بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 218

كل من الأمور الثلاثة أما وجود الورود بينهما فكما إذا كان أحدهما قطعياً والآخر ظنياً مطلقاً أو كانا ظنينين ولكن كان اعتبار أحدهما من باب السببية المقيدة بإفادته للظن والآخر من باب السببية المطلقة سواء أفاد الظن أم لا فإن الثاني وارد على الأول.

وأما وجود الحكومة بينهما فكما إذا كانا ظنينين ولكن كان أحدهما ناظراً إلى الآخر كأدلة عدم الاعتناء بالشك بعد العمل وبشك الإمام والمأموم وكثير الشك وأدلة نفي الحرج ونفي الضرر في وجه كما مر ونفي السبيل على المحسنين والقدرة على العبد إلى غير ذلك بالنسبة إلى أدلة الأحكام التكليفية بل الوضعية بناءاً على رجوعها إلى التكليفية وأما وجود التعارض بينهما فظاهر لا حاجة له إلى البيان وإن كانا أصلين فيوجد بينهما أيضاً كل من الأمور الثلاثة.

أما الورود فكما إذا كان أحدهما براءة والآخر اشتغالًا فإن الأول وارد على الثاني في مور الشك في التكليف مطلقاً سواء قلنا باعتبارها معاً من باب حكم العقل أو من باب حكم الشرع أو أحدهما من الأول والثاني من الثاني وإن كان الحق أن عدم اعتبار الاشتغال من باب الشرع ضرورة أن المدرك فيه هو قاعدة دفع الضرر التي هي من حكومات العقل وما ورد في أدلة الاحتياط مؤكد لحكم العقل ومقررة إياه. كما أن الثاني وارد على الأول في مورد الشك في المكلف به مطلقاً أي سواء قلنا باعتبارهما من جهة العقل أو الشرع أو أحدهما من جهة الأول والثاني من الثاني وهكذا


صفحه 219

يوجد الورود بين الأصلين إذا كان أحدهما استصحاباً والآخر غيره من الأصول كالبراءة والاشتغال بناءاً على اعتبار الاستصحاب من باب حكم الشرع أو على اعتبار غيره من الأصول من باب حكم العقل وهو قاعدة قبح التكليف بلا بيان في البراءة ووجوب دفع الضرر في الاشتغال إذ الاستصحاب حينئذ رافع لمجرى تلك الأصول لأن الأصل الشرعي وارد على الأصل العقلي مطلقاً إذ المأخوذ في الأصل العقلي الجهل بالنسبة إلى جميع مراتب الحكم بمعنى أن المأخوذ فيه عدم العلم بالحكم الواقعي والظاهري.

وأما وجود الحكومة بين الأصلين فكما إذا كانا شرعين وكان أحدهما استصحاباً والآخر غيره فإن الاستصحاب لما كان له جهة اجتهادية بالنسبة إلى سائر الأصول حيث أنه ناطق بتنزيل الحكم الثابت في السابق منزلة الوجود ولذا قيل إنه برزخ بين الأدلة والأصول فلا محالة يكون حاكماً على غيره مثلًا إذا عُلق الحلّية والإطلاق في قوله: (كل شي‌ء مطلق الخ) على ورود النهي، والمفروض أن الاستصحاب ناطق بوجوب البناء على بقاء النهي السابق فيكون مفسراً للمراد منه ورافعاً للحكم بالإطلاق عن بعض أفراد موضوعه وهو الشي‌ء الذي لم يرد فيه نهي فإنه بالاستصحاب لم يرتفع هذا الموضوع حقيقة. وهكذا إذا كاناً استصحابين ولكن أحدهما موضوعياً والآخر حكمياً فإن الأول حاكم على الثاني أو كان أحدهما جارياً في مورد الشك السببي والآخر في مورد


صفحه 220

الشك المسببي فإن الأول حاكم على الثاني ويمكن إرجاعها إلى الموضوعي والحكمي على ما ذكره بعض المحققين في مبحث الاستصحاب ولكن لا تخلو عن تأمل.

وربما يناقش في كون المثال الأخير من الحكومة نظراً إلى أن الحكومة صفة للدليلين المختلفين بحسب المدرك والاستصحاب ليس من الأدلة وإنما الدليل ما دل من الأخبار على عدم جواز نقض اليقين بالشك ونسبة ذلك الدليل إلى الاستصحابين على حد سواء فيكون المدرك فيهما متحداً فلا يتصف أحدهما بالحكومة وفيه من الضعف ما لا يخفى فإن مرجعه إلى إنكار الشك السببي والمسببي وقد حقق في محلة ثبوتهما ووجودهما بل ومما ذكر هناك يندفع تلك المناقشة فلا حاجة إلى الإطناب هنا في رده ولا يذهب عليك أن فرض الحكومة هنا في الاستصحاب لا ينافي ما نفيناه سابقاً من الحكومة في الأصول العملية أما من جهة أنه تلاحظ الحكومة هنا بين دليل الاستصحاب ودليل الأصل الآخر كما مر ولا شك في أن دليلهما في الأدلة الاجتهادية فالحاكم في الحقيقة هو دليل الاستصحاب لا نفيه أو من جهة أن حكومة الاستصحاب من حيث جهة اجتهاديته لكونه برزخاً بين الأدلة والأصول كما سمعت ونفي الحكومة عنه إنما هو من جهة أصليته فلا منافاة بين المقامين لتغاير الجهتين.


