فصل
هل على القول بالترجيح يقتصر فيه على المرجحات المخصوصة المنصوصة أو يتعدى الى غيرها قولان أقواهما الأول وتحقيق المقام انا بعد ما بنينا على ان الأصل في المتكافئين هو التخيير وقلنا ان الطريقية الى الواقع في المتزاحمين محفوظة وان الامارات إنما اعتبرت للظن النوعي لا الشخصي فهي معتبرة حتى مع الظن الشخصي بالخلاف فلا ريب في ان ليس قضية ذلك اعتبار مطلق ما يوجب الظن بالواقع لعدم ادراك العقل اقتضاء ما يوجب الظن به كونه أقرب الى الاصابة بل لعله به يبعد عنها.
نعم إذا حكم الشارع بالترجيح بما ظاهره ان وجوده في احد الطرفين موجب لاقربيته عنده اخذنا به وعملنا عليه من غير تعدى منه الى غيره فالمرجح وان كان هو كل ما يوجب اقربيته الخبر الى اصابة الواقع من حيث الصدور بمعنى افادتها قرب صدق المخبر فيما اخبر به لا بمعنى اقربية المضمون مع قطع النظر عن الصدور ولا مطلق الظن به الا ان كون صفة كذا توجب ذلك لا يمكن ادراكه الا من جهة حكم الشارع بكونه مرجحاً اللهم الا ان يعلم علماً قطعياً من مطاوي الاخبار ان الملاك ما يوجب الاقربية عرفاً وعند العقلاء وانما اقتصر على ما ذكر فيها من باب المثال فحينئذ لا بأس
بالتعدي ولكن الظاهر عدم التمكن من اثباته بل في الاخبار وما يشعر بعدمه كما ستعرف هذا وقد قيل بالتعدي لما في الترجيح بمثل الاصدقيه والاوثقيه ونحوهما مما فيه من الدلالة على ان المناط في الترجيح بها هو كونها موجبه للأقربيه الى الواقع فيتعدى الى كل ما يوجب هذا المعنى ولما في التعليل بأن المشهور مما لا ريب فيه من استظهار ان العلة هو عدم الريب فيه بالاضافة الى الخبر الآخر ولو كان فيه ألف ريب في نفسه مع قطع النظر عن الآخر ولما في التعليل بأن الرشد في خلافهم من استفادة وجوب ترجيح كل ما كان امارة الحق والرشد وعدم مظنة خلاف الحق هذا ما استدل به للتعدى ولا يخفى ما في الاستدلال بها من التعدي اما الاول فإن جعل خصوص شيء فيه جهة الأرائه والطريقية حجة ومرجحاً وان كان ظاهره ان علة الجعل هي تلك الجهة وانكار هذا الظهور مكابرة لا سيما في جعله مرجحاً لما جعله حجة لارائته وان جعله كذلك لذلك انما هو لعلمه باصابته دائماً او غالباً إلا انه لادلالة فيه على جعل كل ما كان في نظر العرف او العقل له جهة ارائه حجة او مرجحاً كيف وقد اسقط عن الحجية ما قطع العقل بأن له جهة الارائه كالظن القوي الشخصي على خلاف الحالة السابقة التي لا ظن ببقائها وجعل في مورده مالايدرك العقل ارائته كالاستصحاب والنظائر كثيرة فلابد من الاقتصار على خصوص ما جعله.
نعم لو استفيد من دليله على سبيل القطع ان جهة ارائته بنظر العقل والعرف هي العلة فلا ريب في التعدى إلا ان دون اثباته خرط القتاد واما الحكم بأنه لا ظهور له في ان الملاك بتمامه جهة ارائته بل لا اشعار فيه كما لا يخفى لاحتمال دخل خصوصية في مرجحيته وحجيته لاسيما وقد ذكر فيها ما لا يحتمل الترجيح به إلا تعبداً ففيه ما لا يخفى وقد عرفت ان انكار الظهور فضلًا عن الاشعار مكابرة واما ذكر ما لا يحتمل الترجيح به إلا تعبداً فلا يظر بظهور ما لا يحتمل الترجيح به إلا لإرائته واحتمال غير ذلك على وجه لا ينافي الظهور غير ضائر وعلى وجه ينافيه قد قلنا ان مدعيه مكابر- فافهم.
واما الثاني فلأن شهرة الخبر رواية وان جعلته مما لا ريب فيه بمعنى كونه بين الرشد كما في النبوى ولا ريب في جواز التعدى بحسب الكبرى بمعنى ثبوت الحكم لكل بين الرشد إلا ان الكلام في تحقق الصغرى الموجبة لتحقق الكبرى ومع عدم الحكم في باقي المرجحات بأن ذا المزية مما لا ريب فيه الا في خصوص الشهرة مما يوجب الاختصار عليها والقصور عن التعدي الى غيرها واما قول المستدل ان لا ريب فيه بالإضافة الى الآخر فليس مراده بذلك ان للإضافة دخل في الحكم بجواز التعدي الى كل ما ريب فيه وان الشهرة في الخبر لولا الاضافة لا ترفع الريب عنه بل المراد ان غرض الشارع من نفي الريب نفيه بالاضافة الى الآخر لا ان المراد كون
الشهرة موجبة للقطع بصدوره فيجوز تحقق الريب في صدوره مع الشهرة بمعنى عدم القطع به.
