وتوضيح الحال وتنقيحه يستدعي الكلام في أمور وإليك شرحها.
الأول إشتراط الحرية في إباحة التصرفات
إن أفعال العبد وتصرفاته من دون إذن مولاه هل هي حرام أو ليست بحرام وإنما تحرم عليه إذا نهاه المولى عنها؟ هذا مع خروج الواجبات عن حريم النزاع للإجماع على ذلك والسيرة على وجوبها عليه وهكذا خروج ضروريات الحياة عن محل النزاع لعدم قدرته على تركها والمسألة غير محررة في كلمات أعيان الفقهاء تحريراً واضحاً والذي يمكن أن يكون مستنداً للقول بالحرمة أمور:
الأول: إنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه ضرورة أن لسانه وغيره من جوارحه ملك لمولاه فلا يجوز له التصف فيها إلا بإذنه بحكم العقل والنقل، وبعبارة أخرى أن تصرف العبد يكون تصرفاً في نفسه ورقبته هي ملك لغيره ولا يجوز التصرف في ملك لغيره مندون إذنه عقلًا.
ويمكن أن يجاب عنه بأن حرمة التصرف في مال غيره عقلي والعقل لا يحكم بالحرمة إلا في الأشياء الخطيرة التي يوجب التصرف فيها الضرر على المالك دون الأمور اليسيرة التي ليس لها ضرر على المالك كالإستناد الى حائط غيره والاستظلال بظله مع عدم نهي المالك وأما مع نهيه فالمشتبه به أيضاً محرم وعلى هذا فيرجع في الأمور
اليسيرة إلى أصل الإباحة فليس حال العبد إلا مثل حال الحر الذي هو مملوك لله تعالى والأشياء غير الضرورية للعيش التي ليس فيها أمارة المضرة والمفسدة مباحة في حقه من جهة حكم العقل بالإباحة والظاهر من مساق الأخبار ومن مناسبة الحكم للموضوع أن مناط الحرمة في أفعال المملوك هو كون الفعل الصادر منه منافياً لخدمة مولاه لا مجرد كون المولى مالكاً له بتمامه من لسانه وسائر جوارحه ويؤيد ذلك هو تعرض الفقهاء (رحمهم الله) لعدم صحة صومه إلا بإذن المولى مع عدم تعرضهم للمنع من الصلوات المندوبة في أبواب الصلوة وإن كان يحتمل جواز العبادات المندوبة بأسرها من دون توقف على إذن المولى إلا أن تخصيص بعضها بالذكر يعطي ما قلناه وكذا الحال في تعرضهم للمنع عما هو مثل الصوم في المنع من خدمة المولى كالحج وغيره.
قال في المبسوط في كتاب الصوم: وأما صوم الإذن فثلاثة أقسام أحدها صوم المرأة تطوعاً من دون إذن زوجها فإن صامت بغير إذنه لم ينعقد صومها وكان له أن يفطرها وأما ما هو واجب عليها من أنواع الواجبات فلا يعتبر فيه إذن الزوج، وكذلك المملوك لا يتطوع إلا بإذن سيده ولا يعتبر إذن في الواجبات ... الخ.
وقال في باب الاعتكاف منه: ولا يصّح الاعتكاف ممن عليه ولاية إلا بإذن من له ولاية عليه كالمرأة مع زوجها والعبد مع سيده والمكاتب قبل كمال حريته والمدبر والأجير والضيف إلا بإذن مضيفه
لأنهم ممنوعون من الصوم تطوعاً إلا بإذن من لهم ولاية عليهم والاعتكاف لا يصح إلا بصوم- انتهى.
وقال في الشرائع في كتاب الصوم: والمحظور تسعة، وعدّ منها صوم المرأة بغير إذن زوجها ومع نهيه لها، ثم قال: وكذا المملوك- إنتهى.
وقال في كتاب الاعتكاف منها في مقام ذكر شرائطه: الخامس إذن من له ولاية كالمولى لعبده والزوج لزوجته، إلى أن قال: المملوك إذا هاياه مولاه جاز له الاعتكاف في أيامه وإن لم يأذن له مولاه- إنتهى.
وفي جامع المقاصد إن هذا إذا لم يضر بالسيد في نوبته وإلا لم يجز- انتهى.
ويلوح من هذه الكلمات أن المنع من الصوم أو الاعتكاف إنما هو لكونهما مانعين عن خدمة المولى وما يستحقه منه كما أن المنع في المرأة إنما هو من جهة منع الصوم عن حق الزوج وولايته عليها خصوصاً مع ملاحظة عدم تعرضهم للمنع من الصلوات المندوبة نظراً إلا أنه ليس من شأن الصلوة بنوعها المنع من خدمة المولى وقضاء حقوقه في القواعد في كتاب الحج وشرط المندوب أن لا يكون عليه حج واجب وإذن الوالي على من عليه ولاية كالزوج والمولى والأب- انتهى.
