الأمر في المرفوعة ومن أجل اختلاف الاخبار اختلفت الانظار ومنهم من أوجب الترجيح بها لدلالة اخباره عليه مقيدين باخباره اطلاقات التخيير وهم بين من اقتصر على الترجيح بها لعدم دلالة النص على الترجيح بغيرها ومن تعدى منها الى سائر المزايا الموجبة لاقوائية ذي المزية واقربيته الى الواقع بناءاً على ان المزايا المذكورة إنما هي من باب المثال وان المستفاد منها ان المناط والملاك هو الاقوائية كما صار اليه شيخنا العلامة (أعلى الله مقامه) أو الى خصوص المفيدة للظن دون باقي المزايا كما ربما يظهر من غيره ومنهم من قال باستحباب الترجيح بها حملًا للأمر المقيد على الاستحباب وابقاءاً للمطلق على ظاهره وهو الاطلاق وكأن صاحب الكفاية وافقه على أصل عدم لزوم الترجيح قائلًا فالتحقيق ان يقال ان اجمع خبر للمزايا المنصوصة في الاخبار هو المقبولة والمرفوعة مع اختلافهما في كيفية الترتيب وضعف سند المرفوعة جداً والاحتجاج بهما على وجوب الترجيح في مقام الفتوى لا يخلو عن اشكال لقوة احتمال اختصاص الترجيح بهما بمورده الحكومة لرفع المنازعة وفعل الخصومة كما هو موردهما ولا وجه للتعدي منه الى غيره كما لا يخفى. وفيه
ما لا يخفى فلأن كون المقبولة والمرفوعة اجمع خبر للمزايا مع احتمال الاختصاص لا يوجب عدم دلالة غيرهما من الاخبار الآمرة بالترجيح على وجوبه وقلة المزايا المذكورة فيها لا توجب سقوط الدلالة فلو لم يكن للمقبولة والمرفوعة وجود في الاخبار لكان في باقي الاخبار كفاية.
نعم لو كانت المقبولة والمرفوعة اصحها سنداً وأقواها دلالة كان سقوط دلالتها على وجوب الترجيح موجباً لسقوط الباقي بالطريق الاولى وليس الأمر كذلك قطعاً بل لعل سائر الأخبار أقوى منهما لا سيما المرفوعة كما اعترف به.
وأما ثانياً فلان اصبح حمل عليه هذه الرواية سالم عن الاشكالات التي لا تخفى على الفقيه الناقد حملها على ما هي صريحة فيه من جواز الترافع الى حاكمين وجواز نظرهما وحكمهما في تلك الوقعه دفعة واحدة في مجلس واحد يختار أحدهما المدعي والآخر المدعي عليه اذ حملها على التعاقب يوجب عدم نفوذ حكم الحاكم الاول على الثاني وجواز نظر الثاني في الواقعة بعد حكم الاول وجواز نقضه لحكمه مطلقاً وان لم يحصل القطع بفساد ميزانه وكل ذلك خلاف اصول الفقاهة وقواعدها المتسالم عليها فيما بينهم وحينئذ فإن اتفقا في الحكم فزال وان اختلفا فان كان المتخاصمان مجتهدين او مراهقين عملًا بما تضمنته الرواية من الترجيح والاخذ بالراجح وان كانا مقلدين عملًا برأي من قلداه واخذاً بالراجح
تقليداً وعلى جميع التقادير فالترجيح والأخذ بالراجح حينئذ يختص بمقام الفتوى ولا دخل للحكومة فيه، بيان ذلك ان جميع المعلولات وعللها والمسببات واسبابها لابد وان تكون عليه العلة وسببية السبب سابقه فيها وجوداً على وجود المسبب فإن المعنى الذي في النار المؤثر للأطراف سابق على الاحراق وان اتحد وجود النار المماسه لشيء مع وجود اطراقه ولا يعقل ان يكون وجود أمر الاحراق مؤثراً في وجود ذلك المعنى في النار والالزام ان يكون كل من العلة والمعلول معلولًا وعلة للآخر وهو الدور الباطل وحينئذ ظهور صدر الروايتين في كون الترجيح في مقام الحكومة لو سلم لا يرفع ظهور ذيلهما في كون مورده الرواية من حيث هي بل الأمر بالعكس لاقوائية ظهور ذيلها في ذلك من ظهور صدرها ولو سلم تساوي الظهورين مرتبة كان العمل بظهور الذيل مقدماً لاعتضاده بظهور في باقي اخبار الترجيح كما لا يخفى والانصاف ان احتمال مدخلية مقام الحكومة في ذلك اوهن من بيت العنكبوت ولو سلم عدم ظهورهما بنفسهما في ذلك كان باقي الاخبار الصريحه في كونه في مقام الفتوى خاصة قرينه مفسرة للمراد في هاتين الروايتين فالروايات بأسرها دالة على الترجيح في مقام الفتوى بنفسها لا بتنقيح المناط المعلل بالقطع بعدم خصوصية لمقام الحكومة ليرد ذلك ويقال انه لا وجه لدعوى تنقيح المناط مع ملاحظة ان رفع الخصومة بالحكومة في صورة تعارض الحكمين وتعارض ما استند اليه من الروايتين لا يكاد يكون إلا
