السنة
المستند الثاني لمعرفة الأحكام الشرعية هو السنة وهي لغة الطريقة يقال سنة فلان أي طريقته والجمع سنن كغرفة وغرف ونقلها الاصوليون الى طريقة المعصوم لبيان الأحكام الشرعية من دون تقية سواء كان النبي والأئمة (ع) أم الأولياء الذين اذهب عنهم الرجس ممن ثبت عصمتهم من باب نقل المقام الى الخامس بنحو التعين وغلبة الاستعمال.
وطريقة المعصوم (ع) لبيان الأحكام تارة تكون بالقول نطقاً أو كتباً كقوله (ع) كل شيء طاهر حتى تعلم نجاسته، ونصاً أو اشارة. وتارة تكون بعمله وفعله كما إذا صلى الفريضة عدة مرات على الراحلة في السفر أو قبل زوجته وهو صائم فانه يدل على
جواز ذلك. وتارة تكون بالترك كما لو ترك التكفر في صلاته أو ترك الاقامة أو الأذان في صلاته فانه يدل على صحة الصلاة من دون ذلك. وتارة تكون بالتقرير وهو عبارة عن سكوت المعصوم عند قول أو فعل أو ترك في محل يجب الردع لو كان فاسداً فتركه للردع والحال هذه كاشف عن رضاه به وهو دليل الجواز ولذا كانت السيرة على شيء في زمان المعصوم مع عدم ردعه عنها تدل على جواز ذلك الشيء.
والكلام الحاكي للسنة أي لقول المعصوم أو فعله أو تقريره يسمى بالحديث والخبر والأثر ولقد منع بعض الأفاضل اتباع السنة النبوية التي لم تفسر بقول أهل الذكر (ع) لما ذكر في المنع من اتباع ظاهر القرآن ولكثرة الافتراء والكذب على النبي (ص) بحيث امتنع التمييز بين الحق والباطل منها فلا يجوز الأخذ بها إلا بتمييز أهل الذكر (ع) للباطل منها عن الحق ولو بأن لم يظهر منهم (ع) انكارها مع موافقتها لدليل العقل وايجابها الظن بالصدور منه (ص) وايجابها الظن المصحح للعمل بها. واصحابنا لا يوجبون العمل إلا بهذه السنة المذكورة. وقد رد عليه بعضهم بأنه قد اوجب الشيخ (ره) في العدة العمل بالخبر من طريق المخالفين إذا لم يكن للشيعة في حكمه خبر يخالفه ولا يعرف لهم فيه قول لما روي عن الصادق (ع) انه قال إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا فانظروا فيما روي عن علي (ع) فاعملوا به وعملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث العامي الكوفي القاضي
وغيره من المخالفين عن أئمتنا (ع) وحكي من ان كثيراً من الأخبار الموجودة في الكتب الأربعة التي يدعى تواترها وافادتها العلم تنتهي اليهم فكيف صارت اولى بالاتباع من السنة النبوية التي نعلم شهرتها بين الخاصة والعامة ولم يعلم فيها نص ولا منع من الأئمة (ع) وما تمسك به من مشابهتها لظاهر القرآن فقد تقدم من الأحاديث ما يدل على ان في اخبار أهل الذكر أيضاً محكماً ومتشابهاً كالقرآن وان الكلمة من كلامهم لتعرف الى وجوه فلو كان ذلك مانعاً من العمل بالسنة النبوية لمنع من التمسك بالأخبار مع ان تعسر التمييز في اخبار أهل الذكر من السنة النبوية لمكان التقية. فالقول بامتناع التمييز وتعذره يوجب عدم العمل بالسنة تعطيل جميع الأحكام. وما تمسك به من ثبوت الافتراء والكذب في السنة النبوية وارد على هذه أيضاً كما تدل عليه الأخبار في الكافي في (باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب) في القوي كالصحيح عن ابن ابي يعفور قال سألت ابا عبد الله (ع) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به قال إذا اورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول الرسول (ص) وإلا فالذي جاءكم اولى به.
وفيه في الصحيح عن ايوب بن الحر قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: (كل شيء مردود الى الكتاب والسنة وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) وفي الصحيح عن ابن ابي عمير عن بعض اصحابه قال سمعت ابا عبد الله (ع) يقول: (من خالف كتاب الله وسنة محمد (ص) فقد كفر) وفي حديث المفضل بن عمر
بعد ذكره سؤال الفيض بن المختار عن سبب كثرة الاختلاف بين الشيعة فقال ابو عبد الله أجل هو كما ذكرت يا فيض ان الناس ولعوا بالكذب علينا وروي عن الصادق (ع) انه قال ان لكل رجل منا رجل يكذب علينا الى غيرها من الأخبار الدالة على اشتراكهما في العلة.
