بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 262


قالوا : وإن عبيد الله بن الحر ندم على تركه إجابة الحسين حين دعاه بقصر بني مقاتل إلى نصرته ، وقال :
فيالك حسرة ما دمت حيا * تردد بين حلقي والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري * على أهل العداوة والشقاق فما أنسى غداة يقول حزنا * أتتركني وتزمع لانطلاق ؟
فلو فلق التلهف قلب حي * لهم القلب مني بانفلاق ثم مضى نحو أرض الجبل مغاضبا لابن زياد ، واتبعه أناس من صعاليك الكوفة .
( عبد الله بن الزبير ) قالوا : وإن ابن الزبير لما سار إلى مكة وخرج الحسين عنها سائرا إلى الكوفة كان يقول : ( إني في الطاعة ، غير إني لا أبايع أحدا ، وأنا مستجير بالبيت الحرام ) .
فبعث إليه يزيد بن معاوية رجلا في عشرة نفر من حرسه ، وقال :
( انطلق ، فانظر ما عنده ، فإن كان في الطاعة فخذه بالبيعة ، وإن أبي فضع في عنقه جامعة[1]وائتني به ) .
فلما قدم الحرسي عليه ، وأخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير :
ما أن ألين لغير الحق أسأله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وقال للحرسي : ( انصرف إلى صاحبك ، فأعلمه أنني لا أجيبه إلى شئ مما يسألني ) .
قال الحرسي : ألست في الطاعة ؟
قال : بلى ، غير إني لا أمكنك من نفسي ، ولا أكاد .
فانصرف الحرسي إلى يزيد ، فأخبره بذلك .


[1]الجامعة : الغل لأنها تجمع اليدين إلى العنق .


صفحه 263


فوجه يزيد بعشرة نفر من أشراف أهل الشام ، فيهم النعمان بن بشير ، وعبد الله بن عضاة الأشعري - وكان له صلاح - ، ومسلم بن عقبة - لعنه الله - فقال لهم :
( انطلقوا ، فأعيدوه إلى الطاعة والجماعة وأعلموه ، أن أحب الأمور إلى ما فيه السلامة ) .
فساروا حتى وافوا مكة ، ودخلوا على ابن الزبير في المسجد ، فدعوه إلى الطاعة وسألوه البيعة .
فقال ابن الزبير لابن عضاة :
أتستحل قتالي في هذا الحرم ؟
قال : نعم ، إن أنت لم تجب إلى طاعة أمير المؤمنين .
قال ابن الزبير : وتستحل قتل هذه الحمامة ؟ وأشار إلى حمامة من حمام المسجد .
فأخذ ابن عضاة قوسه ، وفوق فيها سهما ، فبوأه[1]نحو الحمامة ، ثم قال :
يا حمامة ، أتعصين أمير المؤمنين ؟
والتفت إلى ابن الزبير ، وقال : ( أما لو أنها قالت نعم لقتلتها ) .
وإن ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير ، فقال : أنشدك الله ، أنا أفضل عندك أم يزيد ؟
فقال : بل أنت .
فقال : فوالدي خير أم والده ؟
قال : بل والدك .
قال : فأمي خير أم أمه ؟
قال : بل أمك .
قال : فخالتي خير أم خالته ؟
قال : بل خالتك .


[1]سدده نحو الحمامة .


صفحه 264


قال : فعمتي خير أم عمته ؟
قال : بل عمتك ، أبوك الزبير ، وأمك أسماء ابنة أبي بكر ، وخالتك عائشة ، وعمتك خديجة بنت خويلد .
قال : أفتشير علي بمبايعة يزيد ؟
قال النعمان : ( أما إذا استشرتني فلا أرى لك ذلك ، ولست بعائد إليك بعد هذا أبدا ) .
ثم إن القوم انصرفوا إلى الشام ، فأعلموا يزيد أن ابن الزبير لم يجب إلى شئ .
قال مسلم بن عقبة المري ليزيد : ( يا أمير المؤمنين ، إن ابن الزبير خلا بالنعمان ابن بشير ، فكلمه بشئ ، لم ندر ما هو ، وقد انصرف إليك بغير رأيه الذي خرج من عندك ) .
ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير إليه وجوه أهل تهامة والحجاز ، فدعاهم إلى بيعته ، فبايعوه جميعا ، وامتنع عليه عبد الله بن عباس ، ومحمد بن الحنفية .
وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة ، وارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام .
* * * ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني ، وحبيش بن دلجة القيني ، وروح بن زنباع الجذامي ، وضم إلى كل واحد منهما جيشا ، واستعمل عليهم جميعا مسلم بن عقبة المري ، وجعله أمير الأمراء ، وشيعهم حتى بلغ ماء ، يقال له ( وبرة ) ، وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز .
فلما ودعهم قال يا مسلم :
( لا تردن أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم ، واجعل طريقك إلى المدينة ، فإن حاربوك فحاربهم ، فإن ظفرت بهم ، فانهبها ثلاثة أيام ) .
ثم أنشأ يقول :


