المجعول لا بحسب الواقع ولا بحسب الظاهر كما كان في الأدلة الاجتهادية بل هو محض عذر وصرف نفي العقاب والمؤاخذة ولقد صرح غير واحد من المحققين منهم الفاضل التوني والمحقق القمي بأن الأصل لا ينفي حكماً كما لا يثبته وقد فصلنا الكلام فيه في مبحث البراءة وعلى هذا فلا حكم في الحالتين سوى الحكم الواقعي الأولي غاية الأمر أن اتصاف الموضوع الواقعي بوصف الشك يوجب تبديل فعليه الحكم الواقعي بالشأنية ومعذورية المكلف لو خالفه وإلا فليس هناك إلا حكماً واحداً واقعياً له شئون ومراتب وحالات في أحدها يعاقب المكلف على مخالفته وفي الأخرى يكون معذوراً في المخالفة وهو في المرتبة الثانية عين ما كان في المرتبة الأولى بل الموضوع في الحالة الثانية هو الموضوع في الحالة الأولى على لحاظ قد بيناه في الرد على الجواب الثاني المتقدم ضرورة أن هذا الوصف ليس على حد سائر الأوصاف الخارجية الموجبة لتعدد الموضوع وتغايره كالتغير العارض للماء ونحوه حتى يستدعي حكماً مغايراً لحكم الموضوع المجرد عن ذلك الوصف بل هو حالة من حالات المكلف ومعنى قائم باعتقاده ليس له وجود خارجي نعم مثل ذلك التغاير كافٍ في التعبير عنه باختلاف الموضوع الذي هو المناط في صدق الورود إذ المقصود بذلك أنه إذا وجد الدليل ينتفي هذا الوصف الموجب للعذر إذ به يتبدل الحكم الواقعي من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى من مراتبه
إلا أنه لا ينفع في اثنينية الواقعة وتعددها المقتضية لتعدد حكمين مستقلين متغايرين.
وأما ما ربما يتراءى من تعبيرهم عن مؤدى الأصول بالحكم الظاهري فهو من باب المسامحة والمجاز من أجل مشابهته للحكم الظاهري الذي هو مؤدى حقيقة الطرق الظنية المعتبرة من حيث لزوم العمل به ومعذورية العامل به على تقدير مخالفته للواقع وإلا فليس حكماً ظاهرياً أصلًا كما عرفت كيف وهي طرق لعمل المكلف عند التحير لا لعلمه كما لا يخفى عليك. والحاصل فأما أن يلتزم ببقاء الحكم الواقعي فقط فعلًا أو بالظاهري كذلك أو بهما معاً كذلك مع اتحاد الموضوع أو مع اختلافه والأول خلف والثاني تصويب باطل والثالث موجب للتناقض الموجب للتعارض لا الورود فتعين الأخير وذلك لأنه عين ما تقرر في بيان المسلك المتقدم وليس زائداً عليه بشيء وقد عرفت فساده بما لا مزيد عليه مضافا إلى منع كون مفروض الكلام مقصوراً في ما ذكر كيف ونحن في مقام تحقيق الحق في هذا المرام لا في مقام التكلم في الأمر الفرضي الموجب للنقض والإبرام المستلزم لطول الكلام وتضييع الأوقات والأيام ومن المعلوم أن اللائق بالحال في أمثال ذلك المقال هو دفع الإشكال بأي وجه يمكن أن يقال فلا داعي لقصر النظر في إحدى الجهتين والإغماض عن إحدى الحيثيين مع أن اجتماع الحكمين إنما يوجب اجتماع الضدين ووقوع التعارض في البين لو فرض كون الحكمين في عرض
واحد لا أن يكون بالطول والعرض مختلفين وليس كذلك المقام لأن أحدهما واقع في طول الآخر ولو طبعاً بلا شك هذا على فرض التنزيل والمماشاة وإلا فقد عرفت التحقيق في الجواب فتدبر فإن المقام من مزالّ الأقدام.
