العقل بثبوت الحكم الشرعي في الشيء الآخر. بل وزاد على ذلك الفاضل التوني على ما حكي عنه قسماً آخر وهو التلازم القطعي الثابت من الشرع بين أمرين مثل قوله (ص): (كلما قصرت أفطرت) باعتبار أن الحاكم بامتناع إنفكاك المتلازمين هو العقل وإن كان أصل التلازم ثابت بالشرع خلافاً للأكثر حيث جعلوه من التلازم الشرعي لأن مجرد ذلك لا يجعله من الأدلة العقلية وإلا لزم أن تكون جميع الأدلة اللفظية الشرعية أدلة عقلية أن لا يتم دليل لفظي إلا بانضمام حاكم العقل بأن إرادة ما هو خلاف ظاهر اللفظ قبيح على الحكيم.
ومنها البراءة من التكليف المشكوك لقبح العقاب بلا بيان فإنها تقضتي الإباحة الشرعية وإن كان الأولى عدها من المستقلات العقلية.
ومنها الاحتياط وهو الإتيان بجميع محتملات التكليف الشرعي المعلوم بالإجمال لأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.
ومنها التخيير بين الإتيان بأحد التكليفين لدوران بينهما ويكون المقام من قبيل دوران الأمر بين المحذورين.
بل زاد بعضهم الاستصحاب وجعله من الاستلزامات كما هو ظاهر أكثر من عده من الدليل العقلي حيث أنهم مثلوا لغير المستقل كما مر بالمفاهيم والإستلزامات وحيث لم يدخل الاستصحاب في
المفاهيم فلا بد من أن يكون من الاستلزامات إذ لا ثالث لهما على ما هو ظاهرهم فيكون منشأه هو التلازم العادي بين ثبوت شيء في زمان وبقاءه في زمان لاحق الناشيء من ملاحظة الغلبة كما يرشد إليه استدلالهم بالغلبة وبأن كلما ثبت يدوم وهو الظاهر من تعريف بعضهم كالعضدي وغيره له. وعلى كل حال فهو عند هؤلاء من الدليل العقلي غير المستقل باعتبار أنه حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة خطاب الشرع فيقال أن الحكم الشرعي الفلاني قد ثبت سابقاً ولم يعلم ارتفاعه وكلما هو كذلك فهو مظنون البقاء فالصغرى شرعية والكبرى عقلية ظنية.
وما ربما يتوهم من منع اندراجه تحت الدليل العقلي أما لأن حكم العقل لا يكون إلا قطعياً أو لاستلزامه خروج الاستصحابات العدمية حيث لا يتوصل بها إلى حكم أصلًا إلى نفيه وخروج الاستصحاب في العاديات وفي العقليات كما لو شك في الرطوبة بعد القطع بها ونحوه وفي قبح الكذب أو حسن الإحسان مثلًا حيث أنه لا يتوصل به إلى حكم شرعي بل إلى حكم عقلي عادي أو لأن الدليل العقلي ما يكون المقدمتان كلتاهما قطعيتين فهو فاسد ضرورة أن حكم العقل قد يكون قطعياً كما في المستقلات وغيرها وقد يكون ظنياً كما في القياس والاستقراء والاستحسان ونحوها. والاستصحاب في العدميات لا يعد دليلًا عقلياً لعدم صدق تعريفه عليه ولو تكلف بحمل الحكم على مطلق النسب إيجابية كانت أم
سلبية فيدخل في التعريف المعرف ولا غبار عليه وكذا هو في الموضوعات والعاديات ليس من الأدلة بل من الأحكام الفرعية المحضة اعتبر من باب الظن أو التعبد. وفي العقليات يمكن منع جريانه فيها أولًا ولو سلم فيمنع خروجه ثانياً اما لأن الحكم الشرعي أعم مما يثبت بدليل العقل كما يشهد له عدّ العقل من الأدلة المثبتة للأحكام الشرعية فالمدار حينئذ على الحكم الشرعي سواء كان مدركه العقل أو الشرع ومجرد كون الدليل عقلياً لا يخرج الحكم المستنبط به عن كونه شرعياً أو لأنه بعدما أدركه العقل وحكم به حكم به الشارع أيضاً لقاعدة التلازم فيصدق على إبقاءه الاستصحاب بهذا الاعتبار لا باعتبار كونه حكماً عقلياً.