صفحه 265


أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى * وسارت الخيل إلى وادي القرى[1]أجمع سكران من الخمر ترى وذلك أن ابن الزبير كان يسمي يزيد ( السكران ) .
ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب ، فولت قريش عليها عبد الله ابن مطيع العدوي ، وولت الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب - وهو غسيل الملائكة - ثم خرجوا إلى الحرة ، فعسكروا بها .
ففي ذلك يقول شاعرهم :
إن في الخندق المكلل بالمجد * لضربا يفور بالسنوات لست منا ، وليس خالك منا * يا مضيع الصلاة للشهوات ووافاهم الجيش ، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى .
وأقبلت طائفة من أهل الشام ، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة ، وهم الذين قالوا إن ( بيوتنا عورة )[2]، فلم يشعر القوم ، وهم يقاتلون من يليهم ، إلا وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم ، فقتل عبد الله بن حنظلة أمير الأنصار ، وقتل عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة ، واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها .
فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة ، فدعاهم إلى البيعة ، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود ، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم .
فقال له مسلم : ( بايعني ) .
قال : ( أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ) فقال مسلم ( بل بايع على أنكم فئ لأمير المؤمنين ، يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء ) .
فأبى أن يبايع على ذلك ، فأمر به ، فضربت عنقه .


[1]وادي مكة .
[2]سورة الأحزاب الآية رقم 13 .


صفحه 266


ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ، فقال له مسلم :
( أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين ، فأكرمك وحباك ، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب الخمر ، والله لا تشهد بشهادة زور أبدا ، اضربوا عنقه ) .
فضربت عنقه .
ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي ، وكان حليفا لبني هاشم ، فقال له مسلم :
( أتذكر يوما مررت بي بطبرية[1]، فقلت لك ، من أين أقبلت ؟ فقلت ، سرنا شهرا ، وأنضينا ظهرا ، ورجعنا صفرا ، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية ، ونبايع رجلا من أولاد المهاجرين ؟
فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك ، وقد أمكنني الله منك يا أحمق ، ما أشجع والخلافة ؟ ! فتعزل وتولي ، اضربوا عنقه ) .
ثم تقدم عمرو بن عثمان ، فقال له :
( أنت الخبيث ابن الطيب ، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت أنا ابن عثمان بن عفان ، وإذا ظهر أهل الحجاز قلت أنا واحد منكم ، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل ، انتفوه ) .
فنتفت لحيته ، حتى ما تركت فيها شعرة .
فقام إليه عبد الملك بن مروان ، فاستوهبه ، فوهبه له .
ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه ، وقال :
- إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك .
فقال علي : ( إني كنت لما فعل أهل المدينة كارها ) .
قال : ( أجل ) .
ثم حمله على بغلة ، وصرفه إلى منزله .


[1]بلد مطل على البحيرة المعروفة بها ، في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة ، وهي مستطيلة ، تنتهي إلى جبل صغير ، عنده آخر العمارة ، وفيها عيون ملحة حارة ، قد بنيت عليها حمامات .