صفحه 221

وأما وجود التعارض فهو ما إذا كانا إستصحابين وكانا في مرتبة واحدة كأن يكون الشك فيهما مسبباً عن ثالث أو كان السبب في تعارضهما هو مجرد إقترانهما في العلم الإجمالي أو غيره على ما تقرر في محله بناءاً على القول بجريان الأصول في صورة العلم الإجمالي كما جنح إليه جماعة وأما بناءاً على القول بعدم الجريان من جهة كون الغاية في الأصول أعم من العلم التفصيلي والإجمالي كما هو المختار فليس مورداً للتعارض أصلًا هذا كله حال غير التخيير من الأصول.

أما أصل التخيير فمورده هو ما لا يمكن العمل فيه لشي‌ء من الأصول فلا يقع في مقابلها ضرورة أن مباينة المورد يوجب انتفاء النسبة بين الأصول المزبورة بأحد الأمور المذكورة من الورود والتعارض والحكومة. وإن كانا المتقابلان مختلفين فلا يوجد التعارض بينهما أصلًا بل الدليل أما وارد على الأصل مطلقاً أو حاكم في بعض الموارد.

وتوضيح المقام إن الدليل أما قطعي أو ظني كما أن الأصل أما شرعي أو عقلي والمراد بالأصل الشرعي هو ما أنشأ الشارع اعتباره في موضوع الشك بالحكم الواقعي الأولي لا أن يكون من قبيل إمضاء حكم العقل وكان المناط فيه البراءة العقلية والإشتغال والتخيير العقليين بالأصل والحكم الظاهري بل العذري إنما هو باعتبار إنشاء العقل فيها حكماً على موضوع في مورد الشك في‌


صفحه 222

الحكم الشرعي المجعول في حق المكلف واقعاً وإلَّا فليس للعقل حكم ظاهري.

إذا عرفت هذا فنقول إن الأصل إن كان عقلياً فالدليل وارد عليه مطابق سواء كان قطعياً أم ظنياً لإرتفاع موضوع الأصل حينئذ بمجرد وجود الدليل في مقابلة فإن المأخوذ في موضوع حكم العقل بالبراءة العقلية والإشتغال والتخيير العقليين عدم البيان وإحتمال العقاب وعدم الترجيح لأحد طرفي التخيير وكل ذلك مرتفع بالدليل وإن كان ظنياً لتحقق البيان في الأول ونفي إحتمال العقاب في الثاني والمرجع في الثالث ولا نعني بالوارد سوى الدليل الرافع لموضوع الدليل الآخر رأساً وكذلك الكلام بالنسبة إلى الاستصحاب بناءاً على اعتباره من باب الإستقراء والغلبة ونحوهما ضرورة ارتفاع الظن المأخوذ في موضوعه بإحتمال بقاء الحالة السابقة بمجرد وجود الدليل هذا كله إذا كان الأصل عقلياً وأما إذا كان الأصل شرعياً بأن يكون من المجعولات الشرعية كالاستصحاب وأصل الإباحة والبراءة بناءاً على كون المدرك فيها هو النقل كحديث: (لا تنقض) و (كل شي‌ء مطلق حتى يرد فيه نهي) وأمثال ذلك فإن كان الدليل الذي في مقابله قطعياً مفيداً لليقين بخلاف الاستصحاب مثلًا كان وارداً عليه أيضاً لا محالة لأنه رافع لموضوعه وإن كان ظنياً كان حاكماً على الأصل بمعنى أنه يحكم عليه بخروج مورده عن مجرى الأصل فالدليل العلمي المذكور وإن لم يرفع موضوعه أعني الشك إلَّا أنه يرفع حكم الشك أعني الاستصحاب مثلًا وإن شئت لاحظت الحكومة أولًا


