الواقع سواء كان قاصداً أم لا فإلقاء الكلام الظاهر في خلاف الواقع كذب كيف وإلا لزم لغويه تحريم الكذب لإمكان التورية في جميع المقامات فيحصل مقصوده من الكذب ولا يكون حراماً من أن التبري من رسول الله (ص) والسب له (ص) يكن حراماً وإن لم يكن ذلك في قلبه وقد ورّى في ذلك إذ المناط فيه هو اللفظ الدال على التبري والسب وإن لم يكن قاصداً بل ولو كان قصده المدح فإن المدار فيه على الهتك وهو حاصل بمجرد الكلام سواء كان قاصداً أم لا. والظاهر هو أن الكذب يكون حاصلًا مع التورية لعدم مطابقة النسبة الكلامية للواقع. والسب حاصل حقيقة لأن الكلام يدل عليه والقصد للكلام يكون قصداً له ولا ينفع ما في القلب.
سابعها: إن التورية إنما لا تلزم مع الإكراه على العقد مع أنه بها التخلص عما أكره عليه من العقد الصحيح لأنه بعدم رضاءه بالعقد يقع العقد فاسداً فهو متخلص بعدم رضاءه وهكذا يقال في السب والبرائة فإنه بعدم رضائه يقع السب والبرائة غير صحيحين فلا حاجة إلى التخلص بالتورية أو غيرها في العقود والإيقاعات والبراءة فإنه بمجرد عدم رضاءه بمضمونها يحصل له التخلص لوقوع كل ذلك مع عدم الرضا بمضمونه فاسداً ولكن يمكن أن يقال عليه أنه عدم الرضا بالمضمون يتنافى مع صدور المعاملة بلا تورية لأنه لو لم يرضَ بها لورّى بها فعدم توريته وعدم تخلصه يستلزم رضاءه بها فإن عدم الرضا بالشيء يقتضي عدم صدوره منه بإختياره فصدوره منه بإختياره يقتضي رضاه وإلا لتخلص منه بالتورية أو غيرها.
المقام الثاني في الفرق بين الإختيار و الإكراه والإضطرار
إن الفعل إذا صدر من الشخص مستنداً إلى إرادته المستقلة بحيث كان الداعي لصدوره منه محض رغبته وشوقه المستتبع لحركات عضلاته يسمى العمل إختيارياً لأنه قد كان بمجرد إختياره وإرادته سواء كان المصدر لتلك الإرادة هو مجرد الشهوة والرغبة النفسانية أو كان المصدر لتلك الإرادة مقتضيات الأحوال والظروف كمن يشرب الدواء لأنه مريض دون ما إذا كان المصدر لتلك الإرادة توعيد غيره على الضرر الشاق إذا لم يفعل فإنه يسمى بالإكراه، فالإكراه تكون معه الإرادة للعمل لكن كان مصدر الإرادة ووجودها هو توعيد غيره على الضرر بالترك وليس مصدر الإرادة هو مجرد رغبة نفس الفاعل الناشئة من ملاحظتها للمنفعة والمصلحة أو من الشهوة أو نحوها من العوامل النفسية الموجبة لحرية الإرادة. فالفرق بين الفعل الإختياري والفعل المكرَه عليه أن في الأول كانت الإرادة حرة مستقلة غير مسببة عن إرادة غيره بتوعيده بالضرر وتخويفه وترهيبه. وفي الثاني كانت الإرادة غير حرة ومنبعثة عن إرادة غيره وأما الإضطرار والإلجاء فهو عبارة عن سلب الإرادة والإختيار ويكون وجود الفعل ليس بيده ولا تحت تصرفه أصلًا بل يكون الفاعل بمنزلة الآلة الصماء بيد عاملها والبهيمة الخرساء في قبضة سائقها لا يملك
لنفسه شيئاً وهذا السلب للإرادة قد يكون مصدره إختيار الإنسان نفسه كمن يلقي نفسه من الشاهق فإن سقوطه على الأرض ليس أمره بيده وإختياره فهو مضطر إليه وتارة يكون مصدره شخص آخر كمن يلقي شخصاً في البحر أو إلى السبع بقوته القاهرة فإن سقوطه في البحر أو وقوعه بين يدي السبع كان أمراً ليس بيده ولا تحت إختياره وإرادته وهذا القسم الثاني قد يسمى بالإكراه أيضاً تجوزاً ويقال للعمل أنه مكره عليه ويسمى بالإلجاء والجبر من الغير، وتارة يكون الإضطرار بواسطة الظروف والأحوال كحركة النائم وكسقوط الإنسان من شاهق بواسطة سير السيول والزوابع وأما الإكراه فهو الجاء الغير للشخص على العمل بواسطة الوعد بالضرر على تركه كمن يوعدك بالضرب على عدم شرب الخمر فإن كانت إرادته غير مسلوبة كامثال المذكور سمي إكراهاً ولا يكون إضطراراً وإن كان قد سلب إرادته وإختياره كأن فتح فمه ووضع الخمر فيه سمي إضطراراً وقد يسمى إكراهاً وقد عرفت أن هذه التسمية من التجوز.
