السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى[37].
(28)روى العلامة المجلسي أعلا الله مقامه قال:
وجد في ذخيرة أحد حواريّ المسيح (عليه السلام) رقّ مكتوب بالقلم السرياني منقولا من التوراة وذلك:
«لَمّا تشاجر موسى والخضر (عليهما السلام) في قضية السفينة والغلام والجدار ورجع موسى الى قومه سأله أخوه هارون عمّا استعلمه من الخضر (عليه السلام) في السفينة و شاهدَهُ من عجائب البحر، قال: بينما أنا والخضر على شاطىء البحر إذ سقط بين أيدينا طائر أخذ في منقاره من ماء البحر ورَمى بها نحو المشرق، ثم أخذ ثانية و رمى بها نحو المغرب، ثم أخذ ثالثة ورمى بها نحو السماء، ثم أخذ رابعة ورمى بها نحو الأرض، ثم أخذ خامسة وألقاها في البحر، فبهت الخضر وأنا.
قال موسى: فسألت الخضر عن ذلك فلم يُجب، وإذا نحن بصيّاد يصطاد، فنظر إلينا وقال: ما لي أراكُما في فكر وتعجّب؟ فقلنا: في أمر الطائر.
فقال: أنا رجلٌ صيّاد وقد علمتُ إشارته وأنتما نبيّان لا تعلمان؟
قلنا: ما نعلم إلّا ما عَلّمنا الله عزّ وجلّ.
قال: هذا طائرٌ في البحر يُسمّى مسلماً لأنّه إذا صاح يقول في صياحه «مُسلِم» وأشار بذلك إلى أنّه يأتي في آخر الزمان نبيٌّ يكون علم أهل المشرق والمغرب وأهل السماء والأرض عند عِلمهِ مثل هذه القطرة الملقاة في البحر
[37]( 1) كنز الفوائد: ص 208
ويرث علمه ابن عمِّه ووصيّه[38].
«تفضيل علي على سبعة من الانبياء»
(29)روى العلامة المجلسي (رحمه الله) قال: روي عن جماعة من الثقاة أنّه:
لمّا وردت حُرّة بنت حليمة السعديّة رضي الله عنها على الحجّاج بن يوسف الثقفي، فمثلت بين يديه قال لها: أنت حُرّة بنت حليمة السعديّة؟ قالت له: فراسة من غير مؤمن!
فقال لها: اللهُ جاءَ بكِ، فقد قيل عَنكِ أنّكِ تفضِّلين عليّاً على أبي بكر وعمر وعثمان؟!
فقالت: لقد كذب الذي قال إنّي افضِّلَهُ على هؤلاء خاصّة.
قال: وعلى مَن غير هؤلاء؟
قالت: افضِّله على آدم ونوح ولوط وإبراهيم وداود وسليمان وعيسى بن مريم (عليهم السلام)!!
فقال لها: ويلَكِ إنّك تفضِّلينه على الصّحابة وتزيدين عليهم سبعة من الأنبياء من أولي العزم من الرسل؟! إنْ لم تَأتيني ببيان ما قُلتِ ضربْتُ عنقكِ.
فقالت: ما أنا مُفضِّلتُهُ على هؤلاء الأنبياء ولكنَّ الله عزّ وجلّ فَضَّلهُ عليهم في القرآن بقوله عزّ وجلّ في حقّ آدم: (فعصى آدمُ ربّهُ فغوى)[39]وقال في حقّ
[38]( 1) البحار: ج 26 ص 199
[39]( 2) طه: 121
عليّ: (وكان سعيُكُم مشكوراً)[40].
قال: أحْسنتِ يا حُرّة، فبما تُفضّلينه على نوح ولوط؟
فقالت: الله عزّ وجلّ فَضّلهُ عليهما بقوله: (ضَربَ اللهُ مثلا للذينَ كفرُوا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحتَ عبدَين من عبادنا صالحين فخانتاهُما فلم يُغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين)[41]، عليّ بن أبي طالب كان مع ملائكة الله تحت سدرة المنتهى، زوجته بنت محمّد فاطمة الزهراء التي يرضى الله لرضاها ويسخَطُ لسَخطها.
