لا مخالف لهم مع الوثوق بصدوره لولا القطع به غير جارية للوثوق حينئذ بصدوره كذلك وكذا الصدور أو الظهور في الخبر المخالف يكون موهوناً بذلك بحيث لا يعمه أدلة اعتبار السند ولا الظهور كما لا يخفى. فتكون هذه الاخبار في مقامه تمييز الحجة عن اللاحجة لا ترجيح الحجة على الحجة إذ ليس في واحد من أخبار الترجيح بموافقة الكتاب هذه الفقرات وإنما وردت هذه الفقرات وغيرها من قوله فليس من حديثي أو فليس منا وغير ذلك في أخبار العرض الآمرة بعرض كل خبر على الكتاب وهي كثيرة جداً بل لعلها متواترة وهي محمولة بشهادة جملة منها على ما ورد في اصول الدين واما موافقة العامة فلم يذكر في واحد من الأخبار هذه الفقرات بالنسبة اليها فلا أدري ما الوجه في عطفها على مخالفة الكتاب فلا يلزم من ذلك أن تكون كذلك في المتعارضين الواردين في الفروع ولذا لم تجد خبراً مما ورد في علاجهما مشتملًا على هذه مثل الفقرات والحاصل ان الأمر يدور بين حمل اخبار التخيير على الوجوب واخبار الترجيح على الاستحباب اوحملهما معاً على الوجوب مع تقييد الاطلاقات بها او حمل الاطلاقات على الوجوب المطلق واخبار الترجيح على الوجوب المشروط بكونه في مقام الحكومة وفصل الخصومة وإلا فبزمان التمكن من لقاءه (ع) او المشروط بالعلم بإختلافهما وعدم تساويهما، والأول مذهب السيد الصدر في الوافية والثاني مذهب المشهور والثالث مذهب صاحب
الكفاية والرابع ما اخترناه، ومذهب الكليني يحتمل ان يكون هو الاول ويحتمل الثالث او الرابع على بعد واقواها مذهب الكليني لولا الاخبار الآمره بالترجيح المطلقة من حيث الزمان لأن قوة اطلاق أخبار التخيير واباحة عن التقييد مما لا ينكره إلا مكابر الا ان طرح أخبار الترجيح او حملها على الاستحباب فيه من الضعف ما لا تقوم به قوة الاطلاق ومن ذلك يعلم ضعف مذهب المشهور لاستلزامه تقييد ما يابى عنه على هذا الوجه من جعل وجوب الترجيح مطلقاً فلم يبق الا ما اخترناه فإن فيه ابقاء للاطلاق على ظاهره وان كان مقيداً لندرة العلم بالاختلاف الموجبة لفعلية التقييد وموافقة للمشهور أيضاً فإن المرفوعة نص في مذهب المشهور فإذا كان ضعفها منجراً بشهرة العمل فلا محيص عن الاخذ به والبناء عليه فإذا ضم اليه ما استظهرناه من عدم وجوب الفحص واشتراط وجوب الترجيح بالعلم بوجود المزية أو الاطمئنان ثم المطلوب فيكون ما اخترناه مقدماً على ساءر الوجوه لموافقته لمذهب المشهور وزيادة بها ترتفع غائلة تقييد ما يأبى ظاهره عنه صاحب الكفاية (قدس سره) لما رأى ان ما ذكره من احتمال كون موافقة العامة ومخالفة الكتاب لتمييز الحجة من غير الحجة لا يذعن به الخصم قال: وان ابيت عن ذلك فلا محيص عن حملها توفيقاً بينها وبين الاطلاقات اما على ذلك او على الاستحباب كما اشرنا اليه آنفاً هذا ثم قال: انه لولا التوفيق بذلك للزم التقييد أيضاً في أخبار المرجحات ضرورة ان
الاخبار المرجحة بموافقة الكتاب وموافقة العامة المقتصرة عليهما او على الاولى لا بد من تقييدها بالاخبار المشتملة على المرجحات الأخر المتقدمة على هذا المرجح كما في المقبولة والمرفوعة وهي ابية عنه وكيف يمكن تقييد مثل ما خالف قول ربنا لم أقله او زخرف أو باطل بما إذا لم يسبقه مرجح آخر من صفات الراوي أو الراوية وانت خبير بأنه لم يوجد في اخبار المرجحات ما اشتمل على هذه الفقرات كما عرفت إلا لفظ باطل في خبر واحد وهو بقرينة باقي الاخبار التي تقرب من عشرين خبراً المشتملة على تلك الفقرات الواردة في وجوب عرض كل خبر على القرآن محمول على ما حملت عليه بقرينة مورد جملة منها على ما ورد في الاصول من اخبار الآحاد وباقي الاخبار المرجحة بهما غير آبية عن التقييد كما لا يخفى على من أمعن النظر فيها فلا داعي الى التوفيق بينها وبين الاطلاقات بما أفاده من حملها على تميز الحجة عن اللاحجة او الاستحباب حتى خبر (فان الرشد في خلافهم) للقطع بأنه تعليل بما هو الغالب فلا يكون مانعاً من اصالة عدم الصدور تقية ولا آبياً عن التقييد كما لا يخفى. فتلخص بما ذكرناه ان اطلاقات التخيير مقيدة بالاخبار المرجحة.
