النهي يقتضي الفساد
ومنها الملازمة بين النهي عن شيء وفساده وتوضيح المرام فيه على ما شرحه الاستاذ كاشف الغطاء في ضمن أمور.
الأول: قد أشرنا إلى الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة فيما مضى. وأما الفرق بينهما وبين مسألة المطلق على المقيد فهو أن الكلام هناك في أن الخاص المنافي للمطلق كيف يصنع به؟ وهنا في أن النهي يضاد الصحة حتى ينافي ما دل على صحة متعلقة أم لا؟ ولما كان التضاد وعدم الملائمة أعم من التعاند العقلي كما في العبادات والعرفي المستفاد من ملاحظة الدليلين كما في المعاملات كان لعد هذه المسألة من مباحث الالفاظ وجه في الجملة. ثم إن ظاهر اطلاق النهي في العنوان يشمل النفسي والغيري التبعي والأصلي والتحريمي والتنزيهي، ودعوى أن التبعي ليس من مقولة الالفاظ فيخرج عن محل البحث لأن النزاع لفظي مدفوعة بالمنع عن خروجه عن محل النزاع لأن التعبير بالنهي كناية عن مطلق ما يدل على المبغوضية بوجه من وجوه الدلالات هذا مضافاً إلى أنه لو سلم خروجه عنواناً فهو داخل مناطاً ودعوى أن مناط التعاند مع الصحة الملازم للفساد هو ترتب العقاب دون مجرد المبغوضية خالية عن البينة.
الثاني: متعلق النهي قد يكون من العبادات وقد يكون من المعاملات. والمراد من العبادة هي الماهية المخترعة للتقرب بها أو
مطلق ما كان الغرض منه التقرب فيخرج مثل السجود والركوع مما كان عباديته ذاتية على الأول ويدخل على الثاني، وعلى أي حال فمجرد كون الشيء خضوعاً واستكانةً وإن لم يكن ذاك غرضاً في الأمر به لا يجعله من العبادات ومعنى تعلق النهي بالعبادة ليس كون المتعلق عبادة بالمعنى المزبور حتى بعد النهي كيف ولا يجامع ذلك دلالته على الفساد بل المراد كونه كذلك مع قطع النظر عن النهي فيقع النزاع في أن ما كان يصح التقرب به لولا النهي عنه يفسده، بمعنى أنه يمنع عن صحة التقرب به أم لا؟ وأما دعوى أن المراد من العبادة ما لو فرض تعلق أمر به لما سقط إلا بالتقرب وقصد الامتثال لا طريق إلى العلم به فيلغو البحث إلا أن يكون النزاع حينئذ في أن تعلق النهي بشيء هل يمنع عن تعلق أمر به كذلك أم لا؟ وهو خلاف ظاهر عناوينهم، والمراد من المعاملات ما يقابلها فتدخل العقود والايقاعات بل والصيد والذباحة وأشباهها. ثم إن المراد من العبادة أعم مما كانت عبادة مستقلة أو معتبرة في العبادة جزءاً أو شرطاً مع كونه معتبراً على وجه العبادية بل أو وصفاً ملازماً لها بحيث لا يمكن تعلق النهي بها مع بقاء الأمر بالمتصف بل هذا القسم داخل في محل النزاع وإن لم يكن الوصف عبادياً لزوال الأمر عن المتصف بمجرد النهي عن الوصف كالجهر والإخفات نعم المنهي عنه لوصفه المفارق كالصلاة في الدار المغصوبة خارج عن محل النزاع وداخل في البحث السابق، هذا كله في المنهي عنه لجزئه أو شرطه أو وصفه على وجه تكون تلك الأمور متعلقة للنهي ابتداءاً.
وأما المنهي عنه لها على وجه تكون هي من قبيل الواسطة في الثبوت فهو داخل في محل النزاع سواء كان اعتبار الجزء والشرط الموجبين للنهي عن المركب أم المشروط على وجه العبادية أم لا، ومن ذلك ظهر حال النهي المتعلق بالمعاملات ويزيد هي عليها في التقسيم أن النهي إما تعلق بها بما هي من الافعال أو لا بهذا العنوان بل بما هي سبب لحصول النتيجة المقصودة على ما سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ثم إن المراد من الصحة في المعاملات اشتمالها على جميع ما اعتبر في تأثيرها ونفوذها ويكشف عنه ترتب الأثر المقصود عليه.
والمراد منها في العبادات أيضاً اشتمالها على جميع ما اعتبر فيها وفي سقوط الأمر بالقضاء والاعادة عند الفقيه وحصول الامتثال الموجب لاستحقاق التوبة عند المتكلم فكان الأول جعل اللازم المساوي لتمامية ما ذكره بخلاف الثاني فجعل اللازم المساوي لها حصول المثوبة وسقوط الأمر وقد يتوهم تفارقها في صلاة من صلى بظن الطهارة وكانت واقعة في غيرها فإنها صحيحة على الثاني لحصول الموافقة فاسدة على الأول لعدم إسقاط القضاء.