ومنه ينقدح فساد توهم منافاة ذلك لما ثبت عندنا معاشر الإمامية ما من قصة إلا وقد صدر حكمها عن الشارع والواقعة المشكوكة أيضاً واقعة لابد وأن يكون لها حكم إذ المراد بذلك أنه ما من واقعة واقعية إلا ولها حكم في الواقع وقد عرفت أنه لا واقعية لتلك الواقعة ضرورة أن واقعية شرب التتن في حال الشك أيضاً هو واقعية على ما هو عليه في الواقع وله حكم وهي الحرمة غاية الأمر أن المكلف لو شربه والحال هذه يكون معذوراً غير معاقب عليه.
كما ينقدح منه فساد توهم لزوم التصويب الباطل لو قيل بوحدة الحكم في حال الجهل فإنه يلزم ذلك لو قلنا بثبوت الحكم الظاهري في تلك الحالة وانتفاء الحكم الواقعي ولا نقول به بل بوجود الحكم الواقعي فقط في تلك الحال على عكس ما هو موجب للتصويب الباطل وهو عين القول بالصواب من التخطئة ولو سلم كون مؤدى الأصل حكما ظاهرياً لا عذرياً وأنه الباقي فعلًا في حال الجهل دون الحكم الواقعي فنمنع كليه الكبرى وهو بطلان مثل ذلك التصويب إذ التصويب الباطل هو التصويب في الأحكام الواقعية
لا الظاهرية لاسيما الثابتة بالأصول العملية كيف والمخطئون متفقون على التصويب في الأحكام الظاهرية.
وأفسد من ذلك كله توهم أن جهة الكلام في هذا المقام مقصور في حيثية تغاير الموضوع مع الإغماض عن اختلاف الحكم من حيث الفعلية والشأنية. وليراجع ما حررناه عن مسألة التصويب في الأحكام لاسيما فيما يخص الأحكام الظاهرية في كتابنا النور الساطع لتعرف الحق في المقام.
إنقسام الدليل إلى العقلي والنقلي وبيان الدليل العقلي واقسامه:
قسم القوم الدليل على الحكم الشرعي إلى قسمين عقلي ونقلي وجعلوا النقلي هو ما عدى العقلي فالمستند الأول إلى الحكم الشرعي هو الدليل العقلي عليه لأنه الدليل العقلي المستقل مقدم على سائر الأدلة عندهم في مقام المعارضة بينه وبين غيره. وغير الشيخ الأنصاري عنوان البحث فسماه بالقطع نظراً لكون حال المكلف لا تخلو عن قطع أو ظن أو شك وجعل محل البحث عن كل منها واحتاج إلى بيان الوظيفة في كل منها إلى تكلفات ذكرناها في شرح رسائله والأولى هو جعل البحث عن الأدلة الشرعية بنحو ما ذكرناه نعم الشيخ (ره) استطرد في بحثه المذكور للقطع الموضوعي والقطع غير المصادف للواقع والبحث عن الأول يذكر في الفقه لأنه تابع لموضوع الحكم الفرعي الذي بيانه من وظيفة الفقيه والثاني يذكر في مبحث الجاهل بالحكم ومحل البحث هو الدليل العقلي على الحكم الشرعي أو على الدليل عليه كالدليل العقلي على حجية الظن الدال على الحكم الشرعي أو على الوظيفة في مقام العمل كالدليل العقلي على البراءة العقلية والاحتياط العقلي وعند التخيير العقلي وعلى الظن إنسداد باب العلم والعلمي بناءاً على
الحكومه لا على الكشف لا مطلق الدليل العقلي لأن محل كلامنا في الأدلة على الأحكام الشرعية.
ومرادهم بالعقل هو القوة النفسانية التي تدرك النفس بها العلوم النظرية من الضرورية وتميز الخير من الشر والحسن من القبح والحق من الباطل والصحيح من السقيم وهي مناط الثواب والعقاب والداعية لارتكاب الصالح والامتناع عن الفاسد.
وعرفوا الدليل العقلي بأنه عبارة عن حكم عقلي يمكن التوصل به إلى حكم شرعي وهو على قسمين:
القسم الأول: أن يتوصل بنحو الاستقلال بأن لا يحتاج في استنتاج الحكم الشرعي منه إلى ضم خطاب الشرع نظير حكم العقل بكون الظلم قبيح يمنع من فعله فإنه حكم عقلي يستنتج منه حكم شرعي وهو حرمة الظلم شرعاً من دون ضم خطاب شرعي وإنما استنتج العقل ذلك الحكم الشرعي من ذلك الحكم العقلي بواسطة حكم العقل بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع وإن شئت صنع القياس المنطقي من ذلك فقل إن الظلم قبيح يمنع من فعله العقل وكل قبيح يمنع من فعله العقل فهو محرم عند الشرع لقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع فينتج إن الظلم حرام عند الشرع. والأحكام الشرعية المستفادة من الأدلة العقلية المذكورة تسمى بالمستقلات العقلية.