نعم هي بالنسبة الى وجوب الفحص محكمة فالوجوب فيها من هذه الجهة مطلق ووجوب الترجيح المقيد لها مشروط وليس في الاخبار ما يصلح لتقييدها من الجهة الثانية وان صلحت للتقييد من
الجهة الاولى بعد وجود شرط وجوب الترجيح هذا وان ابيت عن جميع ذلك فلا اشكال في الأخذ بالراجح وهو القدر المتيقن حتى بناءاً على الاختصاص بمورد الحكومة او بزمان التمكن لاحتمال العموم قطعاً ولا قائل بحرمة الأخذ بالراجح بل هو المتيقن من الاجماع المركب كما هو واضح ومما ذكرنا تعرف حاصل مذهب صاحب الكفاية وهو العمل بالاطلاقات واسقاط ما يظهر منه التقييد من الأخبار.
نعم قد استدل على تقيدها ووجوب الترجيح في المتفاضلين بوجوه أخر منها دعوى الاجماع على لزوم الاخذ بأقوى الدليلين ولا ريب في ان الراجح لأقواهما وفيه مع ان دعوى الاجماع مع مصير مثل الكليني الى التخيير وهو في عهد الغيبة الصغرى وكان يخالط النواب والسفراء قال في ديباجة الكافي: ولا نجد شيئاً اوسع ولا احوط من التخيير. وكذا مثل السيد الصدر في شرح الوافية مع كون اخبار التخيير بمرئى منهما ومسمع مجازفة ان المراد بأقوى الدليلين الاقوائيه في الدلالة كما اعترف بذلك صاحب الكفاية بما يأتي والمزايا المذكورة لا توجب ذلك فهذه القاعدة اجنبية عن مقام الترجيح ولا اقل من احتمال ذلك فيها اللهم الا ان قول الكليني ولا احوط ربما يستفاد منه ان الرجوع الى التخيير بعد فقد المرجح للقطع بأن الترجيح ثم التخيير احوط فلا يجوز الحكم على سبيل القطع بأحوطية التخيير من ولا أقل من احتمال دلالة أخبار الترجيح
عليه فضلًا عن كونه مذهب الكل او الجل وكيف كان فعبارته تنطبق أيضاً على ما اخترناه ولا معين لاحد الاحتمالين ومنها انه لو لم يجب ترجيح ذي المزية لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح عقلًا بل ممتنع قطعاً وفيه عند صاحب الكفاية انه انما يجب الترجيح لو كانت المزية موجبة لتأكد ملاك الحجية في نظر الشارع وليس الامر كذلك فيما نحن فيه ضرورة امكان ان تكون تلك المزية بالاضافة الى ملاكها من قبيل الحجر في جنب الانسان وكان الترجيح بها يئول الى كونه بلا مرجح وهو قبيح فانعكس الأمر على المستدل كما هو واضح. وفيه ما عرفته غير مرة من ان جميع ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) تبعاً لشيخنا العلامة في مسألة عدم ايجاب المزية شيئاً وان ملاك التزاحم وجوب العمل بكل منهما عيناً وهو ليس غير إذ لا واقع مجهول ليراعي بناءاً على السببية وهو موجود في الطرفين مبنى على ان المراد القائلين بالسببية هو صرف النظر عن الواقعيات وعن طريقيته الامارات اليها مطلقاً وان المناط قيام الامارة المسببة للحكم على طبقها وقد حققنا لك فساد هذا المبنى وان كون الامارات لم يلحظ فيها الطريقية مما اتفقوا عليه وان المستفاد من الاخبار ان الوصول الى الواقع أهم في نظر الشارع وان معنى السببية وجود ملاك الحجية والطريقية الى الواقع في كل منهما فلا محالة يكون وجود المزية في أحد الطرفين الموجبة لكونه أقرب الى الواقع مرجحة يجب العمل بها لوجود الواقع المجهول ولعمري ان ما ذكرناه
مطلب شريف من دقائق المطالب ونفائسها مضافاً الى ما اعتقده هو (قدس سره) في ذيل عبارة المستدل في الاضراب من الحكم بالقبح الى الحكم بالامتناع من ان المراد استحالة الصدور فدفعه بانه قد خلط بين المرجح بمعنى العلة والمرجح بمعنى الداعي العقلائي ضرورة ان الترجيح بلا مرجح في الافعال الاختيارية، ومنها الأحكام الشرعية فانها أيضاً أفعال اختيارية لا يكون إلا قبيحاً وهو ممكن الوقوع ولا يستحيل وقوعه إلا على الحكيم تعالى لا لذاته بل لقبحه وإلا فهو بمكان من الامكان لكفاية ان تكون ارادة الفاعل المختار علة لفعله وإنما الممتنع هو وجود الممكن بلا علة فلا استحالة في ترجيحه تعالى للمرجوح إلا من باب امتناع صدوره منه تعالى إلا بناءاً على ما ذهب اليه شرذمة ممن ضل طريق الحق من عدم قدرته تعالى على صدور القبيح واما غيره تعالى فلا استحالة في ترجيحه لما هو المرجوح مما باختياره وإلا لم يعص أحد وبالجملة الترجيح بلا مرجح بمعنى بلا علة محال إلا ان المقام ليس منه وبمعنى بلا داعي عقلًا في قبيح وليس بمحال والمقام منه فلا محل للاضراب.
