بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 264

بل كان المصطلح عليه أمراً واحداً ولكن الاختلاف نشأ من اختلاف الأنظار كما في المقام لوحدة الاصطلاح فيه فإنه يصح الاعتراض وتخطئة بعضهم لبعض كما في الاستصحاب فإن الاختلاف في تعريفه إنما هو من جهة اختلاف أفهامهم وأنظارهم مع وحدة الاصطلاح فيه فإن بعضهم زعم أنه عبارة عن الحالة السابقة وآخر زعم أنه عبارة عن القاعدة وثالث أنه عبارة عن فعل المكلف ورابع أنه عبارة عن حكم العقل وهكذا فلا شبهه أنه حينئذ يتجه اعتراض كل منهم على تعريف الآخر حلًا ونقضاً طرداً وعكساً إذ الفرض أن الإختلاف غير ناشي‌ء عن تغاير الاصطلاح حتى يقال أنه لا مشاحة في الاصطلاح كما هو واضح.

حجية الدليل العقلي المستقل:

قد عرفت أن أدلة الأحكام الشرعية ومستندها ومداركها أربعة الأول الدليل العقلي ومن الواضح أن الدليل العقلي الموجب للقطع يقدم على سائر الأدلة النقلية لأن الأدلة النقلية إنما جعلها الشارع لإرشاد عقول المكلفين إلى الأحكام ومع جزم العقل بالحكم لا مجال لإرشاد الدليل إلى خلافه ولذا بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة أولت لمخالفتها لدليل العقل كقوله تعالى: [وَجاءَ ربُك‌] أول بأمر ربك.


صفحه 265

نعم بعض الأدلة العقلية لما كانت دلالتها على الحكم عن عدم قيام الدليل من الشارع عليه كان قيام الدليل موجباً لعدم العمل بها كالاستصحاب والبراءة ونحوها كما أن بعض الأدلة العقلية غير المفيدة للقطع يقدم عليها الدليل الشرعي بالأدلة لم يوجد في الأحكام الشرعية الفرعية دليل يتنافى مع الدليل الشرعي بل كلها كانت مطابقة مع حكم العقل ثم إنك قد عرفت أن الدليل العقلي على قسمين الدليل العقلي المستقل والدليل العقلي غير المستقل.

أما وجه حجية الدليل العقلي المستقل فهو ما عرفته من ثبوت الحسن والقبح العقليين الذي هو مفاد صغراه كان يقال رد الوديعة حسن والظلم قبيح. ومن ثبوت الملازمة بين حكم العقل بالحسن أو القبح والحكم الشرعي بالوجوب أو الاستحباب أو بالحرمة أو الكراهة الذي هو مفاد كبراه فيقال كل حسن عقلًا واجب أو مستحب شرعاً أو كل قبيح عقلًا فهو حرام أو مكروه عقلًا وقد تقدم إثباتها. وأما حجية الدليل العقلي على الدليل على الحكم الشرعي كدليل الانسداد الدال على حجية الظن بناءاً على الكشف فهي مقدمات دليل الإنسداد نفسها. وهكذا حجية دليل العقل على الوظيفة عند العمل فهي مقدمات الدليل كمقدمات دليل الانسداد بناءاً على الحكومة وكمقدمات دليل البراءة العقلية والاحتياط العقلي أو التخيير العقلي كما ذكرناه في محله وأما حجية الدليل‌


صفحه 266

العقلي غير المستقل فقد ذكروا تحقيق الحال في محله لكل قسم منه من المفاهيم والاستلزامات والاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير والاستقراء والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة في كتب الأصول وإليك الكلام فيها على سبيل الاختصار.


صفحه 267

الأدلة العقلية غير المستقلة وتقسيمها إلى المفاهيم والاستلزامات:

أما الأدلة العقلية غير المستقلة فقد جعلوها على قسمين:

أحدهما: الذي خصوه باسم المفاهيم.

والثاني‌: خصوه باسم الاستلزامات العقلية.