وقال المرحوم الشيخ عبد الحسين ولا يخفى عليك ان هذه المسألة من أهم المسائل الأصولية لابتناء استنباط أغلب الأحكام الشرعية على الحجية وعلى ثبوت حجية أخبار الآحاد يبتني هدم دليل الانسداد وكيف كان فالكلام فيها. تارة في اشكال عد هذه المسألة من المسائل الأصولية بناءاً على المشهور حيث انها باحثة عن ثبوت الدليل والمسائل إنما تكون باحثة عن عوارضه بعد ثبوته لوجوب كونه بينا في نفسه كالموجود بما هو موجود الذي هو موضوع للفلسفة الأولى أو مبيّناً في علم أعلى كالمقدار للحساب المبين في الهندسة وحيث قد اثبتنا ان الملاك في المسألة الاصولية صحة وقوع نتيجة المسألة في طريق الاستنباط ولو لم يكن البحث فيها عن الادلة الأربعة وان اشتهر في ألسنة الفحول كون الموضوع في علم الاصول هي الأدلة لكون الموضوع عندنا هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله ومن الواضح ان نتيجة هذه المسألة وهي حجية الخبر الحاكي للدليل الذي هو السنة من أسمى طرق استنباط الاحكام فلا اشكال في عدها من المسائل أصلًا بل لا وجه لاخراجها عنها مع تحقق ملاكها فيها كما لا يخفى. واما بناءاً على ما اشتهر فالاشكال وارد على عدها منها ولا مدفع له عند جملة من المحققين ولا يكاد يفيد في
ذلك، أي في دفع اشكال كون هذه المسألة أصولية تجشم دعوى أن الحكم فيها انما هو من دليلية الدليل والبحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل وعوارضه فتكون مسألة باحثه عن عوارض الموضوع لأن الموضوع هو ذات الادلة الأربعة لا بوصفها العنواني وعدم افادة هذا التجشم واضح ضرورة ان البحث في المسألة لو سلمنا ان الموضوع ذات الأدلة ليس عن دليلية الأدلة لأن ذات الدليل هي السنة التي هي قول الإمام وما بعده دليلًا وحجة بل البحث انما هو عن حجية الخبر الحاكي عنها ومنشأ الاشتباه توهم ان السنة هو الخبر الحاكي لا المحكي وهو توهم فاسد لا ينبغي الإلتفات اليه. كما لا يكاد يفيد تجشم دعوى العلامة المرتضى الأنصاري (أعلى الله مقامه) ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة وهي قول الحجة أو فعله أو تقريره هل ثبت بخبر الواحد او لا تثبت إلا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة، والوجه في عدم افادة هذا التجشم واضح فان التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الأخبار بها ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها لأن دليلية الخبر الحاكي للسنة انما دل على كون السنة المشكوك ثبوتها تثبت بخبر الواحد تعبداً كما لا يخفى.
هذا مع ان البحث عن ثبوت السنة بالخبر لم يكن عنواناً في تحرير هذه المسألة في كلام واحد وانما هو لازم لما يبحث عنه في المسألة عن حجية الخبر الذي هو عنوان المسألة والمبحوث عنه من المسائل بعنوانه المطابقي انما هو الملاك في انها من المباحث للعلم أو من غيره لا ما هو لازمه كذا قيل.
وفيه من ان الثبوت من عوارض السنة نفسها فكما ان التواتر يثبتها بما هي لا بما هي مشكوكة فكذلك الخبر انما يثبتها كما هي بذاتها لا بما هي مشكوكة وجميع مؤديات الطرق على هذا النحو ليس الشك من قيودها.
نعم هو من قيود مجاري الاصول وكون المقصود من البحث عن حجية الخبر أولا وبالذات هذا المعنى مما لا ريب فيه اذ ليس للخبر من حيث هو خبر موضوعية والبحث عن حجيته بما هو حاكي ومثبت هو البحث عن ثبوت المحكي به فاي خلل في كونه هذا البحث من المسائل نعم لو كان هذا من اللوازم غير المقصودة اولا وبالذات كان لما أفاده وجه، وليس الأمر كذلك فالمقام اشبه شيء بالكتابة بل اولى منها كما هو واضح لا يخفى على الفطن فما أفاده شيخنا العلامة في غاية الجودة.
