مضافاً إلى أن الفسخ إنما كان للعقد من حين صدور الفسخ لأن العقد قد كان تاماً من أركان فأثر أثره ثم فسخ بقاءه. واستدل لكون الرضا كاشف بحكم الإمام (ع) بالتوارث بين الصغيرين المتزوجين إذا مات إحداهما في صغره فإنه يرثه الآخر إذا كبر وأمضى الزواج بعد إحلافه بأن إمضاءه للزواج ليس من جهة الميراث للمال بل من جهة حبه للزواج بالميت فإنه يتعدى من هذه الصورة إلى سائر المعاملات لعدم القول بالفصل.
هل للطرف غير المكرَه أن يفسخ قبل رضاه؟
لا ريب في جواز التصرف المكرَه في ماله قبل صدور الرضا منه واسترجاعه من المشتري ولا يتوقف على إنشاء الفسخ لعدم صحة المعاملة في حد ذاتها مع عدم رضاه فلا حاجة لفسخها. وأما الطرف الآخر غير المكرَه فقد قال بعضهم إنه لا يجوز له التصرف في ماله الذي هو بدل المال المكرَه عليه صاحبه ولا يحق له الفسخ بل يجب عليه الإنتظار إلى أن يحصل رضا المالك أو عدمه لأن الرضا لما كان كاشفاً عن صحة العقد وإنتقال المال من حين وقوع العقد وقد كان من المحتمل لحوقه صار من المحتمل إنتقال ماله إلى المكرَه فلا يجوز له التصرف فيه فيجب عليه الإنتظار حتى يعلم الحال من جانب المكرَه أنه يرضى أو يردّه، نعم لو قلنا بأن الرضا ناقل فقبل صدوره يكون المال له قطعاً فله التصرف فيه واسترجاعه لأنه لا يحتمل قبل صدور
الرضا أن ماله قد صار مال غيره حيث أنه حتى لو صدر الرضا فهو يوجب الملك من حين صدوره لا من زمن العقد.
إن قلت: إنه حتى على الكشف يستصحب عدم صدور الرضا في المستقبل لأنه أمر وجودي حادث؟
قلنا: لا يصح استصحاب أعدام أعدام الأمور الوجودية المستقبلة التي لها الأثر. لذا لو نذر شخص شاة إن قدم ابنه من السفر فلا يصح له أن يستصحب عدم قدومه فيذبح الشاة وهكذا المرأة لو عقدت نفسها على شخص لا يجوز لها أن تستصحب عدم قبوله فتتزوج وهكذا من شك في القدرة على أفعال الحج فليس له أن يستصحب عدم القدرة عليها فلا يحج وهكذا في الصوم وسره واضح لأن العدم المستصحب لم يكن له أثر إلى زمن الشك وإنما كان الأثر لوجود المستقبل وعدمه فعلًا قطعي فلا أثر له لأنه مشكوك حتى يستصحب إلى الآن ولو استصحب حتى الآن لا أثر له. والحق أن يقال إنه حتى لو بنينا على الكشف يحق له استرجاع ماله لأن معنى الكشف هو ان الرضا يجعل العقد يؤثر من حينه لا من حين الرضا فقبل تحقق الرضا المعاملة فاسدة ولا تأثر للعقد لكونه حقيقة فاقدة لبعض شروط الصحة. ولو سلمنا ذلك فنقول إنه إنما يتم فيما لو كان الطرف الآخر عالماً بالحال وأقدم على الشراء أما إذا لم يكن عالماً بالحال فإنتظاره وعدم تصرفه بماله الأصلي ضرر عليه منفي بقاعدة لا ضرر فله الخيار.
فروع المسألة
ولا بأس بالإشارة إلى بعض فروع المسألة:
أحد الفروع:
إن المعاملة الصادرة من المكرَه لا تخلو أما أن تكون عبارة عما أكره عليه وأما أن تكون مغايرة لما أكره عليه، وأما ان تكون أزيد منه، وأما أن تكون انقص منه.
أما الصورة الأولى: فكما لو أكرهه على بيع داره فباعها ولا إشكال في هذه الصورة في فساد المعاملة.