أما القسم الأول المسمى بالمفاهيم فهو عندهم من الأدلة العقلية غير المستقلة على القول بأن دلالة اللفظ على المفهوم من باب اللزوم العقلي المسمى باللزوم غير البين. وأما على القول بأن دلالة اللفظ على المفهوم من باب اللزوم البين أعني من قبيل الدلالة الالتزامية فتكون المفاهيم من المعاني اللفظية والدلالة عليها دلالة لفظية لا عقلية. وبهذا الاعتبار ذكرها المتأخرون في مباحث الألفاظ ولا بأس بالتعرض لها على سبيل الاختصار المفيد باباً باباً. وقبل الخوض فيها نتكلم في تفسير المفهوم ونتكلم في معنى المنطوق الذي هو ضد المفهوم فإن الأشياء تعرف بأضدادها فنقول:

المنطوق والمفهوم‌

المعروف بين الأصوليين أن المنطوق والمفهوم من أقسام المدلول دون الدلالة وذلك لأنهم يقسمون المعنى باعتبار دلالة اللفظ عليه إلى‌


صفحه 268

منطوق ومفهوم ولو كان وصفاً للدلالة لقالوا منطوقه ومفهومه. وجعل بعضهم دلالة الاقتضاء من أقسام المنطوق باعتبار أن المراد بذلك المعنى المدلول عليه بدلالة الاقتضاء. وقد اختلفوا في تعريفهما والحق أن المراد بالمنطوق هو ما دل عليه اللفظ نفسه من دون الاستعانة بمقدمة أجنبية بمعنى ما انتقل الذهن إليه من مجرد اللفظ فالمعنى المطابقي والمعنى اللازم له لزوماً بيناً بحيث ينتقل له الذهن من اللفظ كالكرم من لفظ حاتم والمعنى التضمني الذي يكون بهذه المثابة كلها من المنطوق ويؤيد ذلك تعريف الأكثر للمنطوق بأنه ما دل عليه اللفظ في محل النطق وهو الذي يظهر من مقدمة كتاب جدنا كاشف الغطاء (ره) فإنه عرف المنطوق بأنه المدلول عليه أولًا وبالذات والمفهوم بأنه المدلول عليه ثانياً وبالعرض.

قال المرحوم ولده الشيخ حسن في شرحه للمقدمة إن هذا أحد تفاسير المنطوق والمفهوم فيكونان وصفين للمعنى المدلول عليه بالخطاب فإن دل الخطاب عليه أولًا وبالذات من دون ملاحظة توسط أمر آخر وكانت الدلالة في المرتبة الأولى فهو المنطوق وإن دل عليه ثانياً وبالعرض بملاحظة أمر آخر وكانت الدلالة في المرتبة الثانية فهو المفهوم. وهذا المعنى هو الذي يظهر من المحكي عن البيضاوي، وبهذا يظهر لك أنه لا وجه لعد المعنى المدلول عليه بدلالة الاقتضاء أو الإيماء أو الإشارة من دلالة الاقتضاء المنطوق. فإن الدلالة عليه بدلالة الاقتضاء هو ما توقف عليه صحة الكلام وعدم لغويته أما من‌


صفحه 269

جهة المتكلم كقوله (ص): (رفع عن أمتي الخطأ) فإن صحة هذا الكلام موقوفة على إرادة رفع المؤاخذة على الخطأ. وأما من جهة العقل كقوله تعالى: [وَاسْأَلِ الْقَريَة] فإن صحة هذا الكلام عقلًا موقوفة على إرادة أهل القرية إذ العقل يحيل سؤال جدران القرية وأرضها وأما شرعاً كقوله اعتق عبداً فإن صحته شرعاً موقوفة على إرادة العبد المملوك إذ لا عتق يصح شرعاً إلا في ملك وتسمى هذه دلالة الاقتضاء لاقتضاء الكلام لها فكانت هذه الدلالة من الكلام على ذلك من جهة حكم العقل بصون كلام العاقل عن اللغوية.