وقال في التذكرة لا ينعقد للعبد الصوم تطوعاً إلا بإذن مولاه لأنه مملوك ليس له التصرف في نفسه ومنافعه مستحقة لغيره وربما تضرر السيد بضعفه بالصوم فإن أذن له مولاه صح انتهى.
وقال في كتاب الحج منها: وليس له أن يحرم بحج أو عمرة إلا بإذن مولاه بلا خلاف لأن منافعه مستحقة لمولاه ويجب عليه صرف زمانه في إشغاله فلا يجوز أن يفوّت حقوق مولاه الواجبة عليه بإلتزام ماليس بلازم عليه فإن أحرم بغير إذن مولاه لم ينعقد عليه أحرام وللسيد منعه منه ولا يلزمه الهدي ولا بَدَلَه لأن إحرامه لم ينعقد ولأنه لا يملك أن يحرم لقوله تعالى: [عَبْداً مملُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] انتهى.
قال المرحوم المامغاني فالذي نعول عليه إنما هي السيرة المقتضية لجواز تصرف العبد في نفسه بما لا يتضرّر به المولى ولا يوجب فوات خدمته وترك مراعاة حقوقه التي ينتفع بها من المملوك مما زاد على القدر اللازم في التعيش ولا إشكال في ثبوتها ثم لو فرضنا عدم استقرار السيرة على ذلك كان المرجع هو الأصل الذي مقتضاه الإباحة لعدم دليل صالح للمنع مضافاً إلى ما عرفت من مساعدة كلماتهم على أن الممنوع منه من تصرفاته إنما هي ما ينافي الخدمة ويوجب الترك إيفاء حق المولى.
الدليل الثاني لهم: قوله تعالى في سورة النحل: [عَبْداً مملُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] بتقريب منا وهو أن الوصف أعني قوله:
[لا يَقْدِرُ] موضحاً ومفسراً للموصوف وهو العبد لا مخصصاً وإلا لزم خلو ذكر الموصوف عن الفائدة إذ يكفي حينئذ في المثال ذكر عدم استواء من يقدر على شيء مع من لا يقدر عليه ولا حاجة لذكر العبد لأنه على هذا الفرض أعني فرض التخصيص يكون العبد كغيره منقسم إلى قسمين قسم يقدر وقسم لا يقدر فاختصاص العبد في المثال بالذكر غير مناسب ويؤكد كون الوصف المذكور توضيحاً هو كون الوصف الذي قبله وهو قوله تعالى: [مملوكاً] هو وصف توضيحي لكون العبد لا يكون إلا مملوكاً فوحدة السياق تقتضي كون الوصف الثاني وهو (لا يقدر) أيضاً توضيحياً مضافاً لاستشهاد الإمام (ع) بهذه الآية على عدم جواز نكاح العبد وطلاقه في رواية زرارة وهو لا يتم إلا إذا كان (لا يقدر) وصفاً توضيحياً ففي الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) قالا: المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيده قلت فإن كان السيد زوّجه بيد مَن الطلاق؟ قال بيد السيد [ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيءٍ] أفشيءالطلاق؟
ثم إنه يمكن أن يقال إن ما استظهرنا من الآية من كون الوصف مفسراً وكونه من العوارض اللازمة للعبد من حيث كونه عبداً هو من لوازمه الذاتية في نظر العرف بملاحظة مفهوم العبد مع قطع النظر عن دلالة الآية لأن معنى العبودية هو ملكية غيره لرقبته فلا بد من أن يتبع الرقبة أفعالها فلا يجوز استقلاله فيها من غير إذن
غيره وإجازته، ويؤيد ما ذكرناه هو ما ذكره بعضهم من أن ظاهر الآية هو تقرير لما عليه العرف من مسلوبية العبد لاختياره. إذا عرفت ذلك فنقول إن نفي القدرة عن العبد يقتضي حرمة التصرف التكليفية وعدم ترتب الأثر الشرعي فيما كان له أثر شرعي كالعقود والإيقاعات لأن القدرة المنفية ليست هي القدرة العقلية بمعنى التمكن من العمل لكونها ثابتة له بالوجدان والعيان فلا بد من أن يكون المراد بها القدرة الشرعية وليس معنى نفيها إلا الحرمة التكليفية والوضعية وإلا لكان قادراً شرعاً على فعل الشيء وحيث أن نفي القدرة الشرعية في الآية الشريفة قد تعلق بالشيء وكان نكرة في سياق النفي فيكون معنى الآية الشريفة هو حرمة كل شيء على العبد تكليفاً ووضعاً فتدل الآية الشريفة على حرمة سائر تصرفات العبد وعدم ترتب الأثر على تصرفاته من المعاملات وغيرها وهو المطلوب وما دلّ على صحة بعض تصرفاته كالعبادات الواجبة ونحوها والتصرفات الضرورية للحياة ونحوها إنما هو بواسطة قيام الدليل المخصص للآية من عقل أو نقل فثبت أن كل تصرفات العبد حرام تكليفاً أو وضعاً إلا ما قام الدليل عليه وهو المطلوب فالظاهر من الآية الشريفة هو تشبه الأصنام بالعبد المملوك الذي يكون من أوصافه اللازمة له عدم قدرته على شيء. إن قلت إن الآية تدل على نفي القدرة بالنسبة إلى التصرفات المالية دون غيرها بقرينة قوله تعالى فيما بعد: [ومْنَ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُو يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً].