والحاصل إن الفعل للإنسان إذا كان ليس تحت إرادته وإختياره فهو مضطر إليه بأي مصدر كان وإذا كان بإرادته وإختياره وكان مصدر الإرادة هو الخوف من الغير بواسطة وعده بالضرر فهو مكره عليه وإن كان مصدر الإرادة غير ذلك فهو الفعل الإختياري وهكذا الكلام في التروك بالنسبة للإختيار والإضطرار والإكراه.
إن قلت على هذا لا يتصور الإضطرار إلى العقود والمعاملات
ومن هذه الجهة أورد صاحب جامع المقاصد (ره) على الشهيد الأول (ره) على ما ذكر في كتابه الدروس من (أنه لو أكره حتى إرتفع قصده للفظ لم يؤثر الرضا كالسكران) وحاصل إيراده بأن الإكراه لا يبلغ مرتبة يصير به المكرَه كالسكران إذ ليس اللفظ من الأفعال التي يحدثها المكرَه على سبيل الإلجاء والإضطرار كما لو أوجر الطعام في فمه فإن حركات اللسان التي يتحقق بها التلفظ غير مقدوره للغير بخلاف الأفعال؟ قلنا لا يضر فيما قلناه عدم تحقق الإضطرار في العقود والإيقاعات مضافاً إلا أنه يمكن تصور ذلك بأن يضرب ضرباً شديداً يفقد فيه إختياره فينطق من دون إرادة وإختيار.
تنبيه مهم:
إن تشخيص هذه المواضيع وتحديدها هو بالرجوع للصدق اللغوي والعرفي فقد يكون الإنسان مكرهاً بالخوف من الشتم باعتبار أنه رجل شريف والآخر لا يكون مكرهاً حتى بالضرب لأنه رجل عادي ومن هنا يظهر لك وجه ما هو المحكي عن عمنا الأعلى الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة من أن الإكراه يتحقق لبعض المؤمنين بالتوعد بقتل أحد الشيعة بل أي واحد من المسلمين في أي فرقة كان ممن لا يحكم بكفره- انتهى، فإنه لا ريب في أن من المسلمين من يهمه أمر المسلمين ويتأثر لهم مثل تأثره لنفسه لقوة إيمانه وشدة إسلامه كأبي ذر وسلمان والمقداد ونحوهم وبهذا يجمع بينه وبين ما عن الشيخ (ره) في المبسوط من أن الوعيد بنزول الضرر بغيره مثل أن
يخوفه بأخذه مال الغير أو بضرب غيره ليس بإكراه إلا إذا كان ذلك الغير يجري مجرى ولده أو والده- انتهى.
المقام الثالث في أحكام أفعال المضطر إليها
ثم إن الكلام في الإضطرار تارة يكون من ناحية حكمه باعتبار أنه عمل من الأعمال صدر من الملجيء، والحكم هو الحرمة لأنه جناية على غيره ونوع من الظلم إلا إذا كان إضطراراً لأمر مشروع كجبر المالك على بيع ماله في المخمصة وليس هو محل الكلام، وتارة يكون من ناحية تأثير الإضطرار في حكم الفعل المضطر إليه وهو محل كلامنا فنقول: لا ريب في أن الأحكام التكليفية لا تثبت عندنا للعمل المضطر إليه كحركة المرتعش لعدم القدرة عليه ويكون التكليف به تكليفاً بما لا يطاق ولذا اشتهر أن الضرورات تبيح المحضورات خلافاً للأشاعرة حيث جوزوا التكليف بما لا يطاق وقد تقدم في بحث شرطية القدرة تفصيل الكلام فيه. وأما بالنسبة للأحكام الوضعية فالمعاملات المضطر إليها باطلة وإن تعقبت بعد ذلك بالرضا لأنها تصدر من الإنسان بلا إرادة واختيار لها لعدم إرادة المعنى في إنشائها وتكون الألفاظ الصادرة منه فارغة عن المعاني كمن يضرب الإنسان ضرباً شديداً ليقول طلقت أو بعت فهي ليست بعقود ولا إيقاعات حتى ينفع فيها الرضا.