وهكذا دلالة الإيماء والتنبيه المدلول عليه بدلالة الإيماء والتنبيه وهو التعليل الذي يدل عليه اقتران الكلام بما لا يناسب المتكلم إرادة غير التعليل فيفهم من الكلام التعليل وتسمى الدلالة على ذلك التعليل بدلالة الإيماء وبدلالة التنبيه نظير ما روي من قول الإعرابي لرسول اللّه (ص): هلكت وأهلكت فقال (ص): (ماذا صنعت؟) قال: واقعت في رمضان فقال (ص): (اعتق رقبة) فإن قوله (ص): (اعتق رقبة) يدل على أن العلة للإعتاق هو المواقعة بواسطة اقترانه لسؤال الأعرابي عن حكم المواقعة في شهر رمضان وهكذا قوله (ص) في جواب الجارية الخثعمية عندما سألته عن حجها عن أبيها وقد مات وعليه الحج فإنه قال (ص) في جوابها: (دين اللّه أحق بأن يقضى) فإن جوابه (ص) بواسطة الاقتران‌


صفحه 270

بالسؤال المذكور يدل على أن العلة في القضاء هو الدين واشتغال الذمة وهذه الدلالة تسمى بدلالة الإيماء لأن فيها إيماء لعلة الحكم وبدلالة التنبيه لأن فيها تنبيه على علة الحكم وهي إنما كانت بواسطة حكم العقل بأن المتكلم الحكيم لابد من أن يكون جوابه بياناً للسؤال وإلا لخلا السؤال عن الجواب ولتأخر البيان عن وقت الحاجة فيكون الجواب مشتملًا على بيان الحكم المسئول عنه وهو إنما يشتمل على بيان الحكم لو كان يدل على العلة وإلا لكان الكلام أجنبياً عن السؤال.

وهكذا المدلول بدلالة الإشارة وهو المعنى اللازم من كلامين منفصلين لا ربط لأحدهما بالآخر كقوله تعالى: [وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهراً] مع قوله تعالى: [والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَولَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أنْ يُتِمّ الرَّضاعَةَ] فإن هاتين الآيتين تدلان على أن أقل الحمل القابل للوضع ستة أشهر حيث أن الأولى منهما دلت على أن مدة الحمل والإرضاع ثلاثون شهراً. والثانية دلت على أن مدة الرضاع أربعة وعشرون شهراً فإذا أخرجناها من الثلاثين بقي ستة أشهر تكون هي مدة الحمل اللازم تحققها في الحمل فلا يكون في أقل منها حملًا قابلًا للوضع فتكون هي أقل مدة للحمل القابل للوضع. وهذا أمر لا يدرك من الكلامين إلا بواسطة التأمل العقلي فيها وفي مقابل ذلك ما يسمى بالمدلول بدلالة العبارة وهو المعنى المتبادر من الكلام سواء كان مقصوداً منه بالذات أو بالتبع فإن دلالة الكلام‌


صفحه 271

على المقصود بالذات أو بالتبع تسمى بدلالة العبارة فقوله تعالى: [أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّم الرِّبا] دال بعبارته على المعنى المقصود بالذات وهو نفي المماثل بين البيع والربا وعلى المعنى المقصود بالتبع وهو حلية البيع وحرمة الربا. وبعضهم سمى دلالة العبارة على المقصود بالتبع بدلالة إلى الإشارة أيضاً.

تقسيم المشهور للمنطوق إلى الصريح وغير الصريح:

المشهور قسموا المنطوق إلى الصريح وغير الصريح والصريح ما كان اللفظ موضوعاً له مطابقة أو تضمناً وغير الصريح هو ما لم يوضع له اللفظ وكان لازماً للمعنى وقسموه إلى المعنى المدلول عليه بالاقتضاء أو بالإيماء والتنبيه أو بالإشارة ولكن الحق هو ما ذهب إليه بعضهم من جعل الصريح هو المدلول عليه بالمطابقة أو بالتضمن وغير الصريح هو المدلول عليه بالالتزام بنحو اللزوم البين وأما المدلول عليه بالاقتضاء أو الإيماء أو الإشارة فهو من المفهوم اللّهم إلا أن يكون لازماً بيناً فيكون من المنطوق غير الصريح.