فقال الحجّاج: أحْسنتِ يا حُرّة، فبما تُفضّلينه على أبي الأنبياء إبراهيم خليل الله؟
فقالت: الله عزّ وجلّ فضَّلهُ بقوله: (وإذ قال ربِّ أرني كيف تُحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليَطمئنَّ قلبي)[42]ومولاي أمير المؤمنين قال قولا لا يختلِفُ فيه أحدٌ من المسلمين: «لَو كُشِفَ لي الغطاء ما ازددْتُ يقيناً» وهذه كلمة ما قالها أحدٌ قبله ولا بعده.
فقال: أحْسنتِ يا حُرّة، فبما تُفضّلينهُ على موسى كليم الله؟
قالت: يقول الله عزّ وجلّ: (فخَرجَ منها خائفاً يَترقَّب)[43]، وعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) باتَ على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يَخَف حتى أنزل الله في حقّه: (ومنَ
[40]( 1) الإنسان: 22
[41]( 2) التحريم: 10
[42]( 3) البقرة: 260
[43]( 4) القصص: 18
الناس مَن يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)[44].
قال الحجّاج: أحْسنتِ يا حُرّة، فبما تُفضّلينهُ على داود وسليمان (عليهما السلام)؟
قالت: اللهُ تعالى فضَّلهما بقوله عزّ وجلّ: (يا داود إنّا جَعلناك خليفةً في الأرضِ فاحكُم بين الناس بالحقِّ ولا تتّبع الهوى فيُضلَّكَ عن سبيل الله)[45].
فقال لها: في أيّ شيء كانت حكومته؟
قالت: في رجلين، رجلٌ كان له كرْمٌ والآخر له غنَم، فنفشت الغنم بالكرم فرَعتهُ، فاحتكما الى داود (عليه السلام) فقال: تُباعُ الغنم وينفق ثمنها على الكرم حتى يعود إلى ما كان عليه. فقال له ولده: لا يا أبَهْ، بَل يُؤخذَ من لبنها وصوفها، قال الله تعالى: (ففهَّمناها سُليمان)[46]. وإنَّ مولانا أمير المؤمنين عليّاً (عليه السلام) قال: «سلوني عمّا فوق العرش، سلوني عمّا تحت العرش، سلوني قبل أن تفقدوني»، وأنه (عليه السلام) دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم فتح خيبر فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للحاضرين: «أفضلُكم وأعلمكم أقضاكُم عليّ».
فقال لها: أحْسنتِ، فبما تُفضّلينه على سليمان (عليه السلام)؟
فقالت: الله تعالى فضَّلَه عليه بقوله تعالى: (ربِّ اغفِر لي وهبْ لي مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)، ومولانا أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) قال: «طلَّقتُكِ يا دُنيا ثلاثاً لا حاجةَ لي فيكِ»، فعند ذلك أنزل الله تعالى فيه: (تلكَ الدار الآخرة نَجعَلُها للّذين لا يُريدون عُلُوّاً في الأرض ولا فساداً)[47].
[44]( 1) البقرة: 207
[45]( 2) ص: 26
[46]( 3) الانبياء: 79
[47]( 4) القصص: 83
فقال: أحْسنتِ يا حُرّة، فبما تُفضّلينه على عيسى بن مريم (عليه السلام)؟
قالت: الله تعالى فضلّه بقوله تعالى: (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءَأنتَ قُلتَ للناسِ اتَّخذوني وأُمّي إلهين من دون الله قال سُبحانك ما يكونُ لي أنْ أقول ما ليسَ لي بحقّ انْ كنتُ قُلتُهُ فقد عَلِمتَهُ تَعلَمُ ما في نفسي ولا أعلَمُ ما في نفسكَ إنّك أنتَ علّام الغُيوب ما قُلتُ لهم إلّا ما أمرتني به)[48]، فأخّرَ الحكومة إلى يوم القيامة، وعليّ بن أبي طالب لَمّا ادّعَوا النصيريّة فيه ما ادّعوه قتلهم ولم يؤخّر حكومتهم، فهذه كانت فضائله لا تُعَدُّ بفضائل غيره.