إن قلت إنه قد يضطر إلى بيع داره لفقره أو لسوء جواره مع أنه لا إشكال في صحة البيع؟ قلنا: هذا ليس من الإضطرار في شيء لأن الاضطرار كما تقدم ما يسلب به الاختيار والإرادة ويكون العمل معه ليس تحت تصرف الإنسان، نعم لو سلب اختياره وإرادته في البيع كأن ضرب حتى فقد إرادته وإختياره في البيع كان من الإضطرار وأما الأسباب الموجبة للضمان كالإتلاف ونحوه أو الملكية كالحيازة ونحوها فالظاهر أن الإضطرار إن كان من شخص له على ذلك فهو بمنزلة الآلة ويكون هذا المقام من أجلى مصاديق ما كان المسبب أقوى من المباشر وإن كان من جهة الظروف والأحوال كأن كان نائماً فسقط على شيء فأتلفه فإنه ينسب السبب له فيترتب عليه أثره وهكذا الكلام في حيازته ونحوها إن لم نقل أنه يعتبر فيها القصد إلى التملك.
المقام الرابع في أحكام الأفعال المكره عليها
إعلم أن الكلام في الإكراه تارة من ناحية حكمه باعتبار أنه عمل من الأعمال صدر عن المكرِه (بالكسر) وهو بهذا الإعتبار لا ريب في حرمته لأنه نوع من الظلم إلا إذا كان إكراه على حق كإكراه المديون على وفاء الديون وليس هو محل كلامنا وتارة من ناحية حكم فعل المكرَه عليه. فنقول: لا ريب في أن عدم الإكراه
المعتبر في الأحكام الشرعية في الجملة، وتفصيل الكلام يقتضي شرح المقال في جهات:
الأولى: في الإكراه بالنسبة إلى التكاليف الشرعية، فنقول: إن الإختيار التام المقابل للإكراه شرط في التكاليف كافة ولا تكليف على المكرَه فيما أكره عليه فإنه لو وعده بالضرر إذا صلى بحيث خاف منه جازله ترك الصلاة ولا فرق بين فعل الحرام أو ترك واجب والمسئلة مما لا بحث فيها وكيف كان فالدليل على عدم التكليف للمكرَه عليه الإجماع وقوله تعالى: [لا إِكْراهَ في الدّينِ] إذا فسرناه بأنه لا تكليف يتعلق بالمكرَه عليه في الدين وقوله تعالى: [إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ] وقوله تعالى: [وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ الله مِنْ بَعْدِ إِكراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ] وغير ذلك من الآيات وقوله (ص): (رفع عن أمتي تسعة) وعدّ منها: (ما إستكرهوا عليه) وبالجملة فالدليل على كون الإكراه موجباً لرفع التكليف في الفعل الحرام وترك الواجب واضح لا ستر فيه وكفى في ذلك أدلة الحرج وأدلة نفي الضرر وأدلة التقية شاهداً ومؤيداً.
نعم استثني من ذلك قتل النفس المحترمة فإنه حتى لو أكره عليه فإنه حرام لما تقدم في مبحث التقية من أنه لا تقية في الدماء نصاً وإجماعاً.
وألحق الشيخ (ره) الجرح أيضاً إدراجاً له تحت الدماء المذكورة في النص والمشهور على خلافه لأن المتبادر من الدم هو
القتل واستدل على ذلك صاحب العناوين بأنه لا ريب في أن حفظ النفس في نظر الشارع أقوى وأولى من غيرها ولذلك نرى أن المحرمات من قبيل شرب الخمر وأكل الميتة ونحوهما كلها تحل إذا كان المقام مقام الخوف على النفس وكذلك الواجبات من الصلاة أو صوم أو نحوهما تسقط بعد معارضة الخوف على النفس لمرض ونحوه وهذا الإستقراء مع ما علم من طريقة الشارع إهتمامه بحفظ النفس يقضي بإرتفاع كل عقوبة وإثم عن فعل حرام أو ترك واجب إذا عارضه الخوف على النفس وذلك واضح وهذا معنى قولنا إن المكرَه لا إثم عليه ثم قال ومن هنا ظهر سر عدم التقية في الدماء إذ علم مما مر أن سبب التقية هو حفظ النفس وحيث كان المقام مقام إتلاف النفس فلا وجه للتقية لأن المحذور حاصل ولا ترجيح لإحدى النفسين في نظر الشارع فكما يجوز قتل النفس حفظاً للأخرى كذلك يجوز العكس ولا وجه للترجيح. مضافاً إلى أن القتل للأولى محقق وللثانية محتمل إذ لعل المكرِه (بالكسر) لا يفعل- انتهى، ولا يخفى عليك ما فيه فإنه مضافاً إلى كونه أخص من المدعى لأن الإكراه قد يكون بالوعد بأخذ المال أو التعدي على العرض فلا يكون معه خوف على النفس إنه لا وجه لما ذكره أخيراً من السر في عدم التقية في الدماء لأنه لو تم لاقتضى عدم التقية في المال فيما لو خاف على ماله لو لم يتصرف في مال غيره فإنه أيضاً يقال إنما شرعت التقية لحفظ المال فإذا بلغت التقية المال فلا تقية اللهم إلا أن يقال إن أصل تشريع التقية لحفظ النفس وتشريعها لحفظ المال والعرض من توابع