سرّه في كتابه في الاستدلال بالسُنّة على خلافة علي (عليه السلام):
قال العلامة الحلي رفع الله درجته[376]:
الثامن عشر: في مسند أحمد بن حنبل والجمع بين الصحاح الستة عن أنَس بن مالك قال: كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طائر قد طبخ له، فقال: اللهم ائتني بأحبِ الناس اليك يأكل معي، فجاء علي (عليه السلام) فأكله معه. ومنه عن ابن عباس: انه لما حضرت ابن عباس الوفاة قال: اللّهُم اني اتقرّبُ اليك بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام). انتهى.
ثم علق القاضي الشهيد المرعشي التستري قدّس سره على الحديث قائلا:
ان حديث الطير مع أنه كما أعترف به الناصب مشهور، بل بالغ حدّ التواتر، وقد رواه خمسة وثلاثون رجلا من الصحابة عن أنس وغيره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وصنّفَ اكابر المحدِّثين فيه كتباً ورسائل مؤيد بما مَرّ من حديث خيبر وغيره. ووجه التأييد شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) بمحبة الله تعالى له، ومحبته لله تعالى، كما ذكره المصنّف في «شرح الياقوت» لا معنى لها الا زيادة الثواب وذلك لا يكون الا بالعمل ان يكون عمل علي اكثر من غيره.
واعلم: ان المحبة مرَتبة عليّة ودرجة سنيّة هي من صفات الله سبحانه حقيقة يعبّر عنها المتكلم بالارادة، والحكيم بالعناية، وأهل الذوق بالعشق، وقد فاض شيء من رحيق كأسها بحسب الاستعدادات والقوابل من الحقّ على الخلق، فكل منها يطلب العود الى مبدئه، ومَن خلا منها فهو من المطرودين الذين رضوا بالحيوة الدنيا وأطمأنوا بها، فهم كالارض الساكنة التي لا حراك لها، وبتلك المحبة حركة الافلاك والاملاك والعقول والنفوس والارواح والقوى والعناصر والمواليد
[376]( 1) في كتابه« نهج الحق وكشف الصدق»( ح 18).
الثلاثة طلباً للكمال، واهتزازاً من مشاهدة الجمال. ورجاءً للتخلص عن قيد التشخص والسير وانما هو على اقدام الاقدام بها، والطيران انما هو بأجنحة اجتلاء القلوب عنها.
والكتب السماوية والآيات الربانية والاحاديث النبوية تَشهدَ بثبوتها ووجودها، قال تعالى (فسَوفَ يأتي الله بقومَ يُحبّهُم ويُحبُونه)وقال: (ان الله يُحب التوابين ويحب المتطهّرين)وقال: (ان الله يحَب الذينَ يُقاتِلُون في سَبيلهِ صَفْاً كَأنهُم بُنيانٌ مرصوص)وقال الله تعالى: (انْ كُنتم تُحبُّونَ الله فاتّبِعوني يُحببكم الله)وقال تعالى: (وألقَيت عَليك مَحبةً مني).
وروت الثقاة:
أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبَرَ عن الله تعالى أنه قال: «لا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى أحبّه، فاذا أحبَبتهُ كنتُ سمعه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرهُ الذي يَبصرُ به، ويَدَهُ التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، فبي يسمع، وبي يُبصر، وبي يأخذ، وبي يعطي، وبي يقوم، وبي يقُعُد، واذا سألني أعطيته، واذا استعاذ بي استعذته».
وقال (صلى الله عليه وآله):
«اذا أحَبّ الله عبداً دعا جبرئيل فقال له: اني أحبُّ فلاناً فأَحِبه، قال: فيُحبّه جبرئيل فينادي في السماء ان الله يُحب فلاناً فأحبُّوه. فيُحبه مَن في السماء، ثم يوضع له القبول في العناصر فما يتركب منها شيء الا أحَبَّهُ».
ولهذا روي في المشهور انه لما رأى محمد سليمان العباسي حُسن مناظرة بهلول بن عمرو العارف العاقل المعروف مع عمر بن عطاء العدوي، في امامة علي أبي طالب (عليه السلام) قال: ما خاطب البهلول بقوله: ما الفضل الا فيك؟ ومالعقل الا من
عندك والمجنون من سَمّاكَ مَجنوناً، لااله الا الله، لقد رزق الله علي بن أبي طالب (عليه السلام) لبّ كل ذي لبّ، فقد ثبت من الكتاب والسنّة، وكلام أكابر الامة وجود المحبة وثبوتها، غير أنها وان اشترك اسمها في الاطلاق، لكنها يختلف باختلاف المتعلّق، فمحبة الله لعبده تخصيصه بانعام مخصوص، يكون سبباً لتقريبه وازلافه من محال الطهارة والقدس، وقطع شواغله عمّا سواه، وتطهير بواطنه عن كدورات الدنيا، ورفع الحجاب حتى يشاهده في جميع الاشياء، ويشهد أن جميع الاشياء بالحَقِّ قائمة وأن وجوده وجوده، و لا وجود لشيء الا بنحو من الانتساب كما استَعْذَ به ذوق المتهأَلّين من الحكماء أيضاً، فيأخذ بالله، ويعطي بالله، ويُحب للهِ، ويُبغض للهِ، وهذا سرّ لا اله الا الله، وحقيقة لا حول ولا قوة الا بالله، فهذه الارادة هي المحبة وان كانت إرادته لعبده ان يختصه بمقام من الانعام دون هذا المقام كارادته ثوابه ودفع عقابه، وهذه الارادة هي الرحمة. فالمحبة اعمّ من الرحمة. وأما محبة العبد لله تعالى، فهي ميله الى نيل هذا الكمال وارادته الوصول الى هذا المقام الذي يتسابق اليه الرجال وتتهافت على التحلي به همم الابطال.