قلنا: قد أجيب عن ذلك بأن ذكر الرزق ليس لإفادة انحصار القدرة في الإنفاق بل إيراده لإثبات كمال القدرة وأنه قادر على كل شيء بخلاف العبد.
والجواب عن هذا الدليل الثاني: إنه لا ريب في أن ليس المراد بالقدرة المنفية هو القدرة العقلية لكون العبد قادراً عقلًاعلى كل ما يقدر عليه الحر ومتمكناً منه فصَوناً لكلام الحكيم عن اللغوية لا بد من حمل القدرة على غير العقلية وليس غير العقلية إلا الشرعية فيكون المعنى أنه غير قادر شرعاً على الشيء ومعنى سلب القدرة الشرعية على الشيء هو الحرمة التكليفية وعدم ترتب الأثر شرعاً عليه وإلا لكان قادراً على الشيء شرعاً، ولكن هذا المعنى لا يمكن الإلتزام به في المقام لأن لازمه أن يكون العبد محرمة جميع الأشياء عليه ولا يترتب أثرها الشرعي لو صدرت منه من دون إذن سيده لكون اللفظ (الشيء) نكرة واقعة بعد النفي فتفيد العموم وهو خلاف البديهة وضرورة الدين لكون العبد لا إشكال في وجوب أغلب الواجبات عليه وإباحة سائر الأشياء المحتاج إليها في شئون الحياة كالأكل والشرب والتكلم والنوم ونحو ذلك وعليه فيلزم التخصيص المستهجن في الآية الشريفة فلا بد من حمل الشيء على المعنى المناسب للمقام وهو الشيء الذي ينافي مملوكية العبد لمولاه ولا يتناسب مع شأنها كالسفر والتزويج والطلاق ونحو ذلك فإنه أقرب المجازات. وعليه فالآية لا تدل إلا على حرمة ما كان من التصرفات كذلك، لا حرمة جميع التصرفات وحينئذ فالتخصيص
لهذا المعنى وإن كان موجوداً إلا أنه ليس بمستهجن بالنسبة إليه ولا وجه لحملها على إرادة الشيء المعتد به كما صدر من المرحوم النائني. فإن الشيء الحقير إذا نهى عنه المولى كان محرماً بالإجماع مع أنه لم يكن معتداً به ولكن يكون فعله منافياً لملكية المولى للعبد مع أن السيرة على أن الشيء الحقير لو نافى ملكية العبد يكون حراماً ويصح توبيخ المولى للعبد على فعله.
والحاصل إن مناسبة الحكم للموضوع مع أخذ المملوكية وصفاً للعبد مع قرائن الأحوال تقتضي حمل الشيء على الشيء الذي يتنافى وشأنية الملكية للعبد كما أنه لا وجه لما صدر من بعض أساتذة العصر من حمل نفي القدرة على نفي القدرة الشرعية الوضعية إذ لا قرينة على ذلك تستدعيه سوى لزوم التخصيص المستهجن وهو لا يوجب تعيين الحمل عليه ولا أرجحيته على باقي الإحتمالات في المقام. هذا وقد ذكر المرحوم المرزا فتاح في حاشيته على المكاسب أن الآية الشريفة غير دالة على إرادة البيان للحكم الشرعي حتى يؤخذ بعموم الشيء وأن القدرة يراد بها معناها الظاهر منها وهو القدرة الخارجية وأن الشيء المراد منه المال والإنفاق سراً وجهراً بقرينة مقابلته [مَنْ رَزَقْناهُ رِزْقاً حَسَناً] فالآية المراد منها إن العبد لا يقدر على المال أخذاً وعطاءاً لأنه مكتوف اليد من سيده فهو نظير أن يقال زوجة فلان لا تقدر على العمل باعتبار أن زوجها مقيداً لها وأن ابن فلان لا يقدر على شيء باعتبار أن أباه مقيد له وأن رعايا المملكة