والقسم الآخر: هو الحكم العقلي الذي يمكن أن يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة ضم خطاب الشرع كحكم العقل بالملازمة بين وجوب شيء شرعاً وبين وجوب مقدمته شرعاً فإن هذا الحكم من العقل يستنتج منه حكم شرعي بواسطة ضمه للخطاب الشرعي بوجوب ذي المقدمة كوجوب التطهير الذي هو مقدمة للصلاة فإنه بواسطة ضم خطاب الشرع بوجوب الصلاة لحكم العقل بوجوب المقدمة يستنتج ذلك الوجوب لمقدمتها الذي هو التطهير، وإن شئت صنع قياس من ذلك فقل إن تطهير البدن من النجاسة مقدمة للصلاة الواجبة شرعاً وكل مقدمة للواجب شرعاً واجبة شرعاً بحكم العقل بالملازمة العقلية بين وجوب الشيء شرعاً وبين وجوب مقدمته شرعاً. وكحكم العقل بالملازمة بين وجوب الشيء شرعاً وحرمة ضده شرعاً فإن هذا الحكم من العقل يستنتج منه حكم شرعي وهو حرمة الأكل الذي هو ضد الصلاة مثلًا بواسطة ضم خطاب الشرع بوجوبها، وإن شئت صنع قياس منطقي من ذلك فقل الأكل ضد الصلاة الواجبة شرعاً وكل ضد للواجب شرعاً حرام شرعاً بحكم العقل كحكم العقل بالملازمة بين وجوب الشيء شرعاً وحرمة ضده شرعاً ينتج الأكل حرام شرعاً. وكحكم العقل بانتفاء الحكم الشرعي عند انتفاء الشرط فإنه يستنتج منه عدم الوجوب الشرعي للحج عند انتفاء الاستطاعة بواسطة ضم الخطاب الشرعي الذي علق الشارع
فيه وجوب الحج بالاستطاعة. والأحكام الشرعية المستفادة من حكم العقل بواسطة ضم الخطاب الشرعي تسمى بالأحكام العقلية.
ثم إنهم قسموا الأدلة العقلية غير المستقلة إلى قسمين قسم سموه بالمفاهيم كمفهوم الشرط ونحوه من المفاهيم وقسم قسموه بالاستلزامات كالمقدمية للواجب المستلزمة لوجوب المقدمة واستلزام الضدية لحرمة ضد الواجب واستلزام امتناع الاجتماع لثبوت أحدهما. وبهذا ظهر لك أنه في المستقلات العقلية تكون الصغرى والكبرى عقليتين وفي غير المستقلات العقلية تكون الكبرى عقلية. ثم لا يخفى عليك أن حكم العقل بالاستلزام في ذلك إنما نحتاج إليه لو لم نقل بالدلالة اللفظية اما لو قلنا بأن الخطاب الشرعي بذي المقدمة يدل بحسب وضعه على وجوب المقدمة فلا نحتاج إلى ذلك وهكذا الكلام في الباقي كما قد ظهر لك أن العقل نفسه ليس بدليل نظير الكتاب والسنة والإجماع وإنما هو حاكم كالشرع. وكذا الوصف الكائن في الموضوع من الحسن والقبح ليس بدليل أيضاً وإنما هو جهة لحكم العقل كما هو جهة لأمر الشرع ونهيه، وإن الدليل العقلي للحكم الشرعي إنما هو حكم العقل بحسن الموضوع الفاعلي أو قبحه الفاعلي منضماً لحكم العقل بأن ما حكم بحسنه العقل أو قبحه حكم الشرع بطلبه أو كراهيته أو التلازم بين وجوب الشيء ووجوب مقدمته وحرمة ضده أو الانتفاء عند الانتفاء أو نحو ذلك.