قال: أحْسنتِ يا حُرّة، خَرَجتِ من جوابك، ولو لا ذلك لكان ذلك، ثم أجازها وأعطاها وسرَّحها سراحاً حسناً، رحمة الله عليها[49].
«علي (عليه السلام) عنده علم الأولين والآخرين»
(30)روى الشيخ الصدوق أعلا الله مقامه[50]بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال:
لمّا جلس عليّ (عليه السلام) في الخلافة وبايَعَه الناس خَرَج إلى المسجد مُتَعمِّماً بعمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لابساً بُردة رسول الله (صلى الله عليه وآله): متنعِّلا نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متقلّداً سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فصعد المنبر، فجلس (عليه السلام) عليه متمكّناً، ثم شبَّكَ بين أصابعه فوضعها أسفلَ بطنه ثم قال:
يا معشر الناس، سلوني قبلَ أن تفقدوني، هذا سفط العلم، هذا لعاب رسول
[48]( 1) المائدة: 116
[49]( 2) البحار ج 46 ص 134
[50]( 3) التوحيد: ص 305، وفي ط ص 319
- ورواه الصدوق في الأمالي( المجلس 55) ونقله المجلسي في البحار( ج 4 ص 171) ط كمباني
الله (صلى الله عليه وآله)، هذا ما زَقَّني رسول الله (صلى الله عليه وآله) زقّاً زقاً. سلوني فإنّ عندي علم الأوّلين والآخِرين.
أما والله لو ثُنيت لي الوسادة فجَلَستُ عليها لأفْتَيتُ أهل التوراة بتوراتهم حتى تنطق التوراة فتقول: صدق عليّ ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزل الله فيّ، وأفتيتُ أهل القرآن بقرآنهم حتّى ينطق القرآن فيقول: صدق عليّ، ما كذب، لقد أفتاكم بما أنزلَ الله فيّ، وأنتُم تتلونَ القرآن لَيلا ونهاراً، فهل فيكم أحدٌ يعلم ما نزل فيه؟ و لو لا آية في كتاب الله لأخبرتُكم بما كان وبما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية: (يَمحو الله ما يشاءُ ويُثبت وعندهُ أُمُّ الكتابِ)[51].
ثمّ قال: سَلوني قبل أنْ تفقدوني، فو الله الذي فلقَ الحبّة وبَرأ النّسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل أُنزلت أو في نهار أُنزلت، مكيّها ومدنيّها، سَفريّها وحَضَريِّها، ناسخها ومنسوخها، مُحكَمها ومتشابهها، وتأويلها وتنزيلها لأخبرتُكم.
فقام إليه رجل يقال له ذعلب- وكان ذرب اللسان بليغاً في الخطب، شجاع القلب- فقال: لقد ارتقى ابن أبي طالب مرقاة صعبة، لأُخجِّلَنَّهُ اليوم لكم في مسألتي إيّاه، فقال: يا أمير المؤمنين! هل رأيت ربّك؟
قال: ويلك يا ذعلب لم أكن بالذي أعْبُدُ ربّاً لم أرَه.
فقال: فكيف رأيته؟ صف لنا.
قال: ويلك، لم تره العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان.
[51]( 1) الرعد: 39
ويلك يا ذعلب، إنّ ربّي لا يُوصفَ بالبُعد ولا بالحركة ولا بالسكون ولا بالقيام قيام انتصاب ولا بجيئة ولا بذهاب، لطيف اللّطافة، لا يوصف باللّطف، عظيم العظمة لا يوصف بالعظم، كبير الكبرياء لا يوصّف بالكبر، جليل الجلالة لا يوصف بالغلظ، رؤوف الرحمة لا يوصف بالرقّة، مؤمنٌ لا بعبادة، مدركٌ لا بمجسَّة، قائلٌ لا باللّفظ، هو في الأشياء على غير ممازجة، خارجٌ منها على غير مباينة، فوق كلّ شيء فلا يقال: شيءٌ فوقه، وأمام كُلِّ شيء فلا يقال: له أمام، داخل في الأشياء لا كشيء في شيء داخل، وخارجٌ منها لا كشيء من شيء خارج.
فخَرّ ذعلب مغشيّاً عليه، ثمّ قال: تاللهِ ما سَمِعتُ بهذا الجواب، والله لا عُدت إلى مثلها.
ثم قال: سلوني قبل أنْ تفقدوني، فقام إليه الأشعث بن قيس فقال: يا أمير المؤمنين كيف يُؤخذ من المجوس الجزية ولم ينزل عليهم كتاب، ولم يبعث إليهم نبيّ؟
قال: بلى يا أشعَث، قدْ أنزل الله عليهم كتاباً وبعث إليهم رسولا حتى كان لهم ملكٌ سكر ذات ليلة، فدعا بابنته الى فراشه، فارتكبها، فلما أصبَحَ تَسامَعَ به قومه، فاجتمعوا إلى بابه فقالوا: أيّها الملك دَنَّسْتَ علينا ديننا وأهلكته، فاخرُج نطهّرك و نُقِم عليك الحدّ. فقال لهم: اجتمعوا واسمَعوا كلامي، فإنْ يكن لي مَخرَج ممّا ارتكبتُ وإلّا فَشَأنكم.
فاجتمعوا، فقال لهم: هل علمتم أنّ الله لم يخلُق خلقاً أكرَم عليه من أبينا آدم وأُمّنا حوّاء؟
قالوا: صدَقت أيّها الملك، قال: أفَليس قد زوّجَ بنيه من بناته وبناته من بنيه؟
قالوا: صدقت هذا هو الدين، فتعاقدوا على ذلك فمَحا الله ما في صدورهم من العلم، ورفع عنهم الكتاب، فهم الكفرة يدخلون النار بلا حساب، والمنافقون أشدّ حالا منهم.
قال الأشعث: والله ما سمعت بمثل هذا الجواب، والله لا عُدت الى مثلها أبداً.
ثمّ قال: سلوني قبل أن تفقدوني.
فقام إليه رجل من أقصى المسجد متوكّئاً على عصاه، فلم يَزَل يتَخطّى الناس حتى دنا منه، فقال: يا أمير المؤمنين دُلّني على عَمَل أنا إذا عملته نَجّاني الله من النار.
قال له: اسمع يا هذا، ثم افهم، ثم استيقن، قامت الدنيا بثلاثة: بعالم ناطق مستعمل لعِلمِه، وبغنِيٍّ لا يَبخَل بماله على أهل دين الله، وبفقير صابر، فإذا كتم العالم علمه، وبخل الغنّي، ولم يصبر الفقير، فعندها الويل والثبور، وعندها يعرف العارفون بالله أنّ الدار قد رجعت إلى بدئها أي الكفر بعد الإيمان.
أيُّها السائل فلا تغترنَّ بكثرة المساجد، وجماعة أقوام أجسادهم مجتمعة وقلوبهم شَتّى، أيُّها السائل إنّما الناس ثلاثة: زاهد وراغب وصابر، فأمّا الزاهد فلا يفرح بشيء من الدنيا أتاه، ولا يحزَن على شيء منها فاتَه، وأمّا الصابر فيَتمنّاها بقلبه، فإنْ أدرَك منها شيئاً صرف عنها نفسه لما يعلم من سوء عاقبتها، وأمّا الراغب فلا يُبالي منْ حِلٍّ أصابها أم منْ حرام.
قال له: يا أمير المؤمنين فما علامة المؤمن في ذلك الزمان؟
قال: ينظر الى ما أوجب الله عليه من حَقٍّ فيتولّاه، وينظر الى ما خالفه