المدار في تسمية الدليل عقلياً:
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر لك أن المدار في تسمية الدليل عقلياً هو كون كبرى الدليل عقلية فإنه هو الذي يظهر من كلمات القوم. وعليه فالدليل النقلي هو ما ليس كذلك وبعضهم جعل المدار في التسمية بالدليل العقلي على كون كل من المقدمتين عقلية إلا أنه ليس قولًا متفقاً عليه فإن في المسألة أقوالًا كثيرة:
منها جعل المدار على كون الكبرى خاصة عقلية.
ومنها جعله على كون أحد المقدمتين عقلية.
ومنها ما احتمله بعضهم من جعل المدار على الكلية في النتيجة بأن يكون العنوان في النتيجة عنواناً كليه كما يقال الإزالة واجبة وكل واجب يحرم ضده فيحرم ضد الإزالة. ومن المعلوم أن عنوان الضد في النتيجة أمر كلي شامل بجميع الأضداد الخاصة فحينئذ يسمى الدليل عقلياً بخلاف ما لو كان العنوان في النتيجة شخصياً كما لو قال الصلوة ضد للإزالة الواجبة وكلما هو ضد للواجب حرام فالصلوة حرام فان عنوان ضدية الصلوة شخصي فلا يكون الدليل حينئذ عقلياً بل شرعياً. ولكن أقوى الوجوه جعل المدار على كلية الكبرى فإنها التي بها يثبت الأكبر للأصغر. ويرشدك إلى أن المدار في التسمية عليها أن أغلب القياسات صغراها حسية ومع ذلك يطلق
عليها الدليل العقلي بمجرد كون الكبرى فيها عقلية كما في قولنا العالم متغير وكل متغير حادث وأمثال ذلك فإنه يسمى دليلًا عقلياً مع عدم كون الصغرى أيضاً عقلية كما هو ظاهر وحينئذ فالاستصحاب يدخل في الدليل العقلي لكون الكبرى فيه عقلية حسبما عرفت وأما ما سمعته عن محكي الذكرى من كونه من المستقلات فلم أعرف له وجهاً إلا ما ربما يتخيل من كونه قضية كلية حيث يقال كلما ثبت يدوم ونحوه وهذا لا يكون إلا من شأن المستقلات. ولكنه كما ترى فإنه لو كان المدار عليه لزم اندراج المفاهيم والاستلزامات أيضاً في المستقلات لإمكان أن يعبر عن كل منهما بالقضية الكلية فيقال إن كل قضية شرطية مثلًا تدل على الانتفاء عند الانتفاء ويقال كل ما يتوقف عليه وجود الواجب فهو واجب وهكذا مضافاً إلى أن المراد بالمستقلات حسبما عرفت ما يحكم به العقل بدواً من غير حاجة إلى توسيط خطاب وتوقف حكم العقل في الاستصحاب على توسيط خطاب مما لا ينكر كما لا يخفى.
ومن الغريب بل من أعجب العجاب ما صدر عن بعضهم من أنه لو كان الاستصحاب دليلًا اجتهاديا على الحكم الشرعي فليس الوسط في إثباته إلا البقاء الذي استقل العقل بإدراكه وأما الحدوث فهو دليل على الدليل كما أنه لو ثبت حسن الشيء أو قبحه بدليل فالدليل على الحكم الشرعي إنما هو الحسن والقبح لا ما استدل به عليهما، ثم قال هذا بناءاً على تفسير الحكم في تعريف الدليل العقلي
بالوسط وأما على تقدير تفسيره بالتصديق فالدليل هو الظن كما يوهمه كلام شارح المختصر، فعدم كون الحدوث دليلًا عقلياً على الحكم الشرعي واضح. توضيح الفساد ما عرفت من عدم تعقل جعل الإستصحاب من قبيل العقلي المستقل وهذا التخيل مبني عليه مضافاً إلى أن تفسير الحكم في الدليل العقلي بالوسط غير معقول ضرورة أنه أمر خارجي في جميع القضايا له وجود متحقق في الخارج كان العقل موجوداً في الخارج أم لا إدرك شيئاً أم لا نعم ربما يدركه العقل بواسطة إحدى الحواس إدراكا تصورياً لا تصديقياً حتى يصح إطلاق الحكم عليه ويكون قابلًا للتوصل به إلى شيء آخر ألا ترى أن المتغير في قولنا العالم متغير وكل متغير حادث ليس بحكم عقلي وإنما هو أمر خارجي له تحقق في الخارج مدرك بالحسن البصري لا ربط له بالحكم العقلي أصلًا كما لا يخفى على من له أدنى مسكة ولو سلم فجعل البقاء في المقام وسط لإثبات الحكم الشرعي غير معقول ضرورة أن البقاء هو محكوم العقل لا حكمه بديهة أن العقل يحكم على الشيء بالبقاء فالشيء موضوع والبقاء محمول وإثباته للموضوع والإذعان بثبوته له يسمى حكماً فأين المحكوم من الحكم العقلي حتى يصير واسطة لإثبات حكم شرعي وكذلك الحدوث أعني الوجود في السابق لا دخل له بالحكم العقلي نعم هو منشأ للحكم العقلي بالبقاء كما أن وجوب ذي المقدمة منشأ لحكم العقل بوجوب المقدمة ووجود المنطوق منشأ لحكم العقل
بالمفهوم وهكذا في غيرها من أقسام العقليات غير المستقلة وهو ليس بدليل على الدليل ضرورة أنه ليس مثبتاً للحكم العقلي بل واسطة ومنشاء لحكم العقل وفرق بين الأمرين.
