لسان إلزام ضرورة أن مثل قوله (ع) لا دين لمن لا تقية له ونحوه يدل على الإلزام لا مجرد الرخصة في ترك الواقع وإتيان بدله.
(ثانيها):إن العبادة المخالفة للتقية منهي عنها وقد تقر في محله أن النهي عن العبادة يقتضي الفساد. ويمكن أن يقال عليه أن العبادة التي هي على خلاف التقية غير منهي عنها لأن النهي عنها مبني على أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده وهو كما تقرر في محله من أنه لو سلم فإنما يسلم في الضد العام وهو الترك لا الخاص. والعبادة المذكورة ضد خاص للتقية فلا نهي عنها مترشح من الأمر بالتقية.
إن قلت إن ظاهر أخبار التقية النهي عن تركها كقوله (ع) من لا تقية له لا دين له فإنه ظاهر في النهي عن فعل العبادة المخالفة للتقية (قلنا) إنما هي ظاهرة في النهي عن ترك التقية فهي لا تزيد مفاهيمها عن مفهوم الأمر بالتقية في الدلالة على النهي عن الضد العام للتقية وهو تركها.
(إن قلت) إن ترك التقية متحد في الوجود مع فعل العبادة المخالفة للتقية نظير اتحاد الغصب مع الصلاة في المكان المغصوب ويدل على اتحادهما صحة حمل أحدهما على الأخر فيقال للعبادة المذكورة أنها ترك للتقية (قلت) إن ترك التقية ملازم للعبادة المخالفة لها لا أنه متحد معها وجوداً بناءاً على استلزام ترك أحد الضدين لوجود الأخر وإلا فهو مقارن لها ويدلك على عدم الاتحاد بينهما أن ترك التقية من قبيل الضد العام للتقية والفعل العبادي الذي يدعى اتحاده معه من
قبيل الضد الخاص للتقية فلو كان الضد العام وهو الترك متحد مع وجود الضد الخاص وهو الفعل العبادي لكان كل من قال بحرمة الضد العام يقول بحرمة الضد الخاص مضافاً إلى أن الترك من طبيعة العدم وهو ضد الوجود فكيف يتحد مع شيء آخر في نفس الوجود والاتحاد يقتضي وحدة وجودها (ودعوى) أن ملاك الاتحاد في الوجود موجود وهو صحة حمل أحدهما على الأخر فيقال إن هذه العبادة ترك للتقية (فاسدة) فإن الحمل المذكور على ضرب من المجاز لا على سبيل الحقيقة إذ هذه العبادة ليست هي الترك للتقية وإنما هي مقارنة له أو ملازمة له ولو كانت متحدة معه لصح أن تحمل على الترك فيقال ترك التقية العبادة الفلانية فإن ملاك الاتحاد هو صحة حمل كل منهما على الآخر وبهذا يتضح لك باب في الفقه مهمة وهي عدم سريان أحكام الإعدام للوجودات لعدم الاتحاد معها ولذا أفتينا بأن حرمة الخلو بالأجنبية لا يوجب النهي عن الوضوء أو الصلاة عند الخلو بها لعدم اتحاده معهما.
وقد يفصل في المقام بين صورة العمد في ترك التقية عند فعل العبادة و صورتي السهو والنسيان والغفلة والجهل فعلى الأول يحكم ببطلان العبادة وعلى الثاني يحكم بصحتها واستدلوا لذلك بأن النهي غير متوجه مع السهو والنسيان والغفلة والجهل كالصلاة في الدار المغصوبة عند عدم الإلتفات إلى أنها مغصوبة ولا يخفى إن هذا يتم بناء على صحة الوجه الثاني لأنه عليه يكون المقام من باب اجتماع الأمر
والنهي وأما لو قلنا بالوجه الأول فلا تصح العبادة الواقعة على خلاف التقية لأنها غير مطلوبة والمطلوب غيرها.
نعم يمكن أن يقال في توجيه ذلك إن موضوع التقية هو خوف الضرر وهو لم يتحقق مع السهو والنسيان فلا أمر بالتقية لعدم تحقق موضوعها فلا تكون مطلوبة ويكون الواقع باقٍ على مطلوبيته لعدم
ثبوت ما هو البدل منه (اللهم) إلا إذا قلنا بأن موضوع التقية الضرر في الواقع نفسه والمفروض تحقق الضرر فلا أثر للغفلة والنسيان لأنه يكون نظير النسيان والغفلة عن كون الماء مضافاً أو متنجساً في الوضوء فإنه لا يتغير بذلك حكم الواقعة ويكون الوضوء فاسداً ولكنه خلاف الظاهر وبهذا يظهر لك ما في كلام المرحوم الشيخ الأنصاري (رضى الله عنه) من التفصيل بين صورة ما إذا كان ترك التقية منطبقاً على العمل العبادي كالسجود على التربة الحسينية فإنه ينطبق عليه ترك التقية ففي هذه الصورة يبطل العمل و صورة ما إذا لم ينطبق على العمل العبادي كترك التكفير وترك قول آمين وترك غسل الرجلين مع المسح عليهما وقد عرفت ما فيه من عدم انطباق الترك على الوجود فلا وجه لهذا التفصيل كما أنه لا يتم لو تم الدليل الأول.
ما استثني من عمومات التقية
إن عمومات أخبار التقية التي كادت أن تكون من ضروريات مذهب الشيعة لما كانت معتضدة بالقواعد العقلية والنقلية كما يظهر
لك مما تقدم من سرد أدلتها كانت غير قابلة للتخصيص إلا بمخصص قوي غير قابل للتأويل ولذا الأصحاب لم يخصصوا عمومات التقية بصحيحة هشام عن أبي عمر قال: (قال أبو عبد الله (ع): يا أبا عمر تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له والتقية في كل شيء إلا في ثلاث شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج) ولا بما في صحيحة زراره قال (ع): لا تتق في ثلاث قلت وما هن قال (ع): شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج. ولا بما في صحيح زراره أيضاً قال: قلت هل في المسح على الخفين تقية قال (ع): ثلاث لا اتقي فيهن أحداً شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج قال زراره: ولم يقل (ع) الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحداً لاختصاص الحكم بالإمام (ع) ولا بما عن دعائم الإسلام عن الصادق (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) التقية ديني ودين آبائي في كل شيء إلا في تحريم المسكر وخلع الخفين عند الوضوء والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وروايته الأخرى عنه (ع) أيضاً التقية ديني ودين آبائي إلا في ثلاث في شرب المسكر والمسح على الخفين وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وإنما لم يخصصوا أخبار التقية بها لاحتمالهم أن هذه الثلاثة لا يقع فيها الإنكار من المخالفين غالباً لأنهم لا ينكرون متعة الحج ويمنعون من شرب الخمر إلا ما ينسب لبعضهم من جوازه بمقدار لا يسكر أو لأنه يمكن إخفاءها بحيث لا يطلع عليها المخالفون أصلًا كما في متعة الحج لأن القصد فيها والنية
لا يطلع عليهما أحد وكما عند مسح رجليه فإنه يمكنه أن يظهر أنه يغسلهما ويمسح عليهما فإن المخالفين يقولون بالتخيير بين المسح على الخف وغسل الرجلين فعدم مشروعية المسح على الخف عند التقية لإمكان المندوحة بتأدية التقية بإيجاد المسح على القدمين عند غسل الرجلين فيمسحهما ثم يغسلهما أو لاحتمال اختصاص عدم التقية في ذلك بالإمام (ع) كما يدل عليه فهم زراره حيث قال في صحيحته المتقدمة (ولم يقل الواجب عليكم ألّا تتقوا فيهن أحداً لاختصاص الحكم بالإمام (ع).
والحاصل إن هذه الأخبار مع صحتها وتظافرها حيث كانت غير صريحة في مخالفة أخبار التقية لم يخصص بها الأصحاب أخبار التقية وأفتوا بوجوب التقية في الموارد الثلاثة وقدموا عليها خبر أبي الورد الموافق لأخبار التقية وهو: قال قلت لأبي جعفر (ع) إن أبا ضبيان حدثني أنه رأى علياً (ع) أراق الماء ثم مسح على الخفين فقال (ع) كذب أبو ضبيان أما بلغك قول علي (ع) فيكم سبق كتاب الخفين فقلت هل فيها رخصة فقال لا إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخاف على رجليك (نعم) استثني من عمومات التقية الدالة على وجوبها أمور قد جوز القوم عدم التقية فيها وإن خاف الضرر العظيم بتركها.
(الأول منها):الدماء فإنه لا تجوز التقية في الدماء ولا يجوز قتل النفس المحترمة للتقية وإن خاف الضرر العظيم بتركه لما رواه الكافي في
الصحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية). وفاعل بلغ هو ضمير يعود للاتقاء المفهوم من الكلام، ومثله موثقة الشيخ أبي حمزة الثمالي عن الصادق (ع) في حديث قال فيه (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية) ومرسلة الصدوق في الهداية قال الصادق (ع) لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً والتقية في كل شيء حتى يبلغ الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية ويمكن أن يناقش في استفادة الحكم المذكور من الخبر المذكور بأن المراد إن التقية إنما كانت لحفظ الدم فإذا علم الإنسان أنه يقتل على كل حال حتى لو اتقى كالحسين (ع) فلا تقية ولعله أظهر في ذلك. ولكن الظاهر شمول الخبر لكلا الصورتين لأن الدم مفعول سواء كان فاعله الاتقاء أو الحال والشأن أو التقية. وعليه فيكون المعنى إن الدم متى كان الاتقاء والتقية والحال قد بلغت ووصلت إليه فلا تقية سواء كان دم المتقي أو شخص آخر. ولذا جعل في الرواية الدم غير مخصص باحد فيكون المراد به مطلق الدم.
ولو سلمنا عدم الشمول فيكفينا دليلًا على المسألة قيام الإجماع عليها (نعم) المشهور أنه لو أكره على الجرح الذي لا يسري إلى فوت النفس كقطع يده جاز فعله إن ظن أنه يقتل بترك ذلك. وإن كان الذي نسب للشيخ (ره) استثناء الجروح أيضاً كاستثناء القتل ولعل مستنده إطلاق أخبار الدم. ثم إن الظاهر من تلك الأخبار هو حرمة التقية
مثل لا ضرر. ومثل قوله تعالى: [فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج] وليست لنفي وجوب التقية بان يدعي أن نفيها ظاهر في نفي حكمها كما في قوله (ع) لا يمين في غصب ولا في جبر ولا في إكراه وقوله (ع) لا رضاع بعد فطام وذلك لتبادر المعنى الأول ولأن صدر الخبر ظاهر في الاهتمام بالدماء وأن الله تعالى شرع وجوب التقية لحقنها فإذا أوجبت التقية إراقتها تكون لا ريب محرمة ويكفينا في ذلك الإجماع على الحرمة ثم الظاهر إن التقية تحرم في الدم إذا كانت من جهة خوف الضرر على ماله أو نحو ذلك أما مع الخوف على نفسه بالقتل فهذه الروايات تعارضها الأدلة على إلقاء النفس في التهلكة لأن بتركه القتل يكون قد أوقع نفسه في التهلكة وتعارضها أدلة ما أكرهوا عليه وأدلة الحرج فإنه يكون بذلك قد أكره على القتل ويكون تحمله القتل لنفسه حرج عظيم والظاهر إن هذه الأدلة حاكمة على الأخبار المذكورة لأن عناوينها ثانوية بالنسبة لها نظير طرو الحرج على الوضوء ثم الظاهر إن المراد بالدم هو الدم المحترم لا الدم المهدور غير المحترم فإن الظاهر من الأخبار هو المحافظة على الدم. وغير المحترم لا محافظة عليه فالقرينة على ذلك هي مناسبة الحكم للموضوع. ثم الظاهر إن المراد هو كل دم محترم حتى من كان مخالفاً حيث إن الروايات المذكورة غير مخصصة بخصوص دم المؤمنين هذا كله فيما إذا بلغت التقية الدم أما إذا بلغت الإضرار بالغير مالًا أو عرضاً فهي جائزة لعموم صحيحة زراره عن أبي جعفر (ع): (التقية في كل ضرورة
وصاحبها أعلم بها حين تنزل به) وصحيحته الأخرى قال: سمعنا أبا جعفر (ع) يقول: (التقية في كل شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحله الله).
(الثاني منها):إظهار الدين فإنه يجوز ترك التقية فيه كما تقدم في المطلب الثاني.
(الثالث منها):عيادة مرضى المخالفين وتشييع جنائزهم والصلاة في مساجدهم فقد ذهب الشيخ الأنصاري إلى عدم وجوب التقية فيها حيث قال وأما المستحب من التقية فالظاهر وجوب الاقتصار فيه على مورد النص وقد ورد النص بالحث على المعاشرة مع العامة وعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم والصلاة في مساجدهم والأذان لهم فلا يجوز التعدي عن ذلك مما لم يرد فيه النص من الأفعال المخالفة للحق كذم بعض رؤساء الشيعة للتحبب إليهم وكذلك المحرم والمباح والمكروه فإن هذه الأحكام على خلاف عمومات التقية فيحتاج إلى الدليل الخاص انتهى.
(أقول) إن منع خوف الضرر من المخالف بتركها يجب فعلها حتى لو كانت محرمة لأن أدلة التقية حاكمة على أدلتها مع عدم خوف الضرر المعتد به فهي ليست من التقية. والأخبار المذكورة الواردة في استحباب المعاشرة مع المخالفين إنما هي من باب المداراة لهم لا من باب التقية نعم العمل إنما يستحب من باب المداراة لهم إذا ورد النص به لعموم الأخبار الواردة في النهي عن المخالطة مع أعداء الله وأعداء