بالترجيح والا لحصل نقض الغرض فإن الحكومة لفصل الخصومة بين المترافعين ومع عدم الترجيح تبقى بين الحاكمين وذلك اشد فساداً من بقائها بين المتخاصمين ولو سلم ان الحكمين يحكمان ويمضيان ولا يتخاصمان وان الكلام انما هو في كيفية ما به يرتفع الخصام كان عدم الترجيح موجباً لبقاء الخصومه قطعاً وانما يرجع الى الحكم لفصلها فيترتب على عدمه نقض الغرض بالضرورة ولذا أمر (ع) بارجاء الواقعة الى لقاءه (ع) في صورة تساويهما فيما ذكر من المزايا ولم يأمر بالتخيير لوضوح توجه الخصومة حينئذ اليه فكل يختار ما يوافق غرضه بخلاف مقام الفتوى فإنه لا يناسبه البقاء والإرجاء الى لقاءه للاحتياج الى العمل فعلًا ومجرد مناسبة الترجيح لمقاومها أيضاً أي مقام الفتوى لا يوجب ظهور الرواية في وجوبه مطلقاً ولو في غير مورد الحكومة كما لا يخفى. وانت خبير بأن جميع ما ذكر لايوجب اختصاص الترجيح بمقام الحكومة وان كان مقامها احوج اليه من مقام الفتوى ضرورة ان جعل الترجيح لمقام الفتوى ليترتب عليه الترجيح في مقام الحكومة أولى واحكم من جعله لمقام الحكومة خاصة وسقوطه في مقام الفتوى لعدم الملازمة حتى يستدل بها بخلاف العكس فإن الملازمة واضحة ولو سلم ذلك بأسره فقد عرفت ان في الباقي من اخبار الترجيح كفاية لأهل الدراية. هذا واما ما ذكره من ان الأمر بالإرجاء يناسب مقام الحكومة لا مقام الفتوى ففيه انه في ظاهر رواية الصدوق عن ابي
الحسن الرضا (ع) في حديثه الطويل وفي صريح رواية الاحتجاج بسنده عن سماعه بن مهران قد أمر (ع) بالا رجاء حتى يلقى صاحبه في خصوص مقام الفتوى فالإرجاء لازم اعم فلا يختص بمقام الحكومة.
نعم عدم الارجاع الى فن مقام التخيير انما يناسب من الواضح مقام الحكومة كما ذكرنا ان غرض وانما ذيلنا به كلام الامام صاحب الكفاية لما ستعرف عن بيان العلة والسبب في رجحان احد الحكمين على الآخر فلابد ان تكون الاصدقية والافقهية مؤثرة قبل الحكم في رجحان قول الحاكم فلو توقف ذلك التأثير على صدور الحكم كان دوراً بالضرورة واما الكبرى وهي لزوم الاخذ بالراجح فهي عقلية غير معمولة الا بوجود موضوعها هو الرجح ولا دخل للحكم فيها وانما غير الامام (ع) بها قائلًا خذ واترك للكشف عن الخصوصية الموجبة للرجحان المحققة للموضوع وتقرير الحكم العقل ولعمري انه اوضح من ان يخفى، فظهر ان الحكومة لا يعقل ان تكون هي السبب في الصغرى وهي رجحان الراجح ولا في الكبرى وهي لزوم الآخذية والحاصل انه إذا لم تكن المزايا للمذكورة قاضية برجحان ذي المزية على غيره قبل الحكم فكيف يعقل يعقل ان تكون قاضية به بعد الحكم بل يكون ترجيح ذيها على غيره بعده كترجيح انسان على غيره بضم حجراً اليه واما ثالثاً فلأن وبالجملة فإنك ان أبيت الا عن ظهورهما في وجوب الترجيح في كلا المقامين فقد
اصبت الحق وطريق الرشاد واما قوله (قدس سره) على تقدير تسليم الظهور فلا مجال لتقييد اطلاقات التخيير في مثل زماننا مما لا يتمكن من لقاء الامام (ع) بهما لقصور المرفوعة سنداً والمقبولة دلالة لإختصاصهما بزمان التمكن من لقاءه (ع) ولذا اما رجع الى التخيير بعد فقد الترجيح ففيه انه إذا اكتفى باختصاص بعض اخبار الترجيح بزمان التمكن من لقاء الامام للامر فيهما بإرجاء الواقعة الى لقاءه في صرفها اجمع عن الدلالة عليه في مثل زماننا فليكتف أيضاً باختصاص بعض اخبار التخيير بزمان التمكن من لقاءه أيضاً للامر فيهما بالتخيير حتى يلقاه كخبر الحرث بن المغيرة في صرفها اجمع عن الدلالة عليه في مثل زماننا وإذا كان اطلاق باقي أخباره كافياً في العموم كان اطلاق باقي اخبار التخيير أيضاً كافياً في ذلك واما عدم ارجاعه الى التخيير فقد عرفت وجهه هذا مع ان قضية الأمر بالتخيير مطلقاً ثم الامر بالترجيح ومع التساوي بالارجاء في خصوص زمان التمكن انما تقتضي الرجوع الى اطلاقات التخيير بعد فقد المرجح في زمان عدم التمكن لا مطلقاً مع ان الامر بالترجيح في زمان التمكن من لقاءه يدل على الترجيح مع عدم التمكن بالطريق الاولى كما لا يخفى هذا واما اطلاق اخبار التخيير مع ترك الفحص عن حال الخبرين وندرة التساوي فهو محمول على غلبة التساوي ظاهراً لندرة العلم باختلافهما فتدل الرواية على عدم وجوب الفحص والاكتفاء في الحكم بالتخيير بالتساوي ظاهراً