بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 35

الأحكام الخمسة فالواجب منها لمن خاف على نفسه مع عدم فائدة دينية يعبأ بها في تركها، والمحرم منه كمن يؤمر بقتل نفس مؤمنة، والمستحب منها كمن يتضرر بأمر غير مهم، والمكروه كالناجي من مسيلمة الكذاب، والمباح منها كالبراءة والسب لأمير المؤمنين (ع) على بعض الأقوال.

وجوب التقية

إن التقية بالمعنى الذي ذكرناه واجبة مطلقاً إلّا ما سيجي‌ء بيانه إن شاء الله، ويدل على وجوبها أمور:

الأمر الأول:العقل فإن العقل يحكم على الفئة المستضعفة التي هي تحت سلطة أخرى أقوى منها أن تجاريها في أعمالها ولا تخالفها في أمورها وتتقيها في قضاياها حذراً من عقابها وإيذائها، بل هو أمر طبيعي تقتضيه النفوس بصرف طباعها.

الأمر الثاني: الآيات القرآنية كقوله: [لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلّا وُسْعَهَا] وقوله تعالى: [فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‌] وقوله تعالى: [وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‌]. ويمكن المناقشة فيها بأنها إنما تدل على رفع التكليف ولا تدل على وجوب التقية. وقوله تعالى: [لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْ‌ءٍ إِلّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً] وسيأتي تفسير الآيات في ضمن الأخبار الآتية. وقوله تعالى: [وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ] وقوله تعالى: [إِلَّا مَنْ‌

أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ‌] فقد روى العامة والخاصة في سبب نزول هذه الآية إن قريشاً أكرهوا عماراً و ياسراً وسمية على الارتداد فلم يقبل أبوه فقتلوهما، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهاً فقيل: (يا رسول الله إن عماراً كفر، فقال (ص): كلّا إن عمّار أملئ أيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه. فأتى رسول الله (ص) عمار وهو يبكي، فجعل رسول الله (ص) يمسح عينيه، وقال: ما لك إن عادوا لك فعدلهم بما قلت).

الأمر الثالث:سيرة الأئمة وإجماع الأمامية، وممن نقل الإجماع على ذلك المحقق المدقق المولى‌محمد صالح المازندراني‌في شرح‌أصول الكافي‌حيث قال: (والتقية عندنا واجبة، والمخالفون قالوا: تركها أفضل إعزازاً للدين).

الأمر الرابع:إن حفظ النفس والعرض والمال واجب مهما أمكن، وهو متوقف على التقية، ومالا يتم الواجب إلّا به فهو واجب، وعدم جواز الإلقاء باليد إلى التهلكة عقلًا ونقلًا آية ورواية.

الأمر الخامس:الأخبار المتواترة التي هي صريحة في الوجوب أو في معنى يلائم الوجوب.

منهاما رواه‌الصدوق‌في‌الخصال‌وثقة الإسلام‌في‌الكافي‌بإسناده عن أبي عمر الأعجمي قال: قال لي أبو عبد الله: (يا أبا عمر أن تسعة أعشار الدين في التقية ولا دين لمن لا تقية له‌).


صفحه 36

ومنهافي الصحيح عن معمر ابن خلاد قال: سألت أبا الحسن (ع) عن القيام للولاة، فقال: (قال أبو جعفر (ع):التقية من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقية له‌).

ومنهاعن ابن أبي يعفور عن الصادق (ع) قال: (التقية ترس المؤمن، والتقية حذر المؤمن، ولا أيمان لمن لا تقية له‌).

ومنهاعن الصادق (ع) قال: (اتقوا على دينكم واحجبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له، إنما أنتم في الناس كالنحل في الطير، ولو أن الطير يعلم ما في أجواف النحل ما بقى منه شي‌ء إلّا أكلته، ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السر والعلانية).

ومنهاعن الصادق (ع) في قوله تعالى: [وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ] قال: (الحسنة التقية والإساءة الاذاعة) وقوله (عز و جل): [ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ] قال: (التي هي أحسن التقية [فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‌]).

ومنهاعن الصادق (ع) أنه قال لأبي عمر الكناسي: (يا أبا عمر أبى الله إلّا أن يعيد سراً، أبى الله (عز و جل) لنا ولكم في دينه إلّا التقية).

ومنها عن الصادق (ع) قال في رسالته إلى أصحابه (وعليكم بمجامعة أهل الباطل تحملوا الضيم منهم وإياكم ومما ظننتم‌


صفحه 37

دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم، الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم).

ومنهاروى‌الصدوق في معاني الأخباربإسناده عن هشام بن سالم عن الصادق (ع) قال: (ما عبد الله بشي‌ء أحب إليه من الخب، قلت: وما الخب، قال: التقية).

منها عن أبي بصير قال سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله (عز و جل): [يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا]، قال: (اصبروا على المصائب وصابروهم على التقية ورابطوا على من تعتدون به).