وأما الصورة الثانية:وهي ما إذا كانت المعاملة مغايرة لما أكره عليه كما لو أكره على بيع فرسه فباع حماره وكما لو أكره على البيع فأجّر أو صَالحَ أو أكرهه على البيع نقداً فأسلم أو أكرهه على البيع بخيار فألزم أو أكرهه على شيء بشرط الإنفراد فضمه إلى شيء آخر أو أكرهه على شيء بشر إنضمامه إلى شيء آخر فأفرده فإنه في هذه الوجوه كلها لا يعد مكرهاً في شيء من ذلك لأن المدار في الإكراه على صدور ذلك الفعل المأتي به من دون الرضا وهذا لا يكون إلا بوقوعه على مقتضى إرادة المكرِه (بالكسر) ورضاه فالمخالفة قاضية بعدم مراعاة رضا المكرِه (بالكسر) فلا بد من كونه عن رضا نفسه كما هو ظاهر الفعل وليس في الوجوه التي ذكرناها لهذه الصورة بين
المكرَه عليه وبين المأتي به عموم وخصوص حتى نقول بأنه أحد أفراد المكرَه عليه بل بينهما تباين بالذات أو القيد أو بالخصوصية الإعتبارية، ولكن بعض أساتذة العصر ذكر أن من أكره على بيع داره فباع كتابه لإحتمال أن يقنع المكرِه بذلك ويرفع يده عن بيع داره فإن بيع الكتاب يكون فاسداً لأنه بغير طيب النفس. ولا يخفى عليك ما فيه فإن بيع الكتاب لم يكن عن إكراه لما عرفت من ان حقيقة الإكراه هو حمل الغير على الفعل مع توعيده بالضرر وفيما نحن فيه لم يوعد بالضرر على بيع الكتاب ولم يحمله الغير عليه. ودعوى عدم طيب النفس ببيعه مدفوعة بأن نفسه قد طابت ببيعه مراعاة للمصلحة وهو دفع شر الغير نظير من يبيع كتابه ليدفع ثمنه للظالم الذي يكرهه على دفع مقدار من المال.
وأما الصورة الثالثة: ما إذا كانت المعاملة أزيد مما أكره عليه وهي تتصور على وجوه:
منها أنه لو أكره على بيع شيء واحد لا بشرط الإنفراد بل بلفظ مطلق فباعه منضماً إلى الآخر كما لو أكرهه على بيع المصراع الأيمن من باب دار فباع المصراع الآخر معه لعدم استفادته به أو لعدم شراء المشتري له من دونه أو نحو ذلك عد إكراهاً في الجزء المكرَه عليه لأن ضمه شيئاً آخر له لا ينافي كونه مكرهاً عليه فيكون البيع بالنسبة إليه فاسداً. وأما ما ضمه إليه فبيعه يكون صحيحاً لإنتفاء الإكراه بالنسبة إليه لأن الظالم لم يحمله عليه.
إن قلت: لولا الإكراه على بيع ذلك الشيء لما ضمه إليه فالإكراه هو الداعي لبيعهما معاً.
قلنا: لا ننكر ذلك ولكن الداعويه إنما كانت لكراهة وجود الضميمة بعد بيع المكرَه عليه والكراهة غير الإكراه فإنها عبارة عن البغض فهو بعد أن أكرهه على بيع الشيء بغض وجود ما ضمه إليه فباعه معه أو أن المشتري لم يشترِ الشيء إلا بعد ضم تلك الضميمة إليه أو نحو ذلك وإلا فهو لم يُكرَه على بيع الضميمة لأنه لم يحمله غيره على بيعها ولم يوعِده بالضرر على عدم بيعها فأدلة البيع تشملها. والإكراه ليس بموجود بالنسبة إليها وكان عندها طيب النفس ببيعها لبغضه لوجودها عنده بعد بيع ما أكره عليه نظير من اكره على بيع فرسه فكره البقاء في داره فباعها بعد بيع فرسه ونحو ذلك.
ومنها ما لو أكرهه على أحد الشيئين أو أحد الأشياء تخييراً فباعها جميعاً فإن كان قد باع تدريجاً فلا ريب في كون السابق منهما هو الذي تحقق المكرَه عليه في ضمنه فهو فاسد، وأما الثاني فلا إكراه فيه فبيعه صحيح. ودعوى أنه يُرجَع للبائع في استيضاح المكرَه عليه منهما مدفوعة بأنه عند بيع الأول لم يبق للإكراه عين ولا أثر لأن الإكراه قد ارتفع بالأول منهما ارتفاعاً واقعياً وإن باعهما دفعه واحدة قيل أنه لا يصح البيع فيهما معاً لوجهين:
(أحدهما): إن الإكراه على أحدهما كان هو الباعث على
بيعهما فكان بيعهما ناشئاً عن الإكراه لا عن طيب النفس.
وفيه ما لا يخفى فإن بيع أحدهما كان ناشئاً عن الإكراه دون الآخر لأنه لم يُوعَد عليه بالضرر وإنما كان موعوداً على أحدهما فلابد بد أن يكون منشأ بيعهما معاً لغرض آخر كعدم استفادته بالآخر مع بيع أحدهما أو عدم وجود المشتري لأحدهما دون الآخر أو إرادته الإرتحال من هذا المكان بعد إكراهه على بيع أحدهما أو نحو ذلك وإلا لو كان الإكراه هو المنشأ فقط لباع أحدهما فقط لأنه لا يعقل أن يدعو الشيء إلى اكثر مما يقتضيه.