نعم بالاضافة الى ذلك الريب العظيم هو مما يصدق عليه انه لا ريب فيه فظهر انه لا توقف للاستدلال على جواز التعدى بالتعليل بانه ريب فيه على عدم اتصاف الخبر في نفسه مع الشهرة بعدم الريب وان الغرض من قوله بالاضافة الى الآخر هو التعبير بالمعنى الذي جعل فيه ذلك مرجحاً وهو عدم كون المراد جعل الشهرة موجبة للقطع بالصدور وإنما توجب مجرد الاطمئنان فهو بالاضافة الى الآخر لا ريب فيه يعني ليس فيه ذلك الريب الذي في الطرف الآخر فقول صاحب الكفاية (قدس سره) في الجواب عن ذلك.
واما الثاني فلتوقفه على عدم كون الرواية المشهورة في نفسها مما لا ريب فيها مع ان الشهرة في الصدر الأول بين الرواة وأصحاب الأئمة (ع) موجبة لكون الرواية مما يطمأن بصدورها بحيث يصح ان يقال عرفاً انها مما لا ريب فيها كما لا يخفى قد عرفت ما فيه فان الظاهر من لا ريب فيه عرفاً كونه مقطوع الصدور ومن أجل هذا الصدور جعل المستدل نفي الريب اضافياً لتحقيق ان الرواية في نفسها وان كانت مشهورة مما فيه الريب بمعنى عدم كون الشهرة موجبة للقطع بالصدور لا لبيان ان الرواية في نفسها لا تكون مما لا ريب فيه بمعنى حصول الاطمئنان في الجملة بصدورها وكيف كان فقد انقدح لك انه لا بأس بالتعدي الى مثله مما يوجب الوثوق
والاطمئنان إلا ان الشأن في تحقق ذلك المثل بحيث يحصل منه ما يحصل من الشهرة ولا يسوغ التعدي الى كل مزية ولو لم يوجب إلا أقربيته ذي المزية الى الواقع من المعارض الفاقد لها لوضوح ان الغرض كون المزية مرجحة لذيها من حيث صدوره لا من حيث صدق محض مضمونه.
واما الثالث فلاحتمال ان يكون الرشد في المخالفة نفسها كما ربما يشهد له ما ورد في خبر السؤال من فقيه البلد ثم الأخذ بخلاف قوله مطلقاً فانه لا ينكر ظهوره في ان الرشد في المخالفة إنما هو لحسنها في نفسها لا لكون المخالف غالب الاصابة ولو سلم انه لا مخالفة بل لغلبة الحق في طرف الخبر المخالف للقطع بعدم ابتناء التعليل على دوام ذلك بل على أحد الأمرين المذكورين فلا شبهة في حصول الوثوق بعد كشف الشارع بأن الخبر الموافق للعامة المعارض بالمخالف لا يخلو من الخلل صدوراً أو جهة وان الخبر المخالف بعكسه ولا بأس بالتعدي الى مثله إلا ان الشأن في تحقق ذلك المثل كما مر آنفاً ومنه انقدح لك حال ما إذا كان التعليل غير عائد الى الصدور بل الى جهة الصدور من أجل انفتاح باب التقية فيه فتكون المخالفة موجبة للوثوق بصدوره لبيان الحكم الواقعي الاولى والموافقة لبيان الحكم الواقعي الثانوي ضرورة حصول كمال الوثوق بصدوره كذلك مع الوثوق بصدورهما معاً لولا القطع به في الصدر الأول لقلة الوسائط ومعرفتها فلا مورد للتعدي حينئذ هذا
مع ما في عدم بيان الامام للكلية الموجبة لاستراحة السائل الغنية عن اطالة الكلام بأن يقول اعمل بكل ما يفيد الوثوق بالصدور أو جهته كي لا يحتاج السائل بعدها الى اعادة السؤال مراراً وكذا ما في أمره (ع) بالارجاء الى لقاءه بعد فرض التكافؤ والتساوي فيما ذكره من المزايا المنصوصة وكذا ما في ذكره لكل مزية مخصوصة على الترتيب المذكور في الرواية من الظهور القوي جداً في ان المدار في الترجيح على خصوص ما ذكر من المزايا المخصوصة كما لا يخفى. ومن جميع ما ذكرنا من شرح عبارة صاحب الكفاية تعرف محل الخلاف بيننا وبينه وان كان جزئياً في خصوص الأجوبة عن الوجوه الثلاثة ثم ان من العجب ما جزم به صاحب الكفاية من انه بناءاً على التعدي حيث كان في المزايا المنصوصة ما لا يوجب الظن بذي المزية ولا أقربيته