مفهوم الغاية
ثالثها مفهوم الغاية أي أن تعليق الحكم على الشيء بأحد حروف الغاية كإلى وحتى يدل على انتفاءه عما يذكر بعدها؟ فإذا قال الشارع سر من الكوفة إلى البصرة كان تعليق وجوب السير من الكوفة إلى البصرة يدل على عدم وجوب السير في البصرة وقد ذهب إلى دلالة التعليق بالغاية والتقييد به على انتفاء الحكم عن الغاية الأكثر من أصحابنا وأغلب العامة بل كل من قال بمفهوم الشرط فزعموا أنه يصح إن يستدل به على مخالفة ما بعد حروف الغاية لما قبلها في الحكم. وذهب السيد المرتضى (ره) من أصحابنا والشيخ البهائي (ره) في مشرق الشمسين عند تفسير قوله تعالى: [إلى الْمَرافِقِ] وبعض الحنفية على عدم الدلالة وقالوا إن المستفاد من اللفظ هو ثبوت الحكم إلى الغاية وأما ما بعد حروف الغاية فمسكوت عنه لا يحكم عليه بثبوت حكم ما قبلها له ولا بعدم ثبوته إلا بدليل آخر. وبهذا ظهر لك أن مرادهم من مفهوم الغاية هو التعليق عليه كما أن محل كلامهم هو التعليق على الغاية بالحروف كإلى وحتى دون صورة التصريح بمادة الغاية كأن يقول غاية وجوب الصوم هو سقوط القرص فإن الظاهر أنه لا خلاف لهم في الدلالة على الانتفاء عند الانتفاء كما صرح بذلك المرحوم الشيخ حسن صاحب أنوار الفقاهة في شرح مقدمة كتاب جدنا كاشف الغطاء.
وكيف كان فقد استدل على الدلالة بالتبادل وأن التعليق المذكور فيها موضوع لذلك وبعضهم استدل على ذلك بأن الظاهر من التعليق على الغاية والتقييد بها هو كون الطلب بمادته مغيّى بهذا الغاية ولازمه عقلًا عدم وجود طلب لذلك العمل بعد الغاية لأن كلمة الغاية تقتضي انتهاء الطلب لذلك العمل واختتامه بالغاية فلو كان ثابتاً الطلب بعدها لما كان منتهياً بها بل موجوداً ومستمراً إلى ما بعده.
إن قلت إن المقيد بالغاية هو المادة من حيث هي مع قطع النظر عن كونها متعلقة للطلب فيكون الواجب هو العمل المحدود بداية ونهاية نظير قولك ازرع من هنا إلى هنا وقوله تعالى: [فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم إلى الْمَرافِقِ] فإن في مثله لاحظ المتكلم أولًا السير أو الغسل محدودين بالحدين وأمر به وحقيقته راجعة إلى التوصيف بل هو نفسه فلا مفهوم له؟
قلنا هو خلاف الظاهر فإن الظاهر أن التقييد للمادة بلحاظ الطلب بمعنى أن الماهية المتعلقة للأمر المحتملة للتقييد أن الكثيرة متقيدة بهذا القيد بما هي مطلوبة فتكون الغاية قيداً لمتعلق الطلب وغاية للمادة المطلوبة ولازم ذلك عدم كون ما بعد الغاية مطلوباً وإلا لم تكن الغاية غاية ولا يصح دعوى أن القيد يكون للطلب دون المادة بأن تكون المادة مطلقة والطلب مقيد لأن تقييد الهيأة مستلزم لتقييد المادة وإلا لآل الأمر إلى التناقض أو النسخ لأن مقتضى إطلاق
المادة هو كفاية الإتيان بها في مقام الامتثال بأي فرد من أفرادها حتى الأفراد الواقعة بعد الغاية لأن المفروض أن متعلق الطلب الطبيعة المطلقة فيكون كل فرد من أفرادها فرد لمتعلق الطلب وإتيان متعلق الطلب امتثال له وعليه فالحكم بعدم كفاية الافراد الواقعة منها بعد الغاية أما تناقض لما يلتزم به من إطلاق متعلق الأمر أو مستلزم لرفع الأمر ونسخه وكلاهما خلف.
والحاصل أن المحتمل هنا ثلاثة صور:
أحدها: تقييد الطلب مع إطلاق المادة وقد عرفت أنه يلزم منه التناقض أو النسخ وكلاهما خلف.
ثانيهما: تقييد المادة دون الطلب كقولنا اغسلوا أيديكم من أطراف الأصابع إلى المرافق وقد عرفت أن يرجع إلى التقييد بالوصف وتكون كلمة حتى والى لمجرد التحديد وهو أيضاً يكون المفهوم ثابتاً له لأن الموضوع إذا لوحظ منتهياً بنهاية كان انتهاءه واختتامه بتلك الغاية أيضاً مطلوباً فلو كان طلبه مستمراً لما بعد الغاية كان منافياً لطلب اختتامه بها نعم لا ينافي ذلك طلب آخر لما بعد الغاية كقولك سرّ من البصرة للكوفة ومن الكوفة للشام. ولعلهم أفردوا مبحث مفهوم الغاية من بين سائر أقسام التوصف لذلك أيضاً. ولكن هذه الصورة خلاف ظاهر اللفظ فإن ظاهره هو الصورة الثالثة وهي تقييد المادة بما هي مطلوبة وفي ظرف تعلق الطلب بها.
