المكرَه كالآلة فهناك لا يصدق السبب ولا يصير ضمان عليه وهو خارج عن محل البحث بل عن الإكراه أيضاً ويدخل في عالم الإضطرار.
وربما يقال إن وجه القول بكون القاعدة إنما هي عدم ضمان المكرَه (بالفتح) لأن السبب أقوى من المباشر ولكن خرج الدم بالإجماع والنص، أو نقول إن القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) في جميع الموارد ولكن يرجع إلى المكرِه (بالكسر) كالمغرور بالإجماع وهو إنما قام في غير الإكراه على قتل النفس ولكن دعوى الإجماع على ذلك في غاية الإشكال وكون القاعدة هي ضمان المكرَه (بالفتح) هو أشكل لما عرفت أن القاعدة تقتضي عدم ضمان المكرَه فالحق إن وجه الإستثناء للإكراه على قتل النفس إنما هو من جهة النص والإجماع على أن المكرَه هو الضامن.
فتلخص أن مصير المشهور إلى عدم ضمان المكرَه في محله على القاعدة وأما ضمانه في باب الدم فللنص والإجماع. وربما يقال إن صدق السبب على المكرَه على القتل من جهة أن الإكراه في العرف إنما يعتبر فيما كان المخوف منه أمراً أعظم مما أكره عليه كما هو الغالب فإن من أكره بدفع ألف حذراً من دفع واحد أو من أكره لدفع واحد حذراً من الوقوع في واحد آخر مثله لا يعد مكرهاً عرفاً وعادةً فهنا أيضاً نقول كونك مكرهاً على قتل النفس لا يكون إلا مع كون ما تحذر منه أشد مما تقع فيه والفرض أن قتل نفسك ونفسه
سواء المحذورية إلا أن يقال إن المدار على نظر المكرَه (بالفتح) ولعل قتل نفسه أعظم في نظره من قتل شخص آخر بل هو كذلك لأن الإنسان يفر من تلف نفسه وإن تلف غيره بذلك قال صاحب العناوين (ره) إنه قد اتفق الكلام في رفع هذا الإشكال مع شيخنا المحقق الشيخ محمد حسن أيده الله فأجاب بعد كلام طويل بأن الظاهر أن الفعل يسند إلى المكرَه (بالفتح) في كل مقام إلا في صورة سلب القصد وباب الدم على القاعدة حينئذ ولكن نجيب عن سائر المقامات بأن قوله (ص) رفع ما استكرهوا عليه يدل على رفع المؤاخذة والضمان أيضاً فيقدم على أدلة الضمان فيكون باب الدماء خارجاً بدليل خاص على عدم التقية فيه.
وأوردتُ عليه بأنه في الخطأ والنسيان أيضاً يلزم عدم الضمان؟ فأجاب بأن دليل الضمان نرجحه فيها بالإجماع والشهرة ونقدم العكس في الإكراه للشهرة هذا غاية مراده أيده الله ولكن أوردتُ عليه:
أولًا: بأن الظاهر من رفع ما إستكرهوا رفع المؤاخذة فلا يدل على رفع الضمان كما أن قوله لا تقية في الدم معناه إثبات الإثم ولا دلالة فيه على الضمان ولو سلم فسياق الخبر وذكر الخطأ ينافي ذلك والتفكيك في غاية البعد مع أن ظاهر الأصحاب عدم استنادهم في رفع ضمان المكرَه إلى الرواية فالإشكال غير منحل عند الإنصاف.
وأما الإكراه على الأسباب الفعلية للملك كالإحتطاب
والإحتشاء والإصطياد والمعاطاة ونحوها فهل يشترط في تأثيرها الملكية الإختيار فلا يكون المكرَه (بالفتح) مالكاً حينئذ بذلك مطلقاً أو لا يشترط بل يكون مالكاً به مطلقاً أو يبقى مراعي فإن رضى المكرَه بعد ذلك بما فعله ملكه وإلا فلا يملكه وعلى هذا التقدير فيمكن كونه بطريق الكشف بمعنى كون الرضا كاشفاً عن تمليكه بالحيازة من حين الحيازة أو بطريق النقل فيملك من حين الرضا وعلى فرض عدم الملك أصلًا أو إلى زمان حصول الرضا كما هو قضية القول بالنقل فهل المال باق على الإباحة الأصلية أو على ملك البايع أولًا بل يملكه المكرِه (بالكسر) لأنه في الحقيقة فاعل السبب والمكرَه (بالفتح) كالآلة؟ وجوه وإحتمالات لا يخفى وجوهها على المتدرب في الفن فلا حاجة إلى ذكرها. والعمدة في ذلك ملاحظة أدلة الأسباب الفعلية فعلى القول بأن قصد التملك معتبر في ذلك كما يراه بعض الأصحاب. قد يقال إنه لا يملك لعدم القصد! ولكنك قد عرفت في بحث موضوع الإكراه أن المعتبر في الإكراه وجود القصد إلى المسبب كالتملك في المقام مع فوات الرضا بالمسبب فلا يتفاوت الحال بين القول بإشتراط قصد التملك وعدمه من جهة الإكراه فيكون محل الكلام في المقام ليس في تحقق قصد التملك من المكرَه لأن فرض الكلام أنه متحقق منه وإنما ليس براضِ به وإنما محل الكلام أن هذه الأسباب تكون سبباً للتملك بشرط صدورها عن إختيار ورضا فلابد من الرجوع للأدلة الدالة على سببية هذه الأسباب للتملك فيرجع النزاع إلى أن مثل قوله (ص): (من حاز شيئاً ملكه) أو
(من أحيا أرضاً ميتة فهي له) أو نحو ذلك هل هي دالة على كون هذا الفعل بالإختيار والرضا موجب للتملك أو أعم من ذلك وهذا البحث آت في جميع الأفعال فإن قولنا (قام) هل معناه قام عن إختيار أو أعمَّ منه ومن الإكراه؟ والذي يقتضيه النظر أن يقال إن الإكراه إن بلغ حد سلب الإرادة فذلك لا بحث فيه في عدم صدقه وهو خارج عن النزاع وأما ما عداه فالحق أن أصل الفعل أعم من الإختيار أو الإكراه لتبادر القدر المشترك وعدم صحة السلب ولكن ينصرف إلى الإختياري عند إطلاقه فهذه الأدلة لا ريب في أن المتبادر منها الإختياري وكون ما صدر عن إكراه موجباً للملك يحتاج إلى دليل والأصل قاضِ بالبقاء على الإباحة الأصلية ونسبتهِ للمكرِه (بالكسر) أيضاً غير واضح لعدم صدق السبب من حيازة وإصطياد بالنسبة إليه بعد توسط رجل في البين قاصد لأن يكون هو المتملك لا المكرِه (بالكسر) لكون قصد المكرِه (بالكسر) الإكراه على الحيازة للمكرَه (بالفتح) لا لنفسه وعليه فلا يصدق عليه أنه حاز قطعاً، نعم لو أكره للحيازة لنفسه فلا يبعد صدق دليل الحيازة بالنسبة إليه وكون المكرَه كالآلة حينئذ. وبالجملة فلا يملكه المكرَه (بالفتح) بمجرّد حصول الحيازة، نعم لو حصل له الرضا بعد ذلك فالظاهر حصول الملك له لصدق الدليل لأنه حيازة مع الرضا كما سيأتي توضيح ذلك في العقود، وبالجملة يصدق عليه أنه حاز شيئاً وأحيى أرضاً وقد كان المانع من الصدق عدم الرضا وقد حصل، ثم إن الظاهر أن الرضا يكشف عن الملك بالحيازة لأنها السبب وهو شرط فإذا حصل أَثّر
السبب في حينه.
وأما الإكراه في القبض فيما يعتبر في ترتيب الأثر عليه بالقبض فالظاهر أن الإكراه يرفع أثر القبض ويجعله بمنزلة العدم فلو أكرهه على عدم القبض فهو بمنزلة ما إذا أكرهه على عدم الحيازة أو على عدم البيع فالإكراه وإن كان لا أثر له لكن السبب والمقتضي لما كان غير متحقق فلا يحصل المسبب وهو التملك، وأما الإكراه في الأقارير كما لو أكره على الإقرار بالقتل أو السرقة أو الدين فلا يعتد به ولا يعمل بمقتضاه فإن الإقرار إنما يكون حجة على المقر من باب كشفه عن واقع الحال ومع التهديد والخوف ليس له كاشفية عن الواقع.
وأما الإكراه في الإيقاعات والعقود فالحق أن الإكراه مانع عن صحتها لأمور أحدها الإجماع ولعل مدرك المجمعين ما يأتي من الوجوه:
ثانيها: قوله تعالى: [لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكَمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ] وهو صريح في أن ما لا رضاء فيه هو أكل للمال بالباطل والمكره على العقد لا رضاء له بأكل ماله ويتم الإستدلال بهذه الآية في الإيقاعات كالطلاق ونحوه بضميمة عدم القول بالفصل.
إن قلت إنها ظاهرة في حرمة الأكل بالباطل وهو فيما نحن فيه أول الكلام لإمكان أن يكون المال قد انتقل بالعقد من المكرَه فلا يكون أكلًا للمال بالباطل؟ قلنا ليس المراد بالأكل إلا التسلط على
المال لوضوح أن لا خصوصية للأكل في المقام وبقرينة الإستثناء يعلم أن التسلط من دون تراضي من الباطل وفيما نحن فيه يكون التسلط من دون تراضي لأنه قد صار بالإكراه. ولا يخفى عليك ما في الاستدلال بها فإنه لاريب في كون الإستثناء منقطعاً لكون التجارة عن تراض ليست من الباطل، وإلا بمعنى لكن في الإستثناء المنقطع فيكون الإستثناء بمنزلة جملة مستقلة تدل على جواز الأكل بالتجارة عن تراضي وهي لا تقتضي المنع عن الأكل بغير تراضي لأن مفهوم الوصف ليس بحجة، نعم لو قلنا إن الآية الظاهرة في التحديد لما يؤكل أو قدّر الإستثناء متصلًا بأن قدّرت الآية أنه لا تأكلوا أموالكم بالباطل أو بغيره من الأسباب إلا بسبب التجارة صار الإستثناء متصلًا صح التمسك بها على المدعى إلا أن كلا الإحتمالين لا ظهور للآية في أحدهما ظهوراً استقرارياً بحيث يكون معولًا عليه فإنها لو كانت في مقام التحديد لزم التخصص بالأكثر كالأكل بالإرث أو بالهبة أو بالضمان أو بالرهن ونحو ذلك والإستثناء المتصل يحتاج إلى التقدير المذكور الذي لا تساعد عليه قواعد الفن وربما يورد على الإستدلال بهذه الآية بأنها لو تم الإستدلال بها لزم عدم صحة المعاملات كبيع داره لقضاء حاجته فإنه لارضاء له؟ وجوابه أن المراد بالرضا هو إستقلال إرادته من دون قهر إنسان له وفيما نحن فيه بعد ملاحظة الجهات المحسنة للبيع يكون قد باع بإستقلال نفسه فهو عن رضى.
ثالثها: الأخبار الواردة في طلاق المكرَه وعتقه وبضميمة عدم
القول بالفصل يتم المطلوب، منها حسن زرارة عن أبي جعفر (ع) قال سألته عن طلاق المكرَه وعتقه، فقال: (ليس طلاقه بطلاق ولا عتقه بعتق)، ومنها ما رواه عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: (لو أن رجلًا مسلماً مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطّلق ففعل لم يكن عليه شيء). ومنها ما رواه يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الله قال: سمعته يقول: (لا يجوز طلاق في استكراه، ولا تجوز اليمين في قطيعة رحم) إلى أن قال: (وإنما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه ولا إضرار) الخبر، ومنها صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: سألته عن عتق المكرَه، فقال (ع): (ليس عتقه بعتق)، ومنها رواية محمد: (من اشترى طعام قوم وهم له كارهون قُص لهم من لحمه يوم القيامة)، قال في المستند وهو في قوة النهي الدال على الفساد.
رابعها: النبوي المجمع عليه بين المسلمين: (رفع أو وضع عن أمتي تسعة أو ستة) منها ما أكرهوا عليه، ففي الخصال على ما ذكره جدي الهادي (ره) هو (رفع) وفي الكافي (وضع). والحديث على رواية الخصال: (رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، وما اضطروا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكير في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة) فإنه ظاهر في رفع جميع ما يترتب عليها من الآثار الشرعية سواء كانت أحكاماً
تكليفية أو أحكاماً وضعية فإن هذه المذكورات ليس بيد الشارع رفعها تكويناً وإنما بيده رفعها تشريعاً والرفع التشريعي إنما يكون برفع الآثار الشرعية التكليفية والوضعية ويشهد لذلك مافي صحيحة البزنطي عن أبي الحسن (ع) في رجل يستكره على اليمين فيُحلَّف بالطلاق والعتاق صدقة ما يملك أيلزمه ذلك قال (ع): (لا، قال رسول الله (ص): وضع عن أمتي ما أكرهوا عليه ومالم يطيقوا وأخطأوا). والمراد بالحلف بالطلاق هو أن يَحلِف الرجل بأنه لو كان العمل المحلَف عليه قد صدر منه فكل إمرأة يتزوجها فهي مطلقة بنفس تزويجها أو يحلف بأنه لو كان العمل الفلاني صادر منه فكل إمرأة متزوجها فهي فعلًا مطلقه منه فيقع طلاقها بمجرد هذا الحلف لو كان قد صدر منه ذاك العمل وهكذا المراد بالحلف على العتق أو الحلف على صدقة ما يملك فإن المراد به أن يحلف على أن العمل الفلاني لو كان صادراً منه فكل ما يملكه بملكه نفسه يكون صدقة لا حق له فيها أو كل ما كان مالكه فهو صدقة فعلًا بمجرد هذا الحلف من دون حاجة إلى نية التصدق وهذا الحلف عند العامة يترتب عليه الأثر بحيث يكون لازماً عليه الطلاق والعتق وصدقة ما يملك، وأما عندنا فهو لا يلزم به ذلك فهو ملغى حتى لو صدر الحلف منه كذلك بلا إكراه والإمام (ع) استشهد على عدم الأثر لهذا االيمين وعدم لزومه عند الإكراه بالحديث المذكور فإنه لولا دلالته على رفع جميع الآثار لما صح من الإمام (ع)