وتارة في ثبوت السنة بالخبر فالمحكي عن السيد والقاضي وابن زهرة والطبرسي وابن ادريس عدم ثبوتها بالخبر وعدم حجية الخبر بل الأخباريون قاطبة مانعون عن حجيته وانما يعملون بالموجود في الكتب الأربعة بعنوان انه قطعي الصدور فالنزاع مع غيرهم في الكبرى والصغرى معاً والظاهر ان عدم التعرض لقولهم لقلة الثمرة بعد ان يكونوا عاملين بهذه الأخبار الموجودة نعم انما تظهر الثمرة في غير الموجود في الكتب الأربعة وفي الموجود إذا لم يجمع شرائط الحجية عند غيرهم كما لا يخفى.
وكيف كان فالمانعون قد استدلوا أو أُستدل لهم بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم ك- [لا تقف ما ليس لك به علم] وغيرها وهي كثيرة والروايات المختلفة اللسان الدالة بحسب لسان طائفة منها على رد ما لم يعلم انه قولهم (ع) او لم يكن عليه شاهد من كتاب الله أو شاهدان كما هو لسان طائفة أخرى او لم يكن موافقاً للقرآن كما هو لسان طائفة ثالثة وهذا النوع متطابق في الدلالة على رد الخبر اليهم (ع) الموصوف بما ذكر فيه أو الدالة على بطلان ما لا يصدقه كتاب الله كما هو لسان طائفة رابعة أو على ما لا يوافق كتاب الله فهو زخرف كما هو لسان طائفة خامسة أو على ان ما لا يوافق كتاب الله أو ما خالفه لم يقولوه أو يرمى به وجه الجدار كما هو لسان طائفة سادسة وعلى النهي عن قبول حديث إلا ما وافق الكتاب والسنة والظاهر ان هذا مدلول أكثر هذه الطوائف بل كلها إلا ان الدلالة في بعضها بالمطابقة وفي بعضها بالالتزام الى غير ذلك بما عرفت وغيره.
ومما استدل لهم به أيضاً الاجماع المحكي عن السيد في مواضع من كلامه بل حكى عنه انه جعله بمنزلة القياس في كون تركه معروفاً من مذهب الشيعة.
والجواب عن الجميع في غاية الوضوح اما عن الآيات فبان الظاهر منها أو المتيقن من اطلاقها هو حرمة اتباع غير العلم في الاصول الاعتقادية لا ما يعلم منه الفروع الشرعية ولو سلم عمومها لها بل لعله ظاهر بعضها مما كان مورده من الفروع كما لا يخفى على
الخبير فهي مخصصة أو مقيدة بالأدلة الآتية الدالة على اعتبار الاخبار غير المفيدة للعلم الواردة في خصوص الفروع.
واما ما ظاهره المعارضة من حيث عمومه للاصول والفروع أيضاً فهو أيضاً اخص مطلقاً من الآيات لعمومها لغير العلم مطلقاً واختصاص ادلة الاعتبار الأخبار بالظن الخبري فتخصص بها.
وأما الجواب عن الروايات بأنها اخبار آحاد فالاستدلال بها دوري لتوقف حجتها على حجية مطلق الخبر والمفروض توقف حجيته على حجيتها لكونها هي الدليل بل هي مما يستلزم وجوده عدمه لوضوح ان حجيتها مع دلالتها على عدم حجية الخبر تستلزم عدم حجيتها وهذا واضح.
لا يقال انها وان لم تكن متواترة لفظاً ولا معنى إلا انها متواترة اجمالا للعلم الاجمالي بصدور بعضها لا محالة، وبعبارة أخرى ان الدليل انما هو بعض المعلوم اجمالا المقطوع صدوره فيما بينها لا جميعها فلا دور. فانه يقال في رفع هذا السؤال انها وان كانت كذلك إلا أنها حينئذ تكون اخص من المدعى لأنها لا تفيد إلا فيما توافقت عليه وصار متيقناً من بينها وهو غير مفيد في اثبات السلب للحجية كلياً كما هو محل الكلام ومورد النقض والابرام وانما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب والسنة لانه هو المتيقن منها والالتزام به ليس بضائر إذا كانت المخالفة للكتاب مخالفة كلية اذ عدم حجية هذا الصنف من الخبر إجماعي.