قلت: ما أفاده في غاية الجودة لو كان المراد ذلك والظاهر ان مراده من الامتناع البطلان وعدم جواز الوقوع في جادة العقلاء نظير قولهم ان تقديم الظاهر على الأظهر ممتنع يعني باطل لا يجوز صدوره عند العقلاء من أهل المحاورة وإلا فان الحكم باستحالة صدور القبيح من غيره تعالى الموجب لعدم وقوع معصية من أحد
مما لا ينبغي صدوره من الاطفال فضلًا عن الامثال فلا ينبغي حمل الكلام عليه ولكن هذا المستدل لما حكم بالقبح ما اكتفى به إذ لا يكون حكمه بالقبح دليلًا على عدم وقوعه فلذلك حكم بالامتناع اخباراً منه بان ذلك مما لا يسوغ لدى العقلاء وقوعه لعدم داع عقلائي فيه فلا تشتبه فهذان وجهان من الوجوه المستدل بها.
ومنها غير ذلك مما لا يكاد يفيد الظن فالصفح عنه أولى وأحسن.
ثم انه إذا اختار المجتهد مدلول أحد الخبرين فانه لا اشكال في الافتاء بما اختاره من الخبرين في عمل نفسه وعمل مقلديه ولا وجه للافتاء بالتخيير في المسألة الفرعية بمعنى ان يقول للمقلد لك الخيار في ان تقول في حال الانتقال من حالة الى حالة في الصلاة الله أكبر أو بحول الله وقوته لعدم الدليل عليه فيه.
نعم له الافتاء به في المسألة الاصولية فيدله على الخبرين ويقول له لك الخيار في الاخذ بأي واحد شئت فلا بأس حينئذ باختيار المقلد غير ما اختاره المفتي فيعمل بما يفهم منه بصريحه أو بظاهره الذي لا شبهة فيه، وإذا احطت خبراً بجميع ما ذكرنا فاعلم انهم اختلفوا في انه هل التخيير ابتداءاً أو بعد فقد المرجح أو غير ذلك؟ بدوى فإذا اختار شيئاً في الواقعة الأولى لزم ولا يجوز العدول عنه او استمراري فله العدول في كل واقعه قولان اقواهما عند صاحب الكفايه الثاني لأن قضية الاستصحاب لو لم نقل قضية الاطلاقات أيضاً كونه
استمرارياً واما توهم ان المتخير هو الموضوع الذي كان محكوماً عليه بالتخيير ولا تخير له بعد الاختيار فلا موضوع فلا يكون الاطلاق ولا الاستصحاب مقتضياً للاستمرار لاختلاف الموضوع فيهما فهو فاسد فإن التحير المجعول موضوعاً ان كان بمعنى تعارض الخبرين فهو باق على حاله ما دام الخبران وان كان بمعنى آخر فكونه موضوعاً ممنوع إذا لم يقع في خطاب من الخطابات موضوعاً للتخيير أصلًا كما لا يخفى. هذا غاية ما استدل به للثاني والاقوى عندي هو الاول ومن بيان الوجه تعلم فساد مدرك الثاني والدليل عليه وجوه.
منها: انه قد أمر في المرفوعة والمقبولة بأخذ أحدهما وترك الآخر في مقام الأخذ بالراجح وفي مقام التخيير ففي المقبولة فتخيير أحدهما تأخذ به وتترك الأخر وفي المرفوعة ودع الآخر وهذا يدل على المطلوب ومن المعلوم ان ترك الآخر انما يكون مقدوراً ومتعلقاً للأمر في الواقعة الثانية لأن الترك في الواقعة الاولى حاصل قهراً باختيار الاول وحمله على التأكيد وانه كناية عن قوله: (تأخذ بأحدهما) خلاف الظاهر جداً لا سيما بالنسبة الى قوله في المقبولة تأخذ به وتترك الاخر بعد قوله فتخير أحدهما من وجهين:
أحدهما: ان ظاهر مادة الاخذ هو الالتزام بالشيء المأخوذ ومن المعلوم انه لاالتزام مع استمرار التخيير ولو لم يكن لمادة الأخذ ظهور في ذلك لكان الامر به بالنسبة الى الاخذ بالراجح قرينة على المراد في مقام التخيير بل قوله تأخذ به بعد قوله فتخيير أحدهما ادل