صفحه 223

وبالذات بين دليل حجية هذا الدليل الظني المقابل للاستصحاب وبين الاستصحاب بل دليله فإن دليل الاستصحاب حينئذ يفيد وجوب العمل بالاستصحاب عند عدم اليقين بارتفاع الحالة السابقة فبُيّن أن المأخوذ في موضوع الاستصحاب عدم اليقين بارتفاع الحالة السابقة، ودليل حجية خبر الواحد ناظر إلى ذلك الدليل لإفادته أن خبر الواحد منزل منزلة اليقين به لأن معنى جعل خبر الواحد حجة هو الغاء ما كان يجب الرجوع إليه على تقدير عدم حجيته أعني كلًا من الأصول المعتبرة التي منها الاستصحاب ولا نعني بالحاكم إلَّا ما كان ناظراً إلى الدليل الآخر ورافعاً للحكم الثابت بالدليل الآخر عن بعض أفراد موضوعه كما مر سابقاً فظهر أن الحاكم حقيقة هو دليل حجية خبر الواحد لأنه الناظر إلى الاستصحاب ودليله والمفسر له والمبين لمقدار مدلوله وتسميه خبر الواحد حاكماً إنما هو بملاحظة ظهور أثر ذلك الدليل وهو الرفع الحكمي منه وكونه محققاً لما أفاده بعد استفادته منه الحكومة.

هذا ولكن ربما استشكل بعض الأعلام في هذا المقام وحكم باندراج العمل بالأدلة الشرعية تحت الورود مطلقاً حتى بالنسبة إلى الاستصحاب حيث قال بعد نقل حكومة الأدلة الظنية على الاستصحاب وورودها على غيره من الأصول عن بعض المحققين. وربما يشكل المقام بأن الأدلة الاجتهادية ليست ببيان بل هي في حكم‌


صفحه 224

البيان وبمنزلته فلابد من أن يكون من باب التنزيل وكل ما كان كذلك يكون داخلًا في الحكومة.

إن قلت: وإن لم تكن الأدلة غير العلمية بياناً واقعياً بل بمنزلة البيان إلَّا أن أدلة البراءة دالة على نفي التكليف من دون إقامة الحجة والبرهان وهو أعم من البيان الواقعي الحاصل من الإجماع والضرورة ونحوهما والبيان الشرعي الحاصل من الظنون الخاصة وغيرها؟

قلت: تعليق الحكم من نفي التكليف وغيره على ما يعم البيان الواقعي وغيره غير متصور من جهة أن البيان مرجعه إلى تنزيل غير البيان منزلة البيان وهو موقوف على تعليق أصل الحكم على البيان الواقعي حتى يتصور معنى التنزيل اللّهم إلَّا أن ينزل غير البيان منزلة البيان في غير مورد البيان بالنسبة إلى غير البراءة ثم يعلق البراءة على ما يعمها لكنه كما ترى.

إن قلت: إنه يمكن للشارع أن يقول إن الذمة بريئة عند الشك دون ما إذا قام علم أو خبر عادل أو غيره من الظنون ولا يحتاج إلى عنوان التنزيل حتى يستشكل بما مر من التوقف على تعليق سابق يورث لحوق المسألة بالحكومات.

قلت: لو كان الأمر كذلك يشكل الحكم بالنسبة إلى الاستصحاب ونحوه حيث جعلت الأدلة الاجتهادية حاكمة بالنسبة إليها مع جريان الكلام المزبور فيها.


صفحه 225

إن قلت: إن المدرك في الاستصحاب لما كان قوله (ع): (لا تنقض اليقين بالشك بل تنقضه بيقين آخر) كان مقتضاه خروج ما عدا العلم الوجداني لأن المتبادر هو العلم الوجداني لا الظنون الخاصة فضلًا عن الظنون المطلقة وسائر التعبديات؟

قلت: نعم إلَّا أن عنوان نقض اليقين بالشك لا يصدق حقيقة بعد فرض قيام الدليل على حجية الأمارة بل يندرج إذن تحت الورود لأن العنوان تبدل بعد قيام الدليل على الحجية فالحق اندراج العمل بالأدلة الشرعية تحت الورود مطلقاً حتى بالنسبة إلى الاستصحاب من هذه الجهة لا الحكومة فتدبر في المقام- إنتهى كلامه.

ولكن فيه نظر: فإن الذي هو المعول عليه عنده في الحكم بالورود مطلقاً بعد النقض والإبرام والرد والجواب إنما هو عدم صدق نقض اليقين بالشك بعد فرض قيام الدليل على حجية الأمارة وهو وإن كان كذلك عند النظر الجلي إلّا أن النظر الدقيق يعطي خلافه كيف ومن البين أن المراد بالشك في الحديث المذكور أعم من الظن كما بيناه في مبحث الاستصحاب فنقضه بالظن ولو كان معتبراً نقض لليقين بالشك غاية ما هناك أن الدليل قام على إعتبار ذلك الظن وليس مفاد ذلك الدليل زائداً عن جعله كالعلم وتنزيله منزلته وتجويز معاملة العلم معه فيكون من باب التنزيل وقد عرفت من كلامه الاعتراف بأن كل ما كان كذلك يكون داخلًا في الحكومة.