صفحه 267


وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس ليؤتى به للبيعة ، فأخرج من منزله ، فأقبلوا به .
فلقيه الحصين بن نمير ، فانتزعه من يد الجلاوزة[1].
وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله .
فقال مسلم : ( إني إنما بعثت إليه للبيعة ، فائتني به ) .
فأرسل إليه الحصين ، فجاء حتى بايع .
وأرسلت بنت الأشعث بن قيس ، وكانت امرأة الحسين بن علي ، إلى مسلم ابن عقبة تعلمه أن منزلها انتهب ، فأمر برد جميع ما أخذ لها .
ثم شخص بالجيش إلى مكة ، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة ، فتمثل يزيد .
ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها * واستحر القتل في عبد الأشل فلما بلغ ابن عقبة هرشى[3]اعتل ، واشتدت علته ، ونزل به الموت ، فقال :
أسندوني . فأسند ، فقال :
( إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن أستخلف الحصين ابن نمير على الجيش ، ولو كان الأمر إلى ما استخلفته ، لأن من شأن اليمانية الرقة ، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين ) .
ثم قال : ( يا حصين ، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك ، ولا ترد أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم ، ولا تجعل إذنك وعاء لقريش فيخدعوك ) .
ثم مات ، وكانت به الذبحة .
فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير ، فسار حتى وافى مكة .
وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه ، ونصب


[1]جمع جلواز بالكسر ، وهم الشرطة . ( 2 ) الرماح .
[3]هرشي : ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة .


صفحه 268


الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس[1]، وكانوا يرمون أهل المسجد .
* * * فبينا هم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية ، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير : ( أن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك ، فهل لك في الموادعة ؟
وتفتح لنا الأبواب ، فنطوف بالبيت ، ويختلط الناس بعضهم ببعض ) .
فقبل ذلك ابن الزبير ، وأمر بأبواب المسجد ، ففتحت ، فجعل الحصين وأصحابه يطوفون بالبيت .
فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير ، فأخذ الحصين بيده ، فقال له سرا :
- هل لك في الخروج معي إلى الشام ؟ فأدعو الناس إلى بيعتك ، فإن أمرهم قد مرج[2]، ولا أرى أحدا أحق بها اليوم منك ، ولست أعصي هناك .
فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده ، وقال ، وهو يجهر بقوله : ( دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام ) .
فقال الحصين : لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب ، أكلمك سرا ، وتكلمني علانية ، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب .
ثم انصرف في أصحابه إلى الشام ، ومر بالمدينة ، فبلغه انهم على محاربته ثانيا .
فجمع إليه أهلها ، وقال : ( ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ ) فاعتذروا إليه ، وقالوا :
( ما هممنا بذلك ) .
وذكر أبو هارون العبدي ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري ، ولحيته بيضاء ، وقد خف جانباها ، وبقي وسطها ، فقلت : ( يا أبا سعيد ، ما حال لحيتك ؟ )


[1]الجبل المشرف على مكة من غربيها ، وكان يسمى في الجاهلية ( الأمين ) لأنه استودع فيه الحجر الأسود .
[2]اختلط وفسد .


صفحه 269


فقال : ( هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة ، دخلوا على بيتي ، فانتهبوا ما فيه حتى أخذوا قد حي الذي كنت أشرب فيه الماء ، ثم خرجوا ، ودخل على بعدهم عشرة نفر ، وأنا قائم أصلي ، فطلبوا البيت ، فلم يجدوا فيه شيئا ، فأسفوا لذلك ، فاحتملوني من مصلاي ، وضربوا بي الأرض ، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي ، فنتفه ، فما ترى منها خفيفا فهو موضع النتف ، وما تراه عافيا فهو ما وقع في التراب ، فلم يصلوا إليها ، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي ) .
( الخوارج ) قالوا : وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج ، وإنما سموا أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق .
وكان أول خروجهم في أربعين رجلا ، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق ، وعطية بن الأسود ، وعبد الله بن صبار ، وعبد الله بن إباض ، وحنظلة بن بيهس ، وعبيد الله بن ماحوز ، وذلك في سلطان يزيد .
وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد ، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ربيعة في ألفي فارس ، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى ( آسك ) ( 1 ) مما يلي فارس ، فواقعهم ، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلا ، فانهزم أسلم ، فأنشأ رجل من الخوارج يقول :
أألفا مؤمن منكم زعمتم * ويهزمكم بأسك أربعونا ؟
كذبتم ، ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد علمتم * على الفئة الكثيرة ينصرونا أطعتم أمر جبار عنيد * وما من طاعة للظالمينا

( 2 ) بلد من نواحي الأهواز ، قرب أرجان .