إن قلت إن هذا ينافي ما ورد من قولهم قرأت القرآن إلى آخره
وأكلت السمكة حتى رأسها واستنت الفصائل حتى القرعاء فإن ما بعد الكلمة كان داخلًا في حكم ما قبلها؟
قلنا: الاستعمال في بعض المقامات لا يثبت الوضع ولا وجود قرينة عامة لاحتمال خصوصية المورد فهو لا ينافي ما ذكرناه من الدلالة على المفهوم على أنا لا نسلم في الأمثلة المذكورة استعملت حتى للغاية وإنما استعمل لتأكيد الاستيعاب لجميع موضوع الحكم فإن ظاهر حال المتكلم هو ذلك فإن ظاهر قوله: (قرأت القرآن) أنه قرأه بأجمعه ثم أكده بذلك وهكذا باقي الأمثلة، بل يمكن دعوى أن حروف الغاية تدل على تأكيد الاستيعاب في كل مورد كان مدخولها جزءاً مما يتقدمه بحيث يكون المتقدم عليها يشمله حتى إذا لم يجيء بأحرف الغاية كالأمثلة المتقدمة فإن (قرأت القرآن) يشمل آخره (وأكلت السمكة) يشمل رأسها (واستنت الفصائل) يشمل القرعاء بخلاف مثل (سر إلى البصرة) فإنه لم يذكر ما قبلها ما يشملها وهكذا مثل سر من الكوفة إلى البصرة فإن الكوفة لا تشمل البصرة. ولذا في تلك الأمثلة لو قلنا (أخذت في قراءة القرآن إلى سورة كذا) دل على الغاية وإن السورة لم تقرأ وهكذا لو قلت (شرعت في أكل السمكة حتى رأسها) دل على الغاية وأن الرأس لم يأكل.
المطلب الثالث: هل التقييد بالغاية يدل على نفي الحكم سنخاً عن ما بعدها أم لا؟ الظاهر من بعض المحققين تبعاً لبعض الأساطين هو التفصيل بين ما إذا كان القيد يعني الغاية قيداً للموضوع ولو
بلحاظ الحكم أو للحكم فلا دلالة على النفي على الأول لأنه حينئذ يكون من مفهوم الوصف وقد مر عدم دلالته على المفهوم ويدل عليه على الثاني لانسياق ذلك منها وكونه قضية تقييده بها وإلا لما كان ما جعل غاية بغاية وقال بعض الأساطين مفصلًا بين الصورتين أيضاً إن تعليق الفعل بالغاية كما في قولك سر من البصرة إلى الكوفة يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يلاحظ السير المبتدأ من البصرة المنتهي إلى الكوفة ويأمر به بواسطة اشتمال هذه القطعة من السير على مصلحة أو ينهي عنه مع قطع النظر عن سائر قطعات السير وجوداً وعدماً ومرجعه إلى طلب فعل واحد أوله كذا وآخره كذا فالطلب إنما تعلق بالفعل المحدد ابتداءاً وانتهاءاً.
الثاني: أن يلاحظ السير المطلوب فعله أو تركه أولًا ثم بعد اعتبار تعلق طلبه به يلاحظ تحديده بداية ونهاية بما يصلح لذلك التحديد فعلى الأول لا وجه لاستعمال كلمة الغاية والتعليق بها لو كان المراد ذلك فمن حقه استعمال التركيب المتنازع فيه ومجرد إمكان رجوعه إلى التوصيف لا يجدي إذا لم يقم دليل على امتناعه في الشرط أيضاً.
قلت لم أحصل معنى صحيحاً لتقييد الهيأة من دون المادة بل تقييد الهيأة مستلزم لتقييد المادة ولا يجوز إطلاقها مع تقييد هيأتها بمعنى لو اعتبر الهيأة مغيّاة بغاية لا يمكن اعتبار المادة مطلقة غير
مقيدة بها بل تقيد الهيأة مستلزم لتقييد مادتها وإلا يئول الأمر إلى التناقض والتنافي بين مقتضيها أو السنخ.
توضيحه إن مقتضى إطلاق المادة هو كفاية الإتيان بها في مقام الامتثال إذا وقع متعلقه للأمر مثلًا لأن المفروض أن كل فرد من أفراد الطبيعة المطلقة فرد لمتعلق الطلب وإتيان متعلق الأمر امتثاله فلو فرض الإتيان بالأفراد الواقعة بعد الغاية فأما أن يلتزم بكفايته في حصول كل فرد فرض عنها فالحكم بعد كفاية الأفراد الواقعة منها بعد الغاية أما تناقض لما يلتزم به من إطلاق في متعلق الأمر أو مستلزم لرفع الأمر وفسخه وكلاهما خلف هذا لو قلنا بجواز تقييد الهيأة وإن قلنا بامتناع رجوع التقييد إليها فالأمر واضح. ثم بعدما فرض من رجوع القيد إلى المادة لا محالة فأما أن يجعل المقيد هو المادة من حيث هي مع قطع النظر عن كونها متعلقة للأفراد يجعل التقييد راجعاً إليها في ظرف تعلق الأمر بها ولازم الأول عدم وجوب الفعل تدريجاً بل الواجب هو الفعل المحدود بداية ونهاية نظير قولك ازرع من هنا إلى هناك وقوله تعالى: [فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم إلى الْمَرافِقِ] فإن في مثله لاحظ المتكلم أولًا السير أو الفعل مثلًا محدودين بالحدين وأمر به وحقيقته راجعة إلى التوصيف بل هو نفسه إلا في وجه نشير إليه.
وكيف كان الكلام لنا الآن في هذا القسم لرجوعه إلى الوصف
وإن كان مقتضى ما سنشير إليه ثبوت المفهوم لمثل هذا الوصف أيضاً ولعلهم إنما أفردوا الغاية من بين سائر أقسام التوصيف لذلك أيضاً.
وعلى الثاني وهو أن يلاحظ تقييدها في ظرف تعلق الأمر بها في قبال التقييد على الوجه الأول بأن يكون تقييدها بالغاية لتحديد ما هو متعلق للأمر بمعنى أن الماهية المتعلقة للآمر المحتملة لتقييدات كثيرة متقيدة بهذا القيد فيكون القيد المزبور معيناً لما احتمل في الماهية المتعلقة للآمر من القيود فالتقييد بالغاية يدل على عدم الحكم فيما بعدها لما مر من أن الغاية قيد لمتعلق الطلب فالغاية غاية للمادة المطلوبة فتدل على عدم كون ما بعد الغاية مطلوباً وإلا لم تكن الغاية غاية.
قلنا في المقام دعويان أوليهما تصور تقييد المادة كذلك والثانية اقتضاءه عدم كون المادة الواقعة بعد الغاية مطلوبة أما الاول فما عرفت من أن تقييد الهيأة مع قطع النظر عن تقييد المادة مستلزم للنسخ أو التناقض وتقييد المادة مع قطع النظر عن وصف كونها مطلوبة راجع إلى التوصيف و لا يستفاد منه اعتبار كون العمل مبتدءاً من كذا ومنتهياً إلى كذا فهو خارج عن محل الكلام وإن كان ستعرف إمكان استفادة المفهوم منه أيضاً فالتقييد الذي يكون محل النزاع هو تقييدها بما هي متعلقة للأمر بحيث تكون الغاية غاية لعنوان مطلوبيتها لا بأن يكون التقييد للماهية المطلوبة يعني عارضاً على طلبها بعد لحاظ تعلقه بها كما هو ظاهر بعض الأساطين في عبارته المتقدمة كيف ولازمه دلالة اللفظ على ثبوت الطلب لها وكونه مستمراً إلى كذا وقد بين في محله عدم إمكان ذلك وأن دلالة مثل
قوله (كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر) على قاعدة الطهارة واستصحابها غير جائزة بل بمعنى جعل القيد بياناً للمادة الواقعة في حيز الطلب بما هو كذلك فيكون الغاية غاية لها بما هي مطلوبة ولازمه عدم وجود طلب بعد الغاية، ومنه تبين الحال دعوى الثانية فالتحقيق ابتناء النزاع على كون كلمة حتى وإلى دالة على الانتهاء والاختتام أو على مجرد التحديد؟ والتحقيق هو الأول وحينئذ فدلالة الغاية على عدم وجود طلب بعدها واضحة إذ لولاها لم تكن ما جعلت غاية بغاية بل قد عرفت أن تقييد الموضوع بها أيضاً راجع إليه لأن الطلب إذ تعلق بالسير الملحوظ مختتماً إلى كذا مقتضاه كون وصف اختتامه مطلوباً أيضاً وهو ينافي تعلقه بعدم اختتامه الذي هو لازم طلب استمراره إلى ما بعدها.
نعم لا ينافي ذلك تعلق طلب آخر بسير غير مختتم إلى ما بعد الغاية فقوله سر من البصرة إلى الكوفة لا ينافي قولًا آخر سر منها أي من البصرة إلى الشام وينافي قوله ومن الكوفة إلى الشام كما أنه جرد لحاظه الابتداء والاختتام أو اعتبر الوصف لمجرد تحديد القطعة حتى يتعلق بها الطلب لم يكن وجه لدلالة القضية على مفهوم ولعله مراد من جعله قيداً للموضوع بما هو هو أو بما هو متعلق للطلب وإن كان لا يساعده العبارة وكيف كان فالموضوع الملحوظ متعلقاً للطلب إن اتصف بكونه مختتماً لا يمكن تعلق الطلب بشيء ينافي مطلوبية اختتاميته وإن جعل اعتبار الاختتام قيداً للمادة بأي وجه اعتبر