لبعض صفات الراوي مثل الأورعية أو الأفقهية إذا كان منشأ هذين الوصفين وموجبهما مما لا يوجب الظن أو الأقربية كالتورع من الشبهات والجهد في العبادات بالنسبة الى الأول وكثرة التتبع في المسائل الفقهية أو المهارة في القواعد الاصولية في الثاني إذ لا دخل للتورع عن الشبهات والتتبع في المسائل في صدق الراوي وحقية خبره فجعلهما مرجحاً دليل على ان مطلق أفضلية أحدهما من الآخر بأي صفة كانت موجبة لترجيح خبره فلا وجه للاقتصار على التعدي الى خصوص ما يوجب الظن أو الأقربية بل ينبغي التعدي الى كل مزية ولو لم يكن موجبة لأحدهما كما لا يخفى. وفيه
انه لا ينبغي الشك في ان المراد بصفتي الورع والفقاهة ما كان لموجبهما دخل في أقربية أحد الخبرين الى الصدور من الآخر ولا اشكال ان التورع عن الشبهات إذا وجد في أحدهما دون الآخر بعد اشتراكهما في التورع عن المحرمات مما يوجب الظن والأقربية ما لا يوجبه الآخر وكذا الفقاهة إذا كان موجبهما شدة الذكاء والفهم فلا يخفى عليه عدالة وسائط الرواة مثلًا وغيرها مما له الدخل في ضبط نقل الخبر وليس المراد مطلق الأورعية والأفقهية عن مطلق الموجب ليتعدى الى كل مزية هذا مع انه إذا لم يكن في المرجح جهة الترجيح به ظاهرة كان الترجيح به تعبدياً صرفاً فلا يجوز التعدي الى غيره بل يجب الاقتصار عليه إلا إذا علم ولو علماً عادياً ان جهة الترجيح كونه صفة بها يمتاز واجدها عن فاقدها وأين العلم بذلك لولا العلم بعدمه واما توهم ان ما يوجب الظن بصدق أحد الخبرين لا يكون بمرجح بل موجب لسقوط الآخر عن الحجية للظن بكذبه حينئذ ضرورة استلزام الظن بصدق أحدهما الظن بكذب الآخر فهو مبني على اعتبار الامارة اما للظن الشخصي بصدقها أو بشرط عدم الظن الشخصي على خلافها وعلى الأول يكون الظن معيناً لما هو الحجة منهما ومسقطاً لحجية الطرف الآخر ولا معنى لكونه مرجحاً وعلى الثاني يكون مسقطاً لحجية الآخر خاصة فيكون معنى ترجيحه عدم كونه معيناً للحجة بل بوجوده تسقط حجية الطرف الآخر ويكون المراد من ايجابه للظن بكذبه الكتابة عن هذا المعنى وهو
ايجابه الظن بالصدق المحقق للظن بالخلاف المسقط لموضوع ما هو حجة. وكيف كان فهذا المبنى فاسد قطعاً فان الظن بالصدق في جانب والظن بالكذب في الآخر لا يضر بحجية ما اعتبر من باب افادته الظن نوعاً كما لا ينفع الأول في ثبوت حجية ما اعتبر كذلك وإنما ينفع أو يضر فيما اخذ في اعتباره الظن الشخصي أو عدم الظن بخلافه ولم يؤخذ في اعتبار الاخبار بجهاتها الثلاث صدوراً أو ظهوراً أو جهة ذلك بل الظاهر عدم اعتبار شيء من الظنون على هذا النحو هذا مضافاً الى اختصاص استلزام الظن بالصدق حصول الظن بالكذب بما إذا علم بكذب أحدهما صدوراً وإلا فلا يوجب الظن بصدور أحدهما الظن بعدم صدور الآخر لامكان صدورهما معاً مع عدم ارادة الظهور في أحدهما أو فيهما معاً أو ارادته لكن تقية كما لا يخفى.
نعم ما أفاده (قدس سره) من انه لو كان وجه التعدي اندراج ذي المزية في أقوى الدليلين لوجب الاقتصار على ما يوجب القوة في دليليته وفي جهة اثباته للواقع وطريقيته من دون جواز التعدي الى ما لا يوجب ذلك وان كان موجباً لقوة مضمون ذيه ثبوتاً كالشهرة الفتوائية أو الأولوية الظنية ونحوهما فان المنساق من قاعدة أقوى الدليلين أو المتيقن منها إنما هو الأقوى دلالة كما لا يخفى. فيه أولًا ان أصل الترجيح الوارد في الاخبار لا ربط له بعالم الدلالة وإنما هو لتمييز الأقرب صدوراً أو الأنسب جهة فلا دخل لهذه القاعدة في