وأما التنظير المذكور في كلامه بالحسن والقبح فمبني على الخلط والخبط فإن الحسن والقبح اللذين هما من صفات الأفعال ليسا دليلًا على الحكم الشرعي بل هما مناطان للحكم الشرعي بمعنى أن الأول منشأ لحكم الشارع بالوجوب أو الاستحباب والثاني منشأ لحكمه بالكراهة أو الحرمة ولا يطلق الدليل على المناط والمنشأ بل الدليل على الحكم الشرعي هو حكم العقل بالحسن أو القبح الفاعليين.
نعم الحدوث أي الوجود في السابق لو أطلق عليه اسم الدليل لم يكن غريباً باعتبار كونه منشأ لحكم العقل بل لعله مندرج في تعريف الدليل بأنه ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري فإنه الذي بالنظر فيه أو في صفاته وأحواله يحكم ببقاءه فهو كالعالم الذي جعله الأصوليون دليلًا فتدبر، لكنه ليس بدليل عقلي بل الخطاب المثبت له منشأ وواسطة لحكم العقل ببقاءه.
فما ربما يتخيل من أن اعتبار توسيط خطاب الشرع لا معنى له فاسد جداً لما عرفت من أن لولاه لم يحكم العقل بالبقاء وكيف كان فما ذكرناه من كون الاستصحاب دليلًا عقلياً إنما هو مبني على التعريف بالإبقاء أو الإثبات ونحوهما وأما بناءاً على سائر التعاريف
فعده من الدليل العقلي لا يخلوا عن غموض وإشكال فإن المراد بالإبقاء هو حكم العقل بالبقاء ظناً أو حكم الشرع به.
وكيف كان فربما يقال لا فائدة مهمة في إطناب الكلام من النقض والإبرام في المقام بعدما اشتهر بينهم من أنه لا مشاحة في الاصطلاح فإن كلا منهم قد اصطلح في ذلك معنى غير ما اصطلحه الآخر لكنه لا يخلوا عن تأمل ونظر فإن ذلك إنما يتجه لو كان تغاير التعاريف من جهة التغاير في الاصطلاح كما في التغاير الواقع بين المتكلمين في تعريف علم الكلام حيث أن المتقدمين منهم قد عرفوه بأنه علم يبحث عن المبدأ والمعاد والمراد بالمبدأ ذات اللّه وبالمعاد صفاته وأفعاله والمتأخرون منهم عرفوه بأنه العلم بالقواعد الممهدة لحفظ القواعد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه فإن اختلافهم في التعريف ناشيء عن اختلاف الاصطلاح بينهم فالأولون اصطلحوا في علم الكلام وجعلوه علماً لخصوص ما يبحث عن الذات والصفات والأفعال فعرفوه بما ينطبق عليه كما سمعت والآخرين اصطلحوا وجعلوه علماً لكل ما له مدخلية في إثبات المبدأ والمعاد ودفع الشبه الموردة عليه حتى يعم البحث عن ذلك وعن غيره من المسائل الحكمية فعرفوه بما يطابقه فليس لكل من الفريقين حينئذ الاعتراض على تعريف الآخر طرداً ولا عكساً فإن كلًا منهم يعرفونه على طبق ما عليه اصطلاحهم ولا مشاحة في الإصطلاح وأما لو كان الاختلاف في التعريف لا من جهة الاختلاف في الاصطلاح