واذ قد عرفت محبة الرَب ومحبة العبد، وانقدت الناس، عرفت أن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليسَ لأحَد هذا المقام، الا لأمير المؤمنين عليه آلاف التحية والثناء.
بيان ذلك: ان النبي (صلى الله عليه وآله)، لما عَلِمَ اتصاف علي بهذا الصفة (المحاسن) من الجانبين وكانت امراً معنوياً لا يدرك الا باظهار امر محسوس من لوازمها، يشهد ذلك الامر لمن اتصف به باتصافه بتلك المحبة أثبتها (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) بأمرين:
أحدهما فتح خيبر، فجمع (صلى الله عليه وآله) وصفه بين المحبة والفتح، بحيث يظهر لكل أحد صورة الفتح ويدركه بحس البصر، فلا يبقى عنده تردد في اتّصافه بالصفة
المعنوية المقرونة بالصفة المحسوسة.
وثانيهما: حديث الطائر، جَعَل (صلى الله عليه وآله) واتيانه وأكله معه من ذلك الطائر، وهما امران محسوسان دليلا موضحاً لأتصافه بتلك الصفة، ليعلم أنه (عليه السلام) هو وأتباعه هُم الذينَ أخبر الله تعالى عنهم بقوله: (فسَوفَ يأتي الله بقوَم يحبُّهم ويُحبونه).
ومما يُصرِّح بهذا المعنى ما سَبقَ من قوله (صلى الله عليه وآله):
«لتَنتهُنّ يا قريش، او ليبعثنّ الله عليكُم رجُلا يضرب رقابكم عَلَى التَأويل كما ضربَتُ رقابكم على تنزيله، فقال بعض أصحابه: مَن هو يا رسول الله؟ أبو بكر قال: لا قال: عمر قال: لا ولكنه خاصف النعل .. (الحديث)»[377]
واذا سبرت احواله واعتبرت أقواله ظهر لك أتصافه بهذه المحبة باعتبار تعلّقين: اما محبة الله تعالى فظاهرة آثارها ساطعة أنوارها من ازلافه سبحانه وتعالى من مقام التقديس ومقرّ التطهير، لقوله (صلى الله عليه وآله) فيما سبَق أيضاً من حديث النجوى المشهور:[378]«ما انتجَيتهُ ولكن الله انتجاه».
وروى ابن مسعود قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله):
«ان الله يبعث أناساً وجوههم من نور على كراسي من نور عليهم ثيابٌ من نور في ظل العرش بمنزلة الأنبياء والشهداء، فقال أبو بكر: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: انا منهم، قال: لا، قيل: مَن هم يا رسول الله؟ فوضع يده على رأس علي (عليه السلام)، وقال: هذا وشيعته».
وروى محمد بن علي بن شهر آشوب السروي المازندراني رحمه الله قال:
[377]( 1) احقاق الحق: ج 6 ص 24- 38.
[378]( 2) المصدر السابق: ج 6 ص 525- 531.
حدّثني الحافظ أبو العلاء الهمداني، والقاضي أبو منصور البغدادي بالاسناد عن أبي بكر وعن أنَس[379]. وروى مشايخَنا عن الصادق عليه وعلى آبائه وابنائه الطاهرين السلام، عن آبائه، عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: «خَلَقَ الله عَزّ و جلّ من نور وجه علي بن أبي طالب (عليه السلام) سبعين الف ملك يستغفرون له ولمحبيه الى يوم القيامة».
وفي كتاب الحدائق عن أبي تراب الخطيب باسناده الى النبي (صلى الله عليه وآله)[380]: «ان الله قد خلَقَ من نور وجه علي (عليه السلام) مَلائكةً يُسَبَّحونه ويقدِّسُونه ويَجعَلون ثواب ذلك لعلي ولمحبيه».