وفيه إنها مسقطة للقضاء بالنسبة إلى الأمر الذي وافقته وحيث إنها لم توافق الأمر الواقعي لم يسقط القضاء بالنسبة إليه فهي صحيحة في الظاهر حيث إنها مسقطة للقضاء بالنسبة إلى أمره وامتثال له فاسدة في الواقع لعدم إسقاطها القضاء بالنسبة إليه ولم توافق أمره وبهذا يمكن أن يقال إن وصف الصحة والفساد إضافيان
فربما تكون العبادة صحيحة باعتبار أمر من الظاهري أو الاضطراري وفاسدة باعتبار آخر نعم من يرى الأمرين أو أحدهما مجزياً عن الواقع كانت تلك العبادة عنده مسقطة للقضاء بالنسبة إلى الأمرين وغير محصلة للامتثال إلا بالنسبة إلى أحدهما وحينئذ يحصل التفارق بين التفسيرين فتأمل.
ثم إنهما بمعنى موافقة الأمر وعدمه اعتباريان وبمعنى إسقاط الأمر بالنسبة إلى نفس الأمر الذي وافقه عقلي قهري وبالنسبة إلى الأمر الآخر كالواقعي فيما إذا كانت موافقة للظاهر جعلي شرعي هذا في العبادات وأما في المعاملات فالصحة فيها جعلي شرعي لتوقف تأثيرها على الإمضاء الشرعي لها.
الثالث: تعلق النهي بشيء يمنع عن تعلق الأمر به بذلك العنوان لعدم جواز اجتماع الضدين في واحد والمفروض في المقام اتحاد موردهما.
ومنه ينقدح دلالته على فساد متعلقة فيما توقف صحته على كونه مأموراً به كما في العبادات وهذا معنى ما يقال من أنه في العبادات يدل على الفساد.
واستدل بعض المحققين على ذلك بدلالة النهي على حرمتها الذاتية ولا يكاد يمكن اجتماع الصحة يعني موافقته الأمر أو الشريعة مع الحرمة وكذا بمعنى سقوط الاعادة فإنه مترتب على إتيانها بقصد القربة وكانت مما يصلح لأن يتقرب بها ومع الحرمة لا تكاد تصلح
لأن يتقرب بها ويتأتى ذلك من الملتفت إلى حرمتها كما لا يخفى عليك. وظاهره الحكم بالصحة فيما لو أتى بها مع الغفلة عن الحرمة أو الجهل كما في مسألة اجتماع الأمر والنهي وليس على ما ينبغي لعدم الاشكال في كون المقام من التعارض لا من التزاحم فتقديم النهي يوجب خروج مورده عن حيز الأمر بالمرة ومعه لاوجه لبقاء المناط حتى يصح التقرب به مع عدم صدور الفعل مبغوضاً اللهم إلا بناءاً على مذاقه من عدم التضاد بين الأحكام إلا بعد بلوغها إلى مرتبة الفعلية فلا يرتفع الأمر بالنهي غير الفعلي وقد مر ما فيه. ومنه يظهر أنه لا يتوقف كشف الفساد عن دلالة النهي على الحرمة الذاتية بل هو متوقف على كون الحكم المستفاد منه مضاداً للأمر دل النهي على الحرمة الذاتية أو التشريعية أم لم يدل على شيء منها لما عرفت من اناطة الصحة هنا بوجود الأمر.
نعم لو قيل ببقاء المناط أيضاً كما في المسألة السابقة توقف الفساد على الحرمة الذاتية لمتعلق النهي حتى تمنع من صحة التقرب به بناءاً على عدم جواز التقرب بما يصدر مبغوضاً.
وعليه يبتنى صحة الاستشكال في دلالة النهي على الفساد بأنه لا يدل على الحرمة الذاتية حتى تمنع من التقرب به بملاحظة أن المنهي عنه هي العبادة يعني الفعل بداعي الأمر وهو خارج عن حيز القدرة إلا تشريعاً ومعه يحرم بعنوانه فلا يعرضه الحرمة الذاتية لعدم جواز اجتماع المثلين.
وقد يجاب بعد منع كون معروض الحرمة في التشريعي هو الفعل الخارجي حتى يجتمع المثلان لو حرم ذاتاً أيضاً وأنه لا يتجه في مثل النهي عن العبادات التي لا تتقوم عباديتها إلا بالأمر وأن المراد من العبادة هو ما لو أمر به لم يسقط إلا بقصد القربة والامتثال ولا مانع من اتصاف مثله بالحرمة الذاتية بأن النهي فيها لو لم يكن دالًا على الحرمة لكان دالًا على الفساد لدلالته على الحرمة التشريعية فإنه لا أقل من دلالته على أنها ليست بمأمور بها وإن عمها دليل إطلاق الأمر أو عمومة انتهى. وأنت خبير بأن الحرمة التشريعية إنما تمنع من التقرب وتوجب الفساد لو كان معروضها الفعلي الخارجي وقد منعه آنفاً وإن أراد دلالته على الفساد بمجرد دفع الأمر عن مورده فقد عرفت أن الاشكال غير متوجه عليه من أصله.
الرابع: النواهي المتعلقة بالمعاملات بين ما يتعلق بها بما هي فعل من الافعال وما يتعلق بها بما هي مصلحة للنتيجة المقصودة منها، لا ينبغي الأشكال في عدم دلالة القسم الأول منها على الفساد لعدم الملازمة بينها وبينه لا شرعاً ولا عقلًا ولا عرفاً من غير فرق بين أن يكون الفعل المحرم هو السبب أو المسبب المعدود من الأفعال التوليدية.
وأما القسم الثاني فقد يقال بذلك فيه أيضاً فيقال لا مانع من تحريم تحصل النتيجة والتسبب إليها بأسبابها الشرعية وتأثير تلك الأسباب في حصولها بالإمضاء والنفوذ ولكن التحقيق أن تحريم
التسبب أيضاً قد يكون بما هو فعل من أفعال المتسبب فيدخل في القسم الأول وقد يكون بما هو محصل للنتيجة ومؤثر بها والنهي عنه بهذا الاعتبار لا محصل له إلا عدم النفوذ والتأثير.
وبالجملة لا يتعلق النهي بها تكليفاً تحريماً أو تنزيها بعنوان المعاملية والتبديل والمعاوضة وتحصل النتيجة ما لم يرجع إلى كونه فعلًا من أفعال العبد لأن التكليف غير قابل التعلق إلا بعمل المكلف فعلًا أو تركاً فإذا تعلق بها بالاعتبارات المزبورة مجردة عن حيث صدورها من العبد الذي به يعد فعلًا له وجب صرفه عن ظاهره إلى بيان الوضع أو اعتبار في متعلقها راجع إلى كونها فعلًا له والثاني خلاف المفروض لأن الفرض تعلقه بها لا بالاعتبار المزبور فيتعين الأول بل الظاهر من النواهي المتعلقة بالمعاملات تعلقها بها لاعتبار لا بما هي فعل للعبد ولعّل ذلك منشأ ما يقال من أن ظواهر النواهي المتعلقة بالمعاملات كونها إرشادية مبينة للوضع.
ثم إن تقسيم بعض المحققين للنواهي المتعلقة بالمعاملات إلى ما تعلق بالسبب أو المسبب أو التسبب إن رجع إلى ما ذكرنا فهو وإن كان متيناً إلا أنه لاوجه لمنع دلالة القسم الآخر منها على الفساد وإن رجع إلى تقسيم الجهة المحرمة على المكلف وأن تحريم السبب أو المسبب قد يكون بما هو فعل له وقد يكون بما هو تسبب منه إلى النتيجة وإن كان التسبب أيضاً بما هو فعل له محرماً فمنع دلالته مطلقاً على الفساد حسن إلا أنه لا أثر لهذا التقسيم بوجه.
ثم إن ذلك فيما ورد النهي عن المعاملة وأما إذا تعلق بما لا وجه لتعلقه بها إلا فساد المعاملة كقوله (ع): (ثمن العذرة سحت) أو لا يجوز ذلك التصرف فيما تشتريه من الصغير مثلًا فلا اشكال في استفادة الفساد منه كما لا يخفى عليك. وقد يستدل على دلالته على الفساد بما ورد من صحة نكاح العبد من دون أذن سيده معللًا بأنه لم يعص الله وإنما عصى سيده فإذا أجاز فهو له جائز، تقريب الاستدلال: أنه استدل على عدم فساده بأن نكاحه لم يكن عصياناً لله فلو لم يكن عصيان الله موجباً للفساد لم يتم التعليل وقد يناقش فيه بأن المراد من العصيان المنفي هو عدم النفوذ والامضاء كما أن المراد من عصيان السيد ذاك.
وفيه أن مجرد إرادة هذا المعنى من العصيان المضاف إلى المولى لا يجب صرف العصيان المضاف إليه تعالى مع أن ظاهر العصيان ليس إلا مخالفة النهي التكليفي. اللهم إلا بملاحظة أن ظاهر الكلام إثبات العصيان للمولى بالمعنى المنفي لله تعالى كما لا يخفى عليك، مضافاً إلى أن الظاهر أن متعلق العصيان في المقامين هو النكاح بمعنى النتيجة وتحصل العلقة فيكون معه قرينة على أن المراد من العصيان فيه هو عدم النفوذ وعدم التحصل دون التحريم المولوي نعم لو جعل متعلقة المتسبب باعتبار كونه فعلًا للعبد سقطت قرينته.
الخامس: ربما يحكى عن بعض دلالة النهي على الصحة وهو بظاهره مما لا محصل له نعم هو دال على كون العنوان المنهي عنه عن العناوين المقدورين للعبد مع قطع النظر عن النهي فلو كان متعلقاً