(ثانيها): إن البيع باطل لأن المكرَه عليه هو عنوان أحدهما وهو قابل للإنطباق على كل واحد منهما في الواقع فالبيع الفاسد منهما غير معين واقعاً وجعله أحدهما بعينه ترجيح بلا مرجح فتعين بطلانهما معاً ولا أحدهما المردد بلا عنوان لأنه غير معقول لاستحالة ملك المردد.
ولا يخفى عليك ما فيه من أن بيع العنوان الكلي المردد صحيح ألا ترى أنه يصح بيع حفنة من هذه الصبرة من الطعام وفيما نحن فيه كان الأمر كذلك.
وقيل بصحة البيع في الجميع كما هو رأي الشيخ الأنصاري (ره) والمحكي عن المرحوم النائني لأن البيع لهما معاً لم تكن عن إرادة المكرِه وإنما هو بإرادة مستقلة لأن ما أكره عليه لم يقع في الخارج وما وقع لم يكره عليه.
والحاصل أن إرادة المجموع هي التي كانت منشأ للبيع وليست منبعثة عن إرادة المكرِه ضرورة أن المكرِه ما أراد إلا أحدهما ولم يرد الكل ولم يتوعد عليه فلا بد من أن يكون لها باعث آخر وليس هنا إرادتين مستقلتين أحدهما متعلقة بما أكره عليه والأخرى متعلقة بما يقارنه بل المجموع متعلق بإرادة واحد منبعثة عن غرض خاص.
وفيه ما لا يخفى عليك فإن بيع أحدها لاريب في أنه قد كان عن إكراه المكرِه قد أكرهه على بيع أحدهما لا بشرط وهو قد باعهما من جهة إكراه المكرِه فكان ما إكره عليه منطبقاً على أحدهما إلا أنه قد ضم إليه في البيع الشيء لآخر، نعم لو كان المكَره عليه أحدهما بشرط لا تم ما ذكر والحاصل أن ما نحن فيه نظير من أكره على بيع شيء معين فباعه مع شيء آخر فإن الإكراه لا يزول بالضميمة إليه فقوله (إرادة الكل غير منبعثة عن إرادة المكرِه) مسلم لكن إرادة الكل ترجع إلى إرادتين غير متنافيتين أحدهما كانت منبعثة عن إرادة المكرِه والأخرى منبعثة عن غرض خاص كاستفادة المال أو قطع العلاقة نظير من يكرم زيداً درهمين أحدهما لأنه عالم والآخر لأنه هاشمي قوله: (ضرورة أنه ما أراد إلا أحدهما ولم يرد الكل) لا يخفى عليك أن المكرِه لم يرد أحدهما بشرط لا وإنما أراده لا بشرط وما ذكره (ره) إنما يتم لو أراده بشرط لا قوله (ليس ههنا إرادتين مستقلتين) قد عرفت وجودها وأي مانع منه إذا كانا غير متنافيين وهل أعمالنا المتصلة إلا عبارة عن إرادات مستقلة منضم بعضها إلى بعض.
والأولى أن يقال إن البائع لما كان بيعه لأحدهما عن طيب نفسه ومن غير إكراه وكان عنوان أحدهما ينطبق على كل واحد منهما فكان كل منهما يطيب نفس البائع ببيعه وعدم إكراهه له وحيث أن ذلك لم يكن بشرط لا وإلا لما ضمه للآخر فكان كل منهما بيعه عن طيب نفس وعن عدم إكراه سواء كان منظماً للآخر أو منفرداً عنه فبيعه لهما يكشف عن طيب نفسه ببيعهما وعدم الإكراه فيه فالغرض الذي حدث في نفسه لبيعهما أوجب تبدل الحال.
وقيل بصحة البيع في أحدهما وفساده في الآخر ويعين بالقرعة الفاسد من الصحيح وهو الذي احتمله صاحب العناوين (ره).
وردّ هذا الإحتمال المحقق الأصفهاني بأن القرعة إنما يرجع إليها فيما إذا كان المطلوب متعيناً في الواقع ومجهول لدينا وفيما نحن فيه المكره عليه لم يكن متعيناً في الواقع حتى يعين بالقرعة.
وأجاب عن ذلك بعض أساتذة العصر بعد أن إختار الرجوع في المقام الى القرعة بقوله: إن مورد القرعة غير منحصر فيما ذكر بل هي تجري في كل أمر مشكل أو مشتبه لإطلاق أدلتها ومن هنا أطبق الفقهاء على الرجوع إلى القرعة فيما لو طلق شخص أحد زوجاته من غير تعيين مع أن المطلقة لا تعيين لها لا واقعاً ولا ظاهراً.
أقول: الظاهر أن حجية القرعة ليس من باب الطريقية للواقع والكاشفية عنه وإلا لكان الحق ما ذكره المحقق الأصفهاني (ره) فإن