وأما محبته لله تعالى:
فهي معلومة لكل أحَد من عباداته ومجاهداته ورفضه الدنيا واعراضه عَما سوى الله، واقباله بكلا كله على مولاه، ولو أردنا استقصاء بعض من ذلك لطال المطال وكثرت المقال، و لربما حصل بعض الملال، ولقد اتضَحَ بما قرّرناه بطلان ما ذكره الناصب الشقي من أنّ الحديث لا يدُلّ على النص الى آخره، وذلك لما عرفت: من أنه دالٌّ على الافضلية، لدلالته على أنه (عليه السلام) أحَبُّ الى الله من كل المخلوقات، وأمّا عدم كونه (عليه السلام) أحبُّ من النبي (صلى الله عليه وآله)، فقد علم من خارج، وهو انعقاد الاجماع على انه (عليه السلام) أحَبُّ الى الله تعالى من جميع المخلوقات بلا أستثناء، فهو (عليه السلام) مستثنى بالاجماع، وبقرينة السؤال، وأما الملائكة فليس شيء يخرجهم عن هذا الحكم، فيكون هو (عليه السلام) أحبُّ منهم.
[379]( 1) احقاق الحق: ج 6 ص 113- 114.
[380]( 2) المصدر السابق: ج 6 ص 115.
وأجاب صاحب المواقف بأن الحديث لا يفيد كون علي (عليه السلام) أحَبُّ الى الله تعالى في كل شيء لصحة التقسيم، وادخال لفظ الكل والبعض، الا يرى انه يصح ان يستفسر ويقال: أحب خلقه اليه في كل شيء أو في بعض الاشياء، وحينئذ جاز أن يكون اكثر ثواباً في شيء دون آخر، فلا يدل على الافضلية مطلقاً، وفيه أن قوله (عليه السلام): أحب لفظ عام أو مطلق، فمَن خصّهُ أو قيّده بوقت دون وقت وببعض الاشياء دون بعض، فعليه الدليل، لان العلم والمطلق لا يخص ولا يقيّد بالاقتراح، بل يخص أو يقيد بالدليل، ودون ذلك خرط القتاد.
وأيضاً على هذا التقدير لا فائدة في قوله (صلى الله عليه وآله): ائتني بأَحبِ خلقك، لان كل مسلم أحب عند الله من وجه في وقت دون وقت.
وأيضا يتوجه ما قاله بعض أصحابنا: من انَّ مثل هذا البحث يجري في استدلالهم على افضلية أبو بكر لقوله تعالى: (وسيجنّبها الاتقى* الذي يؤتي ماله يتزكى)مع أنه عمدة ادلّتهم على أفضليته، وذلك لصحة الاستثناء في الاتقى، وادخال لفظة الكل والبعض، فلم يبق الا العناد والغفلة والرقاد.
ولنعم ما قال ابن رزيك رحمه الله:
وفي الطائر المشوي اوفى دلالة
لو استيقظوا من غفَلْة وسباتِ
وقال الصاحب بن عباد رحمه الله تعالى:
علي له في الطير ما طار ذكره
وقامت به أعداؤه وهي شُهد
«أقوال الشعراء في حديث الطير»
ابن العطار الواسطي الهاشمي:
ولقد أرانا الله أفضل خلقه
في الطاير المشوي لما أن دعا
عبضوش
الجبري:
والطاير المشوي نصٌّ ظاهرٌ
فتيقظي يا ويك عن عمياك
الصوري:
وايكم صار في فرشه
اذ القوم مهجته طالبونا
ومن شارك الطهر في طائر
وانتم بذاك له شاهدونا
المفجع:
كان النبي لَمّا تمنى
حين أتوه طايراً مشوياً
اذ دعا الله أن يسوق أحب
الخلق طراً اليه سوقا وحياً
ابن حماد:
وفي قصة الطير لَمّا دَعا
النبي الاله وأبدى الضرع
ايا ربِّ ابعث الي احب
خلقك يا مَن اليه الفَزع
فلم يستتم النبي الدعاء
اذا بامام الهدى قد رجع
ثلاث مرار فلما انتهى
الى الباب دافعه واقترع
فقال النبي له ادخل فقد
اطَلْت احتباسك ياذا الصلع
فخَبّرهُ انه جاءَهُ
ثلاثا ودافعه مَن دفع
فقطب في وجه مَن رَدَّهُ
وانكر ما بأخيه صنع
فأوَرثَهُ برصَاً فاحشاً
فظل وفي الوجه منه بقع
الاصفهاني:
أمن له في الطير قال نبيَّهِ
قولا ينيرُ بشَرحهِ الأفقان
يا رَبِّ جِىء بأحب خلقك كلهم
شخصاً اليك وخير من يغشاني
كيما يؤاكلني ويؤنس وحشتي
والشاهدان قوله عدلان
فبَدا علي كالهزبر ووجهه
كالبدر يلمَعُ أيّما لمَعان
فتواكلا واستأنسا وتَحدّثا
بأبي وأمي ذلك الحَدّثان
الحميري:
اما أتى في خير الانبل
في طاير أهدي الى المرسل
سفينة مكن في رشده
وأنَس خان ولم يحصل
في ردّه سيّد كل الورى
مَولاهم في المحكم المنزل
فصَدَّه ذو العرش عن رشده
ثم غرى بالبرص الانكل
مناقب آل ابي طالب: ج 2 ص 283- 286.