منهافي الخصال عن الصادق (ع) في حديث قال فيه: (واستعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حنث تقية يدفع بذلك ظلماً على نفسه‌).

منهافي صفات الشيعة عن الصادق (ع) قال: (لا دين لمن لا تقية له‌).

منهافي بصائر الدرجات عن المعلى بن خنيس قال، قال: لي أبو عبد الله: (يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه، فإن من كتم أمرنا ولا يذيعه أعزه الله في الدنيا وجعل نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنة، يا معلى إن التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له، يا معلى إن‌


صفحه 38

الله يحب أن يعبد في السر كما يحب أن يعبد في العلانية والمذيع لأمرنا كالجاحد له‌).

منهاما روى‌الطبرسي والصدوق‌وغيرهما بأسانيد عديدة عن الرضا (ع) قال: (لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند اله أعملكم بالتقية).

منهاما في‌مستطرفات السرائرعن علي الهادي (ع) أنه قال لداود الصرمي: (يا داود لو قلت إن تارك التقية كتارك الصلاة لكنت صادقاً).

منهاما في مجالس الشيخ بإسناده عن الهادي عن أمامه قال: قال الصادق (ع) (ليس منا من لم يلزم التقية ويصوننا عن سفلة الرعية). وبهذا الإسناد عن الصادق (ع) قال: (عليكم بالتقية فإنه ليس منا من لم يجعلها شعاره ودثاره مع من يأمنه ليكون سجيته مع من يحذره‌).

منهاما في محاسن البرقي عن الصادق (ع) قال: (لا خير فيمن لا تقية له ولا إيمان لمن لا تقية له‌).

منهاعن أبي الحسن (ع) في قوله تعالى: [إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ‌]قال: (أشدّكم تقية).

منها ما في تفسير العياشي عن جابر عن الصادق (ع) قال:[أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا] قال: (هو التقية).


صفحه 39

منها عن المفضل قال سألت الصادق (ع): (اجعل بينكم وبينهم ردماً قال: التقية، [فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا]، قال: إذا عملت بالتقية لم يقدروا لك على حيلة، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سداً لا يستطيعون له نقباً).

منها ما في تفسير الإمام العسكري (ع) في قوله تعالى: [وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ‌] قال: (قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد واعتقاد النبوة والإمامة، قال: وأعظمها فرضان قضاء حقوق الإخوانفي الله، واستعمال التقية من أعداء الله (عز و جل)، قال: وقال رسول الله‌(ص):مث‌ل‌مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له، قال: وقال أمير المؤمنين‌(ع):التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه من الفاجرين، قال: وقال الحسن بن علي‌(ع):إن التقية يصلح الله بها أمة لصاحبها مثل ثواب أعمالهم وأن تركها أهلك أمة تاركها شريك من أهلكم، قال: وقال علي بن الحسين‌(ع):يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين ترك التقية وتضييع حقوق الإخوان، قال: وقيل لمحمد بن علي‌(ع)إن فلاناً أخذ بتهمة فضربوه مائة سوط، فقال‌(ع): إنه ضيّع حق أخ مؤمن وترك التقية فوجه إليه فتاب، قال: وقال رسول الله (ص): ولو شاء لحرم عليكم التقية وأمركم بالصبر على ما ينالكم من أعدائكم عند إظهاركم الحق ألا فاعظم‌


صفحه 40

فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التقية على انفسكم وأموالكم ومعارفكم وقضاء حقوق إخوانكم، وإن الله يغفر كل ذنب بعد ذلك ولا يستقضي فأما هذان فقلّ من ينجو منهما إلّا بعد مس عذاب شديد).

منهاما في صحيح البخاري عن عائشة، قالت: (إستأذن رجل على رسول الله (ص) وأنا عنده، فقال: بئس ابن العشيرة أو أخو العشيرة، ثم أذن له فألان له القول، فلما خرج قلت يا رسول الله، قلت ما قلت، ثم ألنت له القول، فقال: يا عائشة إن من شر الناس من يتركه الناس اتقاء فحشه‌). منها ما في حديث أبي الدرداء: (إنا لنكشر في وجوه قوم وأن قلوبنا تتقيهم).

منها ما عن أنس أن رسول الله (ص) قال: (طاعة السلطان واجبه ومن ترك طاعة السلطان دخل في نهيه، إن الله تعالى يقول: [وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ]).

منهاما في رواية عبد الله بن الفضل عن أبيه عن موسى (ع) قال: (لولا أني ما سمعت في خبر عن جدي رسول الله (ص) أن طاعة السلطان واجبة للتقية لما أجبت‌) إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة، ويأتي جملة منها في طي المباحث الآتية إن شاء الله وههنا مطالب:

المطلب الأول: معارضة أدلة التقية بأدلة التكاليف‌

إن جميع هذه الأدلة لسانها لسان الحكومة على سائر الأدلة حتى أدلة الواجبات والمحرمات، فلا يعارض بها شي‌ء منها حتى يعمل قواعد التعارض والترجيح بينها وبين أدلة التقية كما نسب لبعضهم في بعض الموارد.

نعم الأدلة التي وردت في الحث على حسن المعاشرة مع العامة كتشييع جنازتهم وعيادة مرضاهم والأذان لهم ليست لها الحكومة على أدلة الواجبات والمحرمات، فإنها كأدلة سائر المستحبات ذات العناوين الثانوية في عدم حكومتها على أدلة الواجبات والمحرمات.

ومن الغريب من‌الشيخ‌(ره) جَعله حسن المعاشرة من التقية المستحبة مع أن التقية التي قامت الأدلة عليها مأخوذ فيها خوف الضرر، فحسن المعاشرة إن كان لخوف الضرر كان من التقية وكانت أدلته هي الأدلة للتقية وهي حاكمة على الواجبات والمستحبات. وهكذا يظهر لك ما في كلام المرحوم‌الشيخ محمد طه نجف‌حيث ذهب إلى أن التقية مع الأمن التام إنما تجوز بل تستحب في المعاشرات كعيادة مرضاهم وتشييع جنائزهم ونحو ذلك دون المحرمات الذاتية كشرب النبيذ ووطي‌ء المملوك والإفطار في شهر


صفحه 41

رمضان والإفتاء بالباطل ونحو ذلك، فإن التقية فيها إنما تجوز مع خوف الضرر الموجب لها مع عدم المندوحة وتعذر التفصّي عن المحرم إلّا بالتقية، فهي حينئذ قسمان:

أما الأول:فالحجة عليه إطلاق النصوص وصريح بعضها.

وأما الثاني‌: فلإطلاق أدلة التحريم في المحرمات الذاتية مع الإجماع على أن المحرمات الشرعية لا تخرج عن حكم التحريم إلّا عند الاضطرار الفعلي. ووجه الفساد فيه:

أولًا:إن أدلة حسن المعاشرة غير أدلة التقية، لأن التقية مأخوذ في أدلتها خوف الضرر.

ثانياً:إن أدلة التقية حاكمة على أدلة المحرمات ولا يجوز الخروج من مقتضى أدلتها وهو الوجوب إلّا بدليل خاص كما سيجي‌ء إن شاء الله في مبحث ما استثني من التقية غير الواجبة.

المطلب الثاني: ما يستدل به على عدم وجوب التقية

لا يخفى إن صريح هذه الأخبار كظاهر كلمات الأصحاب وجوب التقية مع خوف الضرر على النحو السابق، وإن تركها معصية بل ظاهر بعض الأخبار السابقة إن تركها من أعظم الكبائر الموبقات التي لا تغفر لصاحبها. والسر في ذلك ظاهر بالنسبة إلى ما


صفحه 42

يترتب على ذلك من سفك الدماء وقتل النفوس وإنتهاك العرض وهتك حرمة الأئمة () بل ربما يكون ذلك سبباً لجرأة بعض المخالفين على سب الأئمة ()، وربما يتخيل متخيل عدم وجوبها نظراً إلى أن جملة من أساطين المؤمنين ما كانوا يتقون كما يرشد إلى ذلك النظر في أحوال سلمان وأبي ذر والمقداد وعمار ومالك الأشتر ومالك بن نويرة وسعد بن عبادة وكذا جملة من أصحاب الأئمة وأولادهم كزيد بن علي بن الحسين وميثم التمار وقنبر مع أن الأئمة ترحموا عليهم ولم يزروا عليهم بذلك، وربما يؤيد ذلك بما اتفق لأمير المؤمنين (ع) والزهراء من الخطب والمواعظ وبيان الحق، وكذلك الحسن والحسين () ما اتقيا من معاوية ويزيد، وكذا أصحابهم وأنصارهم كما لا يخفى على المتتبع السير والقصص، وما اتفق لأمير المؤمنين وأصحابه وأنصاره وشيعته مع معاوية من الكلام الخشن الغليظ وبيان الحق بالبراهين والأدلة.

ويمكن الجواب عن جميع ذلك:

أولًا:إنه لا حجة في فعل غير المعصوم فلا يعارض الأخبار الصحيحة الصريحة المتظافرة المتواترة الدالة على الوجوب. وترحم الأئمة على من قتل أو أوذي بسبب ترك التقية وعدم الإزراء به لا يدل على عدم الوجوب، بل العاصي والتارك للواجب هو الأولى بالترحم والاستغفار كما لا يخفى.

ثانياً:فإن التقية صاحبها أعرف بها ولعل من ترك التقية ممن ذكر كان له وثوق بعدم وصول الضرر إليه